رفقا بتراث الإنسانية

■ ما تنفك تورد وكالات الأنباء سلسلة من الأحداث المتعاقبة فتطورها نشرات أخبارنا إلى قصص تحمل إلينا زادها من القتلى والجرحى ومقدارها من الجهات المسؤولة وجرعاتها من ردود الفعل المحلية والدولية. لكن تغفل وكالاتنا عادة جانبا لا يقل اهمية – وهو عامل التراث الوطني للأرض المستهدفة. ولا يفوتني تقصيرنا عندما نتكلم عن التراث الوطني فكأننا نقيم هنا سدا منيعا حول حدود الوطن، متغافلين أنّ الأوطان، إنما ورّثتنا أدباءها ورجالات فنونها فقدّمتهم هدية لنا، نحن الإنسانية، عسانا نهتدي بهدي أفكارهم حاملة التجديد، ونستنير بآفاق لم تطرق بعد، تأتي بها أعمال ننهل منها أكثر فأكثر على خطى التقويم الممنهج لحقائق عالمنا، بذاك نلبي احد أبسط شروط التسامح، الذي هو من جهته الطريق الأوحد إلى السلام.
السلام.. هو الذي كان تحدث عنه بيان وكالة رويترز الذي قرأته هذا المساء، أو بالأحرى، حتى نكون دقيقين، هو الموضوع الذي أورده ضمنا، لكن بضمنية ترقى إلى مستوى صراحة أصبحت تتلاشى تجلياتها أيامنا بدرجة مهولة. السلام، وسيلة وغاية تحتاج لمقومات أساسية لنلامسها على الأرض، وبيان وكالتنا لهذا المساء وضع إصبعا على واحد من أكثر بيوت الداء انفتاحا.. إنه بيت الثقافة، وقد نقول، ليس بمجرد تأثرنا بازدواجية التلاعب اللفظي وإنما بإيماننا الراسخ بتلازم المفهومين، بيت الحكمة.
لقد أورد بيان رويترز ثلاثة أنباء متزامنة أفادت تباعا، بهدم تمثال موسيقي القرن التاسع عشر اسحاق الموصلي، ثم تمثال شاعر عصره أبو تمام، ثم تحطيم قبر أحد الآباء الروحيين لمؤرخي العرب وهو ابن الأثير، في العراق.
لقد تغير خاطر السلطان، كما يقول البيت الشعري. والسلطان هنا ليس سوى عصرنا، عصرنا الذي فصل مركزية الثقافة عن مركزية السياسة، بينما ظلت بغداد رمزا لانصهارها. فالعصر الذهبي للخلافة البغدادية، الخلافة الراشدية التي شرع البعض في توظيف ذكراها لأغراض جنونية، موشك على أن يصبح حبرا على ورق – ليس ميدانيا فحسب، وقد باتت الحال كذلك على كل حال، وإنما في الأذهان وفي الذاكرة أيضا. ليس هدم العروة الوثقى التي تجمع الإنسانية بتراثها مجرد إسفاف بالقيمة الرمزية للثقافة التي أحسن مدبرو العملية في هدر دمها، إنما هو أيضا عملية ممنهجة لدوس معلم من معالم الهوية العربية التي ظلت العراق الحبيبة منارة لها. لقد أعلنت الحرب الأهلية على الثقافة ايضا، بحيث سعى التيار المنافي لقوة الصورة إلى إلغاء واحدة من أكثر أدوات التعبير فعالية في زماننا.
ويبدو ان هذه القوة الخشنة تتناغم مع قوة ناعمة لا تقل عنها خبثا وهمجية، فليست عملية التحطيم المنسقة لعصور من التاريخ سوى التعبير الظاهري عن إيديولوجيا التحطيم التي كرست مصلحة البعض في إلغاء الذاكرة لاستبدالها بلعبة نسيان مدمّرة تسابق زمان الإنسانية لتقيم مقامه عصرا حجريا جديدا.
الحجر ـ تلك المادة التي توالى النحاتون على تصويرها وتصييرها على شاكلات مكنت الإنسان من التماهي معها، فأحدثت علاقة بالتحف انتشلت دينامكية الزمان من غياهب الاندثار.. الحجر، تلك المادة التي شيد بها الإنسان مقابر لتخليد ذكرى أجداده في آخر نفس ابداعي يكرم حياة.. الحجر، تلك المادة التي صاغت منها اللغة جمودا لا يقر له قرار ونسجت على منواله ابعادا توصل بالأفكار والمبادئ والمبادرات على درب التكلّس والتلاشي.. الحجر، تلك المادة التي تحيي كما تميت، وتحمل القدرتين المتعارضتين على توريط المرء كما على تثمينه.
الحجر المدمّر، الحجر المخلّص، تلك رسالة التمثال إلينا. التمثال المحطّم، عميل سري لعصر الحجر، النصب التذكاري، ذاكرة حية لعصور مضت، وستمضي، ولم تمض بعد. الحجر المدمّر، الحجر المخلّص، تلك رسالة القبور إلينا. القبر المحطم، عميل فاضح لوحشية الغريزة العوجاء. القبر المشيّد، شاهد على أثمن ما يزخر به عالمنا، البشرية.
فأين عراق الجهاد من جهاد النفس؟

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية