بيروت – محمود ضحى : حيث تمر في ما تبقى من أحياء بيروت في رمضان عليك أن تحترس وتتماسك كي لا تعود طفلاً صغيراً وتعيش طفولتك الرمضانية بكل تفاصيلها.
في بيروت التي هجرها أهلها إلى الخط الساحلي البحري وبقي جزء منهم ينتشر في أحياء لا يدركها ويعلم مداخلها، سوى القليل مِمَن يحملون ذاكرة بيروتية تعذبهم يومياً، وتجعلهم أكثر حسرة على مشاهدة المدينة تتآكل بعراقتها لمصلحة مكعبات من الأسمنت. هنا في الأحياء الشعبية الفقيرة في طريق الجديدة يضخ رمضان روحاً مختلفة. يخرج الناس من نكساتها المتلاحقة. يخبرهم بأن الأمل موجود، رغم ضآلته ومروه في السنة فقط 30 يوماً.
رمضان هنا لا يبدأ مع رؤية الهلال، ولا حتى مع صلاة التراويح التي تسبق رمضان بيوم. رمضان هنا يبدأ مع مسيرة أطفال دار الأيتام الإسلامية التي تجوب شوارع العاصمة. عربات مكشوفة تحمل أطفالاً وزينة رمضانية. يغنون لحناً يحفر كل يوم نفسه في أعماق ذاكرتنا، لحن «علّوا البيارق» للذاكرة البيروتية الحيّة أحمد قعبور.
يدخل رمضان فيبدل الجميع مصالحهم، فادي محرك الحي يبدأ بعادته السنوية، لا ينتظر كثيراً. يركض نحو الرصيف. يضع عربته الخشبية ويبدأ بترتيب الفاكهة عليها. يعتمد في كل مهنته الجديدة على استفزاز شهية الصائم بفاكهته، ليقع ضحية له ويشتري منه أكياساً تزداد بحسب جوعه.
يقول فادي عن خدعته بأنها «حلال» ويضحك كثيراً. يعلم أن فريسته أضعف من أن تواجه في كل هذا الحر لون حبات الكرز الحمراء، ويتابع فادي الذي يعمل في أيام السنة بالدهان بأن رمضان بالنسبة له موسم يسترزق منه، حيث تتوقف مهنته في هذا الشهر، فينزل إلى الشارع ويبيع الفاكهة كي يطعم عائلته وهو يردد «الله كريم، رمضان كريم».
سلوى جارتنا التي تتحدث نساء الحي عن بخلها، تغار من رزقة فادي، تفكر ملياً وهي تحاول إيجاد فكرة تسترزق منها في رمضان. تنده إبنها حسن وتحمله طاولة خشبية مربعة وتجلسه على الرصيف المقابل لعربة فادي. تنهمك سلوى طوال الشهر بصناعة «الجلاب، والقمر الدين، والتمر الهندي..». يسبق ذلك تنبيه لكل نساء الحي بجمع قارورات المياه الفارغة لها، فتدور أول أيام رمضان على المنازل، تجمع القارورات، تغسلها، وتضع فيها مصنوعاتها وتملأ عربة «حسن» ليبيع المشروبات الرمضانية.
حسن الطالب الثانوي يجلس في رمضان على طاولته الخشبية. يحمل هاتفه المحمول ويبدأ في البيع. يأتي رفاقه ويحدثونه. يمازحونه ويضحكون عليه، يؤكد حسن بأنه ومع اقتراب شهر رمضان يشهر بالحزن، لأن والدته ستجبره على بيع «الجلاب» ودائماً ما يطرح عليها سؤاله المعهود بحدة اكبر كل عام لأنه يكبر ولم يعد طفلاً «شو بيقولو عني رفقاتي؟» فتكون اجابتها جاهزة «بيقولوