رغم مطبات التحقيقات القضائية: طريق ساركوزي نحو قصر الإيليزيه باتت معبدة

حجم الخط
1

باريس -«القدس العربي»: بات طريق الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي سالكا نحو قصر الإيليزيه مرة أخرى، بعد أن اكتسح الحزب المحافظ الذي يتزعمه «الاتحاد من أجل حركة شعبية» نتائج الجولة الثانية من انتخابات مجالس الأقاليم التي شهدتها فرنسا، ومني فيها الحزب الإشتراكي الحاكم الذي ينتمي إليه الرئيس فرانسوا اولاند بهزيمة مذلة.
وتصدرت المعارضة اليمينية الفرنسية نتائج انتخابات مجالس الأقاليم في جولتها الثانية والنهائية، حيث فاز تيار يمين الوسط بقيادة حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية برئاسة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، إلى جانب اتحاد الديمقراطيين والمستقلين بنحو 66 دائرة من أصل 101، بينما اكتفى الحزب الاشتراكي الحاكم بـ33 دائرة، كما فاز حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان بالعديد من المقاعد، لكنه لم يتمكن من الفوز بإدارة ولو إقليم واحد كأضعف الإيمان.
وتميزت انتخابات مجالس الأقاليم الفرنسية بمقاطعة واسعة من الناخبين ما يعكس تذمر الفرنسيين وغضبهم من ساسة بلادهم، إذ لم تتجاوز نسبة التصويت خمسين بالمئة، حين صوت عشرون مليون فرنسي فقط ممن يتمتعون بــحــق التصويت من أصل أربعين مليون شخص.
وبرر رئيس الحكومة الفرنسية الاشتراكي مانويل فالس خسارة حزبه إلى التشرذم الحاصل داخل اليسار الفرنسي قائلا: «اليسار مفكك ومنقسم على نفسه في الجولة الأولى، وتراجع إلى الوراء على الرغم من سيطرته على عدد من مجالس الأقاليم المسجلة».
وبات المختصون في فرنسا يشبهون نيكولا ساركوزي بطائر العنقاء الخرافي الذي يموت ويحترق ويصبح رمادا، ثم ما يلبث أن ينهض من رماده وينبعث حيا بعد مماته، ليمد رأسه كلاعب أساسي لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث يمثل الفوز بثلثي المجالس دفعة لساركوزي الذي عاد منذ أربعة أشهر لتولي زعامة حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية وهو ما عارضه أعضاء آخرون من قدماء الحزب.
وقال ساركوزي إن «الشعب الفرنسي رفض بشكل كبير سياسات فرانسوا اولاند، لم يربح حزبنا هذا العدد الهائل من المجالس، فهناك رفض منقطع النظير لهذه السياسات».
وأضاف «آلة المناوبة انطلقت ولا شيء سيوقفها» بينما أخذ خصمه الرئيسي داخل الحزب وزير الخارجية السابق آلان جوبيه علما بالأمر مشددا على ان هذه الانتخابات تعزز استراتيجية التحالف مع الوسط. ومعروف أن جوبييه يعتبر الخصم الأول لساركوزي داخل حزبه ومنافسه الرئيسي على نيل تزكية الحزب للترشح باسمه للانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث ينتقد السياسي المخضرم باستمرار النهج اليميني الذي يطبقه ساركوزي لمنافسة اليمين المتطرف، ويقول أنه سيذهب «حتى النهاية» لتحقيق هدفه في أن يصبح مرشح اليمين في الرئاسيات المقبلة.
وعمق فوز حزب ساركوزي في انتخابات مجالس الأقاليم من جراح الرئيس فرانسوا اولاند الذي عانى العديد من الانتكاسات على الصعيد الشخصي، رغم أن حسن إدارته لأزمة الاعتداءات الدامية ضد «شارلي إيبدو» ومحل الأطعمة اليهودي في باريس منتصف شهر كانون الثاني/يناير الماضي أعادت إليه بعض الدعم والأمل من خلال تحسن مستوى شعبيته لدى الفرنسيين. علما أن قياديين في الحزب الإشتراكي الحاكم باتوا على قناعة بأن حزبهم سيقصى في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2017 إن قرر اولاند الترشح لولاية ثانية.
