رمضان العادة أم العبادة في تونس؟

حقيقة أعاد التذكير بها تقرير تلفزيوني بثته قناة «آم تونسيا» في اليوم الأول من رمضان وخلاصتها أن التونسيين، رغم كل التوافقات السياسية والدستورية التي أنجـــزوها، مازالوا إلى الان مختلفين فيما اذا كان الصوم عادة أم عبادة؟
ما قالته عينة ليس معروفا إن كانت عشوائية أم مختارة من العابرين لبعض شوارع العاصمة تونس، في برنامج أذاعته القناة قبل أيام هو أن الفرضيات الثلاث، أي أن يكون الصوم عادة فقط؟ أو عبادة فحسب أو يكون عادة وعبادة معا؟ تبقى كلها حاضرة في أذهان المستجوبين باختلاف النسب والدرجات.
لكن الاهم من ذلك هو أن تبريرات البعض لتلك المواقف والخيارات كانت غريبة وحتى صادمة بعض الشيء، ففضلا عما قاله عدد من الشبان والشابات من أنهم لا يصومون رمضان على الإطلاق، أو انهم يصومون فقط بعض الايام فحسب، ذكر كهل يبدو على مشارف عقده الخامس أن «الغاية من الصوم هي أن يدربنا على الجوع والعطش، وتسعون بالمئة من التونسيين جوعى، لذا فنحن لسنا معنيين بالصوم». مختتما حديثه بالتأكيد بشكل جازم وقاطع بانه «لم يصم يوما واحدا في حياته».
ما جعل تلك الردود مهمة وذات دلالة ليس فقط أنها سلطت الضوء على حالات واقعية موجودة داخل مجتمع تونسي لا يزال رغم كل المظاهر والانحرافات السلوكية محافظا على جوهره الروحي، ومتمسكا بفرائضه وواجباته الدينية، كما يرى البعض، بل لأنها كشفت بالمقابل أيضا وجها آخر لعلاقة مبتورة ومشوهة للتونسيين بمعتقداتهم بشكل أعم، ودرجة التفكك والتحلل التدريجي من الروابط الروحية والعقدية التي وصلتها تونس بفعل عوامل وتاثيرات الماضي والحاضر معا. فقد ظلت الدولة لعقود طويلة تنظر إلى الصوم بشكل خاص بقدر من السطحية والريبة وتجعله رديفا فعليا للتكاسل وقلة العمل وضعف الإنتاج. وعوض اصلاح فهم التونسيين للدين كانت الممارسات الفلكلورية ومظاهر الفهم الخاطئ له ذريعة قوية للسلطة حتى تقدمه كعقبة كأداء في وجه التقدم والحداثة.
وتذكر الاجيال التي عاصرت الزعيم الراحل بورقيبة، وهو أب الدولة الحديثة، انه وقف بعد اربع سنوات فقط من اعلان استقلال تونس ليقول في خطاب رسمي «إن التعبئة التي ندعو لها والعمل المتواصل المتحتم والضروري تعترضه عقبات يعتبرها الشعب ذات مصدر ديني فيقول الناس» أقبل رمضان ولا عمل فيه، والأمر لا ينازع فيه منازع»، هذا هو الحد الذي وصل إليه الامر. ويقولون هل اسمى لدى المرء من دينه؟ ويرون أن صيام رمضان قد يؤدي بالمرء إلى الامساك عن كل عمل ولا جناح عليه. وعندما تريد أن تحاسبه على تكاسله يتذرع بالصوم ويتمسك برمضان. إن امة بأكملها تسعى إلى تنمية الانتاج القومي وتبذل جهد طاقتها في ذلك السبيل، وبين عشية وضحاها ينهار إنتاجها ويكاد يضمحل تماما وتسأل عن السبب فيجيبك بأنه رمضان. وتلتفت حولك فلا ترى الا متثائبا أو مستسلما للنوم، وهذا امر لا يمكن أن يستمر لانه ليس من الدين في شيء. وهذا اقوله هنا بحضور مفتي الديار التونسية الذي سيخاطبكم مباشرة في الموضوع بعد يوم أو يومين، واكرر القول بأنه ليس من الدين وانه اسراف في فهم الدين».
وكان واضحا وقتها بالطبع أن بورقيبة كان بحاجة فعلية لفتوى دينية تدعم افكاره وتمهد السبيل امامها حتى تصبح مشروعة ومقبولة داخل الأوساط العامة، ولأجل ذلك ظل يردد أكثر من مرة في ذلك الخطاب الشهير أن مفتي الديار التونسية سيخاطب التونسيين في الموضوع.
لكن المفاجأة التي حصلت هي أن المفتي قال في حديث للاذاعة الرسمية اسبوعا واحدا بعد الخطاب «ان الصوم من دعائم الاسلام ونص على فرضه القرآن والسنة وانعقد الاجماع على وجوبه، واشتهر ذلك فصار من المعلوم من الدين بالضرورة يخرج منكر وجوبه من حظيرة الاسلام»، مسقطا بشكل فعلي ما ورد في الخطاب من دعوة مبطنة للتخلي عن فريضة الصوم تحت مبرر أن «تونس البلاد الإسلامية تعاني درجة من الانحطاط تجلب لها العار في نظر العالم، ولا سبيل لأن ترفع هذه المعرة عن جبينها إلا بالعمل الدائب المتواصل والشغل المثمر المجدي والتخلص من هذا الانحطاط، فرض وجهاد حكمه كحكم جهاد السيف. ولذلك فإنه لا يمكن أن يعرقل جهادها أو يعطله أو يوقف انطلاقه أو يقعدها عنه فرض الصوم «لأنه أي الصوم كما قال الزعيم» يحط من إمكانيات الفرد ويجعله لا يقوى على واجب، أي واجب التنمية، هو ليس واجبا شخصيا بل هو واجب نحو أمته ونحو دينه».
