إلى متى سيبقى الفكر العربي مكبلا بقيود جنود المراقبة، الذين طالما أسسوه على الجمود والتحجر العقائدي؟ متى سيتحرر من قبضة الأجوبة اليقينية الصارمة الشائكة؟ متى سنشرع في تشييد فكر يفضح ويعري ويحفر في أعماق الساحة العربية والإسلامية العطشى للحقيقة؟
لقد آن الأوان للانتقال من المرحلة الأيديولوجية إلى المرحلة الإبستمولوجية، كما سبق أن عبر عن ذلك هاشم صالح في كتابه «الانسداد التاريخي»، خصوصا بعد ما حصل في العالم العربي من أحداث، حيث تراجع الحس التاريخي عند أصحاب الأيديولوجيات المتنافرة، سواء كانت ماركسية أو قومية أو أصولية إسلامية، بابتعادها عن مفهوم الحقيقة، وبات ضرورياً للخروج من «الانسداد التاريخي» أن يظهر خطاب فكري جديد مسلح بدرجة عالية من الحس التاريخي بموازين القوى العالمية، لكن قبل ذلك، ينبغي تحرير الروح العربية الإسلامية من قيودها التاريخية في معركة طويلة من أجل الكشف عن الحقيقة الرازحة تحت ركام القرون، فأكبر مشكلة هي ألا تشعر بوجود مشكلة، وأكبر درجات العبودية هي أن تشعر بأنك حر وأنت مقيد بالأصفاد.
لم يخل تاريخنا الطويل اليهودي والمسيحي والإسلامي – كما أوضح يوسف زيدان في كتابه: «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني» ولن يخلو يوما من الارتباط الشديد بين الدين والسياسة والعنف، مادامت دواعيه موجودة. كما أن النظر إلى هذا التاريخ على أنه تاريخ واحد مرتبط بالجغرافيا من شأنه أن يساعدنا على فهم طبيعة حضوره في الحاضر الراهن والمعيش.
أي معالجة لقضية التداخل القائم بين الدين والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة، لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا عبر فهم عميق ومتبادل لطبيعة ما هو ديني وما هو سياسي، ولن يتأتى هذا الفهم إلا بالاعتراف المتبادل بمشروعية النظرة السياسية (الممكنة) وضرورة الرؤية الدينية (المطلقة) بالنسبة للمجتمعات. لابد من تكريس هذا الوعي لدى أفراد المجتمع، وتأكيده ببرامج تثقيفية ومناهج تربوية توضح ذلك التلازم (الممكن/المطلق) وتكرس تكاملهما في العملية الاجتماعية بعيدا عن الطنطنة العلمانية الجوفاء، وبعيدا عن التظاهرات المسماة (حوار الأديان) التي تقام من حين لآخر، التي تزعم بأن الأديان كلها تدعو للمحبة والسلام والحوار والتسامح.
كما لا ينبغي أن نتجاهل الأثر الذي خلفته العولمة وثورة الاتصالات على المجتمعات الإنسانية، إذ لم تعد هذه الأخيرة بعيدة عن بعضها، فقد صار العالم يطل بعضه على البعض الآخر. وصرامة الأنظمة السياسية الضابطة، سوف تهددها دائما مظاهر الحرية الإنسانية في بلدان أخرى. بينما تهدد هذه الحريات المتاحة في البلدان الأخرى أحوال القهر الاجتماعي في البلد المتشدد دينيا. وهو ما يؤدي إلى النظر إلى المجتمعات الحرة المتحررة على أنها مجتمعات كافرة يلعب بها الشيطان.. فتزداد المسافات، وتحتدم المواقف، ويحدث الصدام الداخلي والخارجي. وهذا الصدام هو المسمى مؤخرا بالإرهاب. ومن هذا المنطلق يدعو زيدان إلى التعاون على المستوى الدولي ليس عن طريق مواجهة العنف باسم محاربة العنف الديني الذي يتحول بدوره إلى إرهاب آخر فالحلول ليس جزئية وإنما تكون شاملة وفي إطار تعاون متكامل.
إن الحراك الذي شهدته الدول العربية مؤخرا، قد حرك الطاقات الحية التي كانت مختزنة، والتي اعتقد الحكام المتسلطون على الرقاب بأنهم أخمدوها بواسطة آليات القمع والترهيب وبدأ الناس يسعون إلى استرجاع حقوقهم واستدراك ما فاتهم من فرص، فسقطت بعض رموز الاستبداد وظهر أن هناك فجرا جديدا مقبلا، يبدد الظلمة التي عاشتها هذه المجتمعات منذ عقود، لكن تطور الأحداث بين بالملموس بأن التغيير ينبغي ألا يقتصر على إسقاط الحكام المستبدين، لأن الأمر يتعلق ببنيات استبدادية أكبر منهم، بل هي التي تسندهم وتكرس قمعهم وقهرهم للشعوب. إن المعركة طويلة النفس، لكن ينبغي خوضها من أجل الكشف عن تلك البنيات الراسخة سياسيا وثقافيا واجتماعيا ودينيا. كما أن بناء المستقبل لا يتم بدون هدم تلك القلاع البالية وصولا إلى استرجاع كيان الإنسان العربي وحقه في الوجود.