ويرى أنصار الرئيس الفرنسي السابق في نتائج انتخابات مجالس الأقاليم فرصة ذهبية لإضفاء الشرعية على عودة بطلهم «ساركو» كما يحلو للبعض مناداته، بوصفه منقذ تيار اليمين الذي صار في حالة يرثى لها، لاسيما بعد تقدم حزب الجبهة الوطنية المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي وضعف الرئيس فرانسوا أولاند .
وفي هذا الإطار يقول المؤرخ كريستيان ديلبورت أن ساركوزي يحلم بالعودة كمنقذ لفرنسا ولكنه لم يعد في النهاية إلا كمنقذ لحزب الاتحاد من أجل حركة شعبية، سيمثل ذلك تحديًا حقيقيًا بالنسبة له لأنه بذلك سيعود كرجل سياسي شأنه شأن الآخرين .
وأصبح حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الذي بات ساركوزي يتولى رئاسته، وحلفاؤه من الوسط أول قوة سياسية في البلاد متقدما على اليمين المتطرف الذي كان يأمل في الوصول إلى المرتبة الأولى وكذلك على الحزب الاشتراكي للرئيس فرنسوا اولاند.
غير أن عوائق كثيرة قد تقف في طريق عودة ساركوزي إلى قصر الإيليزيه، يتمثل أهمها في الملاحقات القضائية للرئيس السابق، بعد أن بات مهددا بالتعرض لتحقيقات قضائية جديدة على علاقة بتمويل حملاته الانتخابية السابقة اعتقلت بموجبها ثلاثة من كبار مساعديه بينهم مدير حملته الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2012 حيث استمع قضاة التحقيق إلى الرئيس الفرنسي السابق على خلفية قضية اختلاسات في الحسابات المالية لحملته الانتخابية.
غير أن ساركوزي نجح ببراعة في إقناع القضاة بعدم مسؤوليته أو علمه بما جرى رغم اعتراف بعض مساعديه ووضعهم رهن الإعتقال، فاعتبره القضاة بعد ساعات من التحقيق معه شاهدا مدعى عليه وأفلت في هذه المرحلة من توجيه التهمة إليه في التحقيق الذي فتح بتهمة استغلال الثقة.
لكن متاعب ساركوزي القضائية لم تنته على ما يبدو في هذا الملف، على اعتبار أن وضع الشاهد المدعى عليه يظل وفق القانون الجنائي الفرنسي متأرجحا بين صفة الشاهد وبين توجيه الاتهام، خاصة وأنه أثناء التحقيق مع ساركوزي كان ثلاثة من مقربيه في الحبس على ذمة التحقيق في قضية أخرى تتعلق بالحسابات نفسها لتمويل الحملة الانتخابية.
والتحقيق الذي تم الاستماع خلاله إلى إفادة ساركوزي يتعلق بدفع حزبه الاتحاد من أجل حركة شعبية في نهاية تشرين الاول/أكتوبر من العام 2013 للغرامات المالية التي فرضت عليه شخصيا لتجاوز سقف النفقات المسموح بها في حملة انتخابية رئاسية (22.5 مليون يورو). وفي إطار هذا الملف اتهم الرئيس السابق للحزب جان فرنسوا كوبيه مطلع شباط/فبراير الماضي «باستغلال الثقة» بعد الاستماع إليه لخمس ساعات من قبل قضاة متخصصين في قضايا الفساد المالي.
وإضافة إلى المقربين الثلاثة من ساركوزي المعتقلين، وجه الاتهام نفسه إلى مسؤولة الخزانة في الحزب كاترين فوتران في القضية نفسها في كانون الاول/ديسمبر الماضي، كما تم استجواب المدير السابق لحملة ساركوزي وشخصين آخرين من قبل شرطة مكافحة الفساد في قضية شركة «بيغماليون» حول نظام مفترض لتزوير فواتير وضع ليتمكن الاتحاد من أجل حركة شعبية من الحصول على 18.5 مليون يورو من النفقات المرتبطة بحملة ساركوزي.
