لعالم الصحراء شروطه الطبيعية وسماته الخاصة، بوصفه مكاناً مأنوساً لبعض الجماعات البشرية، وقد ظهرت الصحراء بصورة مباشرة في الشعر العربي القديم، كما في المقدمات الطللية، ووصف الرمال والأبل والسيول والنباتات الصحراوية، أو تشبيه وجه المرأة ببعض وجوه الحيوانات الصحراوية الجميلة كالريم، مثلاً، ومما لا شك فيه إن للبيئة تأثيراً مباشراً على القصيدة، ويعد ظهور صورة الصحراء في الشعر الجاهلي، ظهوراً طبيعياً، لمعيشة الشاعر في هذه الصحراء وتفاعله معها مباشرة. ولكنّ انتقال الشاعر إلى الحاضرة جعل المقدمة الطللية تأخذ بعداً شكلياً محضاً في القصيدة، ولم يتطور إلى قيمة رمزية، الأمر الذي دعا أبا نواس إلى أن يرفض هذه الصيغة لعدم جدواها في إثارة المتلقي الذي لم يعد يتفاعل مع الصحراء كثيراً. ثم ظهرت صورة الصحراء القديمة نفسها في تجارب شعرية متأخرة لبعض الشعراء الذين يسكنون المدن الحديثة، وتعد هذه الصور نكوصاً في التجربة الشعرية، لكونها تجربة ناقصة استوحت ألفاظ القصيدة فقط.
وأخيراً استطاع الشاعر العربي المعاصر أن يوظف الصحراء توظيفاً جديداً، فصارت رمزاً شعرياً لعدد من الشعراء، كبدوي الجبل مثلاً، الذي وظف الصحراء في الكثير من مراثيه، بوصفها رمزاً للمعاناة الروحية، ورؤية للوجود الإنساني، كما لاحظت الباحثة سلمى الخضراء الجيوسي. ويرى الباحث أن قصيدة «سيناريو الصحراء الأولى» للشاعر مجيد الموسوي، تحمل توظيفاً فنياً جديداً للصحراء، بعيداً عن الأغراض الشعرية التقليدية، وفي هذه الورقة محاولة لقراءة هذا التوظيف.
يحيلنا العنوان مباشرة إلى الصحراء، ولكن أيّ صحراء هي؟ ليست هي الصحراء بشكل عمومي، وليست هي الصحراء العربية التي يشترك معها الشاعر عن طريق اللغة، لقد خلق الشاعر صحراء خاصة به هي «الصحراء الأولى» وهي صحراء غير موجودة في الزمان والمكان والاسم، لقد وجدت، لأنّ القصيدة سمّتها، وأشارت إليها، واختار عنواناً متميزاً ينتمي إلى فن السينما هو السيناريو، وكأنّ هذه القصيدة مجموعة من المشاهد المتسلسلة (ستة مشاهد) تصف هذه الصحراء الغامضة عن طريق هذه التقنية الحديثة، حيث البطل هو المتحدث الرئيس في القصيدة، ويشاركه البطولة، جواد بلا سرج ولجام، وهو يحاور العرافة التي تحت الخباء التي تتحدث في مشهد واحد فقط.
لقد تضافرت في «سيناريو الصحراء الأولى» مجموعة من العناصر اللغوية والبنائية، فمنحته هذه الجمالية، وهذا التلقي المتعدد. وقبل أن نتصفح هذه العناصر، علينا أن نتذكر أن مجيد الموسوي يعد شاعراً رومانسياً بامتياز، كم يقول الناقد جميل الشبيبي، ولعل قصيدته هذه أنموذجاً للرومانسية، من حيث الذاتي في مخاطبة العالم، كما في هذه الأمثلة:
أسقط في الصحراء، أرى
الجواد بانتظاري
ارهقني الترقب.. والانتظار.. والعري
أنا جسد من خشب ورمل
وغير ذلك الكثير، ولكنّ الشاعر لم يتجه إلى الطبيعة لتفريغ همومه وكآبته، كما فعل الرومانسيون، بل اتجه إلى الصحراء، ليس لبث شكواه من المدينة، لأنه موجود أصلاً في هذه الصحراء، ولكن، لا يعلم لم هو هنا! يقول الشاعر
سماء شاسعة تغلفنا: وصحراء لا تقود إلى شيء
لماذا أنا هنا ربما قادني الحلم أو الخوف أو المصادفة
وهو في القصيدة لا يمتزج مع الصحراء، كما يمتزج الرومانسيون مع الطبيعة، بل هو يريد الفرار منها، يقول:
وفي الصحراء نلبس وحدتنا كالثياب
وفي نسيجها تلسعنا الوحشة والرغبة في الفرار
الى أين؟ أريد الجنون فيأتيني العقل..
وليس للمحلية التي رجحتها الرومانسية في أعمالها ذلك الحظ الأوفر في القصيدة، لأنّ البيئة التي اختارها لا تنتمي إلى وطن بعينه، أو زمن معين، حتى لفظة الخباء التي وردت في عدة أسطر، لا تقودنا إلى مكان معين، ففي الصحارى جميعاً، مثل هذا الخباء، كما في هذه الأمثلة:
لا يسع الخباء اثنين سأخبرها غدا عن أمي
وخباء الليل كان جنونا آخر.