يدعو المحلل النفسي مصطفى صفوان في كتابه «لماذا العرب ليسوا أحرارا» إلى تحرير الإنسان، من خلال استرداد حق القول والكلام للكشف عن الحقيقة الذاتية، وبالتالي التحرر من الاستلاب الذي تمارسه عليه المكبوتات النفسية التي هي الوجه الآخر للقهر السياسي والاجتماعي والثقافي. فعندما يتحرر الإنسان من الداخل يســــترد ذاته الأصلية وينفتح على الرباط الإنساني ويعترف بالآخر انطلاقا من الاعتراف بالذات وهو أساس كل تحرير سياسي واجتماعي.
لقد ترسخت بنيات الاستبداد في هذه المجتمعات من خلال تحالف ثلاثي: التجريم والتحريم والتأثيم، أي من خلال الاستبداد السياسي والأصوليات الدينية والعصبيات القبلية. فالاستبداد السياسي يمارس التجريم من خلال أجهزته القمعية التي تحارب كل تمرد وخروج عن الطاعة. كما يتعزز هذا الاستبداد من خلال التحريم الديني الذي يسيطر على النفوس ويخضعها لسلطته. ويتكرس الاستبداد كذلك عبر حكم العصبيات العشائرية القبلية مقابل الحماية وتأمين المصالح. إن العلاقات الاستبدادية الناجمة عن هذا الثالوث تولد علاقات أخرى تنتشر في البيت والمدرسة والمسجد والعمل والنشاط العام تنتج لاوعيا ثقافيا يساهم بدوره في ترسيخ الاستبداد.
يقترح خليل أحمد خليل في كتابه «لماذا يخاف العرب الحداثة، بحث في البدو قراطية» مجموعة من الشروط الضرورية للخروج من هذا المأزق الذي يعيشه العرب اليوم وبالتالي استدراك حالة التأخر التاريخي التي طال بها الأمد:
1- ضرورة العلم، حيث لا يمكن في نظره تأسيس عروبة جديدة بدون بنية تأسيسية ترفعها من الوجدان إلى المعيش التاريخي من أجل تجاوز المنحى التكراري الارتكاسي، وإنتاج نمط جديد للحكم يتجاوز النموذج البدوي الثيوقراطي نحو النموذج الديمقراطي التعددي والتداولي.
2- ضرورة العقلانية، فإذا ظلت العروبة منفصلة عن العقل ستغرق في إهاب التتريث وفقه الفتاوى مما سيؤدي إلى الاستغلاق السياسي الذي يتحكم في دواليب الواحد المتعدد، أما دخول العقل على الخط فمن شأنه أن يساهم في تنوير العروبة لذاتها وإنتاج حداثتها المنشودة بدل إدارة عالمها بالوهم وفتح المجال لـ»علم الآخر» أن يستعمر العالم العربي بلا هوادة.
3- إن الانتقال من النمط القبائلي التقليدي إلى النمط العروبي العلماني التعددي مشروط بتطوير المجتمعات العربية عبر إطلاق محركات العقلانية التطبيقية، فهذه المجتمعات تحتاج اليوم إلى تقوية بنائها المعرفي عبر مدارس وجامعات عصرية تنتصر للعلم ضد الوهم والشعوذة والبهلوانية.
4- ضرورة توجيه نتائج البحث العلمي نحو أحداث العالم العربي بعيدا عن السياسة التضليلية وتوظفيها في تجديد المجتمعات والأنظمة السياسية العربية وتوجهها نحو نمط الدولة العالمة أي الانتقال من سجون البدوقراطية الرأسمالية البدائية (الريعية) إلى جامعات ومدارس الدول الديمقراطية الصناعية والتنموية.
5- ينبغي الانتقال من الدول الجاهلة التي تعمل على تفتيت الهويات العربية المحلية ونشر التعصب والصراع المذهبي والطائفي، إلى الدول العالمة التي تنتج الهويات الكبرى أي الهويات العلمية /العلمانية الحديثة المتاحة لكل الناس والتي توجه المجتمعات عن طريق سياسة علمية تعتمد على التخطيط والبرمجة.
6- ينبغي الانتقال من شرنقة القبيلة الضيقة المبنية على العصبيات إلى رحابة المواطنية المتأنسنة والهوية الحداثية التي تعترف بالغير المختلف، وبالتالي تجاوز الجنسيات الضيقة الجهوية والفئوية نحو جنسية عربية واحدة وجامعة، وهذا لا يتم إلا عبر التحضر والتمدن وتجديد الأطر المعرفية.
وعموما فإن هذه الشروط تسعى إلى الخروج من النفق المظلم نحو شساعة المجتمعات العربية الموحدة التي تستثمر خيراتها لخدمة أبنائها وتجاوز حالة التشتت والانقسام التي أفرزت كيانات متفرقة تهدر هويتها العربية كما تهدر أموال النفط خارج أرض العرب.
٭ كاتب مغربي
المهدي مستقيم