الإسكندرية – محمد عاصم: على عكس الصورة الصاخبة لشهر رمضان في القاهرة، يمر في الإسكندرية كقوس قزح محمل بألوان وطقوس متنوعة، تأتي كضوء خافت من بعيد، يتسرب ليضيء المدينة بأكملها، صوت أم كلثوم الآتي من المحلات والمقاهي على مدار اليوم ممتزج بابتهالات النقشبندي وتلاوة الشيخ محمد رفعت، الفوانيس وزينة رمضان التي تنتشر في الشوارع.
مئات الأسر وآلاف الشباب يجلسون على الكورنيش قبل الإفطار بساعتين، حاملين مصاحفهم ومستمتعين بنسيم البحر، لسنوات طويلة مرت كنت أفكر ما الذي يربط البحر بالقرآن؟ متى بدأ هذا الطقس وكيف انتشر؟، لماذا لا يجلسون في المسجد أو في بيوتهم ويقرأون القرآن، أسئلة كثيرة لا إجابات محددة لها، سوى أن هذا الطقس خاص بالاسكندرية ولا يتكرر في أي مدينة مصرية أخرى تطل على البحر أو على نهر النيل.
على الكورنيش أيضاً، وتحديداً في المسافة الممتدة من منطقة الشاطبي إلى كليوباترا لازالت هناك عشرات المقاهي القديمة التي تتميز بمساحتها الواسعة وأبوابها الكثيرة ونوافذها الزجاجية وقربها من البحر، تقدم هذه المقاهي طوال النهار خدمتها للزبائن، دون أي صراع أو إتهامات بالكفر أو بالجهر بالإفطار، لكن هذا المشهد تحديدًا تراجع في السنوات الماضية، في ظل السلطة السلفية الحاكمة دينية كانت أو عسكرية، لكن يبقى سائقو الميكروباص خارجين عن إطار هذه السلطة، ولديهم قانونهم الخاص الذي يبيح لهم الإفطار دون أن يتعرض لهم أحد.
رمضان الإسكندرية لا تقتصر ممارسته كطقس على المسلمين فقط، فالمسيحيون ينتظرونه أيضًا، للتمتع بالبحر والشواطىء وكورنيش المدينة بعيدًا عن الزحام، يقول بيشوي مجدي (21 عاماً) « في رمضان البحر يكون هادئا والشواطىء أسعارها أرخص، ونادرًا أن تحدث حالة تحرش، وساعة الفطار المدينة تكون فارغة من الناس، وتقدر تستمتع وتلمس جمال المدينة وتشوف مشهد الغروب الساحر، وساعة السحور وبعد الفجر مشهد الشروق يكون ممتعا جدًا ومياه البحر صافية ودافئة».
في المساء يتغير وجه المدينة حيث تصبح أكثر إزدحامًا، ويتحول الكورنيش لملاذ للعشاق الصغار، بينما تمتد الصلاة في المساجد في الأحياء من العشاء وحتى الفجر، وفي البيوت تتجمع العديد من العائلات في زيارات أو لمشاهدة المسلسلات، بينما تزدحم شوارع وسط المدينة التجارية بالزبائن الساعين لشراء ملابس عيد الفطر، لكن هذا العام يأتي رمضان هذا العام متزامنًا مع موسم الامتحانات في معظم المدارس والجامعات، مما يفقده كثيرًا من إيقاعه وطقوسه المعتادة.
« رمضان في إسكندرية. الحياة مستمرة طوال 24 ساعة، ما بين صلاة ونزول للمسجد وخروج إلى البحر، لكن بسبب الامتحانات الكثير من أجواء رمضان نفتقدها، فأنا صباحا أنزل للجامعة، وبعد العصر أدرس وأساعد في إعداد الفطار، وفي الليل، البيت يكون خلية نحل للتركيز في الامتحانات، ممنوع الخروج وممنوع التليفزيون وممنوع الزيارات العائلية، إلى أن تنتهي الامتحانات»، تقول سلوى أحمد (19 عاماً) طالبة في كلية تجارة.