لذلك يرى الباحث أن هذه القصيدة تحمل أبعاداً تجريدية ورمزية أكثر مما تحمل أبعاداً رومانسية. فما هي هذه الصحراء الأولى؟ هل هي الحياة الدنيا التي يسقط فيها الشاعر وحيداً؟ هل هي الدولة التي لم تولد بعد؟ إذ ترمز الأنا إلى الإنسان المستلب، وربما هو شعب في دولة ما، وهو يسقط في هذه الصحراء التي ترمز إلى الأنظمة السياسية ربما، أو ترمز إلى القوى الخارجية المتحكمة في مصير الشعوب، أو ترمز إلى المجهول، يقول الشاعر:
إفرد يديك وتصالب بسمت الشمس وستكون الجهات كلها ملكك
ولكن لا مفر من اختيار الهاوية.. دم الصحراء لي وحدي
وعلامات الغسق تنبئ برعب يقترب
ولكن، من هي هذه العرافة التي تفر كالزئبق منه؟ هل هي مغريات السلطة؟ هل هي النفس الشهوانية؟ هل هي عاهرة ما، كما في قصائد الياس أبو شبكة؟ يقول الشاعر:
قالت العرافة: إختر! وهمهمت داخل الخباء
رفعت ساقيها وأشارت إلى سرتها
أيخدعني الجموح مرتين:
أقول لنفسي: تعالي
فتفر ـ كالزئبق.
وأزعم أنّ القصيدة تحتمل هذه الرموز، وربما أكثر، لقد نجح الشاعر في تصوير هذه المشاهد، ومنحنا هذه الإيحاءات والانفعالات، والإحساس بالحركة والتموج، من خلال شكل الأداء الشعري الذي اختاره، وهو الأداء السردي الحكائي الذي يتناسب فنياً مع السيناريو، وكذلك من خلال الاستعمال المناسب للغة التي تعد بألفاظها وتراكيبها، ودلالاتها المعجمية والمجازية، أول عناصر النص التي تمنحه سمة الشعرية. تحيلنا لفظة الصحراء لغوياً إلى السعة والجفاف، وقد منحها العرب في اللغة مترادفات كثيرة تتناسب مع صفاتها وطبيعتها، وظهرت هذه المترادفات في الشعر العربي، ومنها مثلاً، البثنة، البرية، البلقع، البهر، البيداء، التيماء… ويلحظ من المعجم الشعري للنص، أن الشاعر استخدم صفات أخرى للتعبير عن الصحراء، سواء كانت ألفاظا مفردة أم عن طريق الإضافة، وفي هذا المعجم الصحراوي يمكننا أن نرى: عاريا، الرمل، الوحدة، الوحشة، الريح، الخوف، المصادفة، الجواد بلا سرج، آخرة الغسق، السراب، الحصى، شعاعة رملية، سمت الشمس، الهاوية، الليل، الأشباح، لغة الرمل، شواطئ العتمة، النجوم، جرداء، الليل المتربص، الخباء، العرافة، مسيل الحصى، الملح، أديم السماء الأسود، رفيف الرمل، أضلاع الرمل، اللهاث، التوجس، المتوحد، الموحش، الفجوات، الثقوب، الفحيح، الأديم، الخطر، الفرار، الذعر، الماء الليلي يتسرب كالأسرار، صقيع كالجمر، تعيس، يساقط على الرمل ندى لا لون فيه.
لقد بلغت نسبة الكلمات الصحراوية 15٪ تقريباً، وهي نسبة عالية في هذا النص.
وبالمقابل لم نجد في النص سوى كلمتين للماء بلفظه! من مجموع كلمات النص التي بلغت 877 كلمة. وحتى الماء لا يلبث أن يتسرب، يقول الشاعر:
الماء الليلي يتسرب كالأسرار..
منحت هذه الكلمات النص مزيداً من التأثير، وخلقت جواً صحراوياً مشبعاً بالرمل والحصى والسراب. وهيمنت الجمل الفعلية، إذ بلغ عدد الجمل 113 جملة (استناداً إلى تعريف مهدي المخزومي للجملة الفعلية، وهي الجملة التي يكون فيها الاسم مسنداً، حتى وهو في حالة الابتداء) والفعل يوحي بالحركة والانتقال، كما نعرف، والصحراء تعني عدم الثبات، وهي تحتاج إلى الحركة القوية. وهيمنت الأفعال المضارعة على هذه الجمل فبلغ مجموعها 70 فعلاً. والفعل المضارع فعل حي يحدث أمامنا دائماً، وينشئ تفاعلاً مباشراً مع المتلقي، وكأنما هذا السيناريو الصحراوي مستمر أبداً. فماذا يعني ذلك؟ يعني أننا إزاء توظيف رمزي جديد للصحراء، من خلال خلق صحراء جديدة، تحمل أبعاداً كونية، وليس من خلال الصحراء القريبة من الشاعر، سواء الطبيعية، أم النصوصية.
٭ شاعر وأكاديمي من العراق
صادق الطريحي