ويجمع المختصون في فرنسا على أن المسائل القضائية المتورط فيها نيكولا ساركوزي أو مقربون منه باتت تلقي بظلالها بشكل كبير على مسيرة الرئيس السابق، خاصة وأنه كان قد استجوب في تموز/يوليو الماضي بتهمة الفساد للاشتباه بانه حاول الحصول من قاض على معلومات سرية في ملف يتعلق بالمليارديرة ليليان بيتانكور.
ويحقق قضاة في اتهامات غير مدعومة بأدلة على تمويل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي لحملته الرئاسية في 2007، حيث خرجت الفضيحة إلى العلن حين طالب سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم القائد الليبي الراحل معمر القذافي ساركوزي بإعادة الأموال التي دفعها والده لصالح حملة ساركوزي في انتخابات 2007، بعد أن تغيرت العلاقة بين الرجلين من التحالف إلى العداء، إذ تصدرت فرنسا حملة القصف الجوي ضد ليبيا خلال الانتفاضة الشعبية على نظام القذافي. ولم يلبث موقع «ميديا بارت» الفرنسي المختص بالفضائح المالية والسياسية أن نشر وثائق توضح أن حملة ساركوزي تسلمت نصف مليون دولار نقدا من القذافي.
وأعتقلت الشرطة الفرنسية نجل وزير داخلية الرئيس الفرنسي السابق كلود غيان في إطار ملف بشأن شكوك في تمويل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي لحملة ساركوزي، حيث تم استجواب فرنسوا غيان خصوصا بشأن «تحويلات مالية».
وورد اسم ساركوزي في قضية محرجة أخرى تتعلق بالتحكيم المثير للجدل في 2008 بموافقة السلطات السياسية بدفع 403 ملايين يورو لرجل الأعمال برنار تابي لتسوية خلاف مع بنك كريديه ليونيه حول إعادة بيع شركة اديداس، كما فتح تحقيق بحق كريستين لاغارد وزيرة الاقتصاد السابقة في حكومة ساركوزي وهي تتولى اليوم منصب المديرة العامة لصندوق النقد الدولي بتهمة الإهمال ونقض القضاء هذا التحكيم.
ولم تقتصر تحقيقات الفساد بتمويل ليبي لحملة ساركوزي على الداخل الفرنسي، بل تعدتها إلى الخارج حين استمع محققون للرئيس السابق لمالي، أمادو توماني توري باعتباره شاهدا في العاصمة السنغالية دكار من قبل دائرة التحقيقات الجنائية في إطار قضية التمويل الليبي لحملة ساركوزي في عام 2007. وعقدت الجلسة بحضور اثنين من قضاة التحقيق الفرنسييين من المحكمة الجنائية في باريس واستمرت لعدة ساعات.
وقبل عامين، قضت المحكمة الدستورية في فرنسا بأن حملة ساركوزي الانتخابية عام 2012 تجاوزت الحد القانوني للتمويل، ما دفع القضاة إلى التحقيق في قضية دفع الحزب بموجبها غرامة مالية صدرت ضد ساركوزي عقب حكم قضائي، وكان على الرئيس السابق شخصيا دفعها، حيث أعفت المحكمة الحزب من دفع الغرامة للدولة، وحكمت على ساركوزي بدفع تعويض حددته في 11 مليون يورو أي نحو 11.8 مليون دولار.
وتنتظر ساركوزي جلسات استماع ماراثونية من قضاة وجهوا إليه اتهامات مبدئية في تحقيق حول مزاعم بأنه حصل على 50 مليون يورو (54.5 مليون دولار) كتمويل ونفي ساركوزي ارتكاب أي خطأ أو وجود أي مسؤولية له في القضية.
وفي ضربة قضائية اعتبرت موجعة لساركوزي سمحت أعلى محكمة إدارية في فرنسا للصحافيين بالإطلاع على الملفات الخاصة بحملة الرئاسة التي فاز بها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في العام 2007، والتي يعتقد أنها حصلت على تمويل غير مشروع من نظام الزعيم الليبي معمر القذافي.
وطالب مجلس الدولة الفرنسي اللجنة المسؤولة عن مراقبة أموال الحملة بنشر تفاصيل المراسلات المتبادلة بين ساركوزي ومسؤول الحملة المالي، وفقًا لقانون جديد يضمن حرية الوصول إلى الوثائق الإدارية للصحافيين .

محمد واموسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية