باريس ـ «القدس العربي»: تجهز فطيمة داوود سفرة رمضان، قبل ساعتين من موعد الإفطار. تقضي نهارها في ترتيب شقتها الصغيرة، مع زوجة ابنها عليم. تنيّمان حفيدها، ابن السنتين، ثم تنشغلان في توضيب الغرفتين الضيقتين، اللتين تضمان فرشاً وجهاز تلفزيون، يبث طوال النهار قناة مغربية.
تغيّرت حياة فطيمة، ابنة الخمسين عاماً، منذ قدومها إلى فرنسا قبل 12 سنة، وبطبيعة الحال، تغير رمضان بالنسبة إليها. وجدت في البداية الصوم صعباً، بعد تجاوزه الـ16 ساعة. تقول: «الصوم صعب للغاية. كثر تركوا هذا الفرض بحجة طول وقته. لقد تعذبت في بدايات قدومي، لكن مع الوقت اعتدت. افتقد رمضان بلادي. كنت في السنوات الأولى أذهب كل رمضان لقضاء أيامه مع عائلتي، لكن بعد ان صار كل أولادي هنا، لم يعد لدي أحد في المغرب» مضيفة «هذا الجيل لا يربطه شيء مع رمضان بلادنا».
تتذكر فطيمة، بشيء من الحماس، يوميات الصوم في المغرب، «كانت حياة هادئة، رغم الفقر. مليئة بالحب. كلما أتذكر بيتنا وسط الرباط، وضمن منطقة تضج بالسكان وبالزوار والسياح والأسواق الممتلئة بالمتسوقين والمنادين على بضائعهم، أحس بحسرة كبيرة. رمضان ليس فقط صوم وتعبد، إنه هذه العادات والطقوس» وتشير فطيمة إلى «بساطة الشهر في المغرب» لكنها لا تنكر انها أيضاً، في تولوز، صار لديها معارف كثر، تذهب معهم لقضاء أوقات ما بعد الإفطار، والسهر إلى وقت السحور، في منطقة قريبة من «جان دارك». حيث تمتلئ المقاهي العربية، بالشباب الجالسين حول أكواب الشاي بالنعناع والاراجيل، ويلعبون ورق الشدّة مع بعضهم. يقول، جمال خفّاش، ابن العشرين عاماً، انه يحب رمضان. يصوم الشاب نصف اليوم، لأنه لا يعتاد هذا الأمر، أحياناً يلتزم بالصوم إذا استطاع ان يخلد للنوم، وينزل متأخراً إلى الحي للالتقاء بالأصدقاء وتبادل النكات أو لعب كرة القدم قرب محطة المترو، ثم يعود وقت الإفطار، «أحب السهرات الرمضانية»، يقول، وهو يضع سواكاً في فمه. ويضيف ان السهرة مع شباب جزائريين ومن تونس والمغرب ومصر لها نكهة خاصة، «كلنا من المغرب العربي أو من شمال افريقيا، نحس أننا ننتمي إلى بعضنا ولا نحس بالغربة».
تربى جمال في أحد ضواحي تولوز، ودرس في مدرسة حكومية، كان فيها قلة من العرب، ولم يعرف عن رمضان سوى في البيت، يقول ان رفاقه لا يصدقونه حين يكون صائما «كنت في البداية أحس اني مختلف عنهم ولكن اليوم لا فرق. أحب الصوم وأجواء رمضان. لا يربطني شيء إيماني لكني أشعر باللحمة مع الآخرين واننا نملك علاقات خارج العائلة بسبب هذا الشهر وهذه الطقوس».
رمضان باريس، لا يختلف كثيراً عن المدن الفرنسية الأخرى. فبعد مغادرة نسبة كبيرة من السياح المسلمين إلى ديارهم تزهو العاصمة أيضاً بالمسلمين المقيمين فيها وعاداتهم. حيث تبدأ تظهر الصفوف الطويلة أمام محلات البقالة ودكاكين بيع اللحوم المذبوحة وفق الشريعة الإسلامية، خصوصاً في أحياء باريس الشمالية وضواحيها، التي تبقى الأكثر كثافة بالعائلات المهاجرة من دول شمال أفريقيا ووسطها ومن تركيا. ومع تجمعات من جــيــبوتي وجزر القمر وإيران في هذه المنطقة أو تلك.
يقول صافي، وهو شاب من الجزائر، يعمل في محل للشاورما، ان رمضان له نكهة خاصة في باريس «الحياة تصبح سريعة للغاية، رغم ساعات الصوم الطويلة». ويوضح الشاب الثلاثيني، انه يحب الشهر لأنه يجتمع مع العائلة في بيت جدته، في أحد ضواحي العاصمة «كل يوم نذهب إلى بيتها، ونفترش غرفتين سفرة للأولاد ولنا نحن الكبار. ومن بعدها يعزف لنا أحد الأقارب على العود ونشرب الشيشة والشاي والحلويات من الشباكية والمقروط وغيرها».
ويتحول الشارع العام في ضاحية كرملين بيسيتر إلى مركز لتجارة اللحم الحلال، حيث تأتي الشاحنات محملة بالخراف والعجول والدواجن المذبوحة على الطريقة الإسلامية، وينقلها العمال إلى الغرف المبردة، لكن منتجات «الحلال» لا تقتصر على اللحوم فهي تشمل أيضا عموم الأغذية، مثل الألبان والحلويات والحبوب والزيوت والمشروبات الغازية.
وفي المعهد الإسلامي في حي لاغوت دور، الذي يعتبر القلب النابض لتجمعات المهاجرين في النصف الشمالي من العاصمة، تقام الحفلات الرمضانية، وندوات ومناظرات ومعارض وتواشيح وعروض فنية، للكبار والصغار، لا تقتصر المشاركة فيها على المسلمين بل تدعى إليها شخصيات من التي عرف عنها اهتمامها بحوار الأديان والثقافات.
صهيب أيوب