الرواسب التي تركها الخطاب لم تكن فقط بث نوع من الشك والريبة في الجدوى من وراء فريضة دينية ثابتة ومعلومة، بل في بناء جدار عال وسميك بين الدين والحياة المدنية. وعبر خيارات حكم غلفت بشعارات العصرنة والحداثة ثم الاقصاء التدريجي للفقهاء والعلماء وتغييبهم المتعمد عن مواقع النفوذ والقرار، رسخ الاعتقاد أن هناك خصومة وقطيعة أبدية بين الاثنين. لم يفهم التونسيون من رمضان سوى أنه تجربة صعبة وأليمة مع الجوع والعطش. والمفارقة أن المفطرين الذين كانوا يحظون بنوع من الحماية والقبول، وربما التشجيع أيضا في بعض الفترات من جانب السلطة، لم يتفوقوا على الصائمين في الرفع من مستوى الإنتاج أو في القطع مع مظاهر التقاعس والتهاون في أداء الواجبات اليومية.
لم يكن الخلل في الصوم في حد ذاته، بل في فهم الناس له وقدرتهم على تنزيل مقاصده وغاياته على ارض الواقع. وهنا ظل الوضع جامدا بل سلبيا إلى الحد الأقصى، وحرص النظام طوال عهدي بورقيبة وسلفه بن علي على تكريس صورة نمطية لفريضة الصوم لم تخرج عما كان يصفه بـ»الاسلام التونسي» جعلت اجيالا بأكملها لا ترى في رمضان الا مناسبة للكسب السهل والسريع عبر عمليات الغش والمضاربة والاحتكار، وشهرا مفضلا لمضاعفة الاستهلاك والاقبال على ألعاب الحظ والقمار.
لقد كانت النتيجة كارثية بكل المقاييس وكشفت دراسة حديثة للمعهد التونسي للاستهلاك أن شهر رمضان صار بالفعل شهر «الانفجار الاستهلاكي» كما وصفته صحيفة محلية بعد أن زاد استهلاك الخبز فيه بنسبة مئة وخمسة وثلاثين بالمئة والدجاج بحوالي خمسة واربعين بالمئة والبيض من ثلاث عشرة بيضة للفرد في الشهر الواحد إلى سبع وثلاثين في رمضان.
كان الامر شبيها بمسرحية سخيفة رديئة الإخراج لعب الحاكم فيها دورا مزدوجا بترك الحبل على الغارب وغض الطرف عن كل الممارسات المخلة بقدسية الشهر ثم المسارعة للتشهير بها وتحذير الناس من الوقوع تحت طائلتها، بل حتى إنزال بعض العقوبات البسيطة والمخففة على المتجاوزين تعبيرا عن تعلق النظام بالإسلام ورغبة في إيهام الناس بأن رئيسهم هو بالفعل «حامي حمى الوطن والدين» كما كان يصفه الإعلام الرسمي. الاضافة الاكثر وضوحا وبروزا إلى تلك اللوحة في عصر ما بعد بن علي هو أن رمضان صار يعني في بعض وسائل الاعلام المحلية موسما للخوف والارهاب والدماء، بعد أن اهتزت تونس قبل ثلاث سنوات من الان لخبر اغتيال النائب محمد البراهمي، ثم مقتل ثمانية جنود في كمين بجبل الشعانبي، وبعد ذلك مقتل عدد من السياح الاجانب العام الماضي في عملية إطلاق نار غير مسبوقة بفندق بمدينة سوسة الساحلية.
لقد تلطخت صورة الشهر وصار من الصعب أن يقتنع التونسيون بأن صومه هو في الاصل عبادة تسمو بالروح وليست مجرد عادة تستنزف طاقات الانسان وتقوده إلى التكاسل والتقاعس عن اداء الواجبات. ولم يكن المجال مفتوحا لاي مراجعة أو اعادة اكتشاف حقيقية تسمح بتصحيح الصورة وتعديلها وسط ارتفاع الاصوات على مدى السنوات بان البلد مسلم وليس بحاجة لمن يعلمه اسلامه. النتيجة كانت إما عزوفا صريحا عن الصوم أو فهما وتطبيقا خاطئا له أو ممارسة واعية لمقاصده وغاياته لا تخرج عن التزام فردي، لا اثر ولا انعكاس مباشر له على ارض الواقع، وهي الخلاصة التي أعاد تأكيدها تقرير القناة التلفزيونية، بدون أن تتحرك شعرة واحدة لا للصائمين ولا للمفطرين على حد سواء، ربما لأن سكونهم كان التعبير الاقوى والاكثر صدقا ودلالة عن حال التونسيين، وربما غيرهم من العرب ايضا في شهر رمضان العادة لا العبادة.

٭ كاتب وصحافي من تونس

رمضان العادة أم العبادة في تونس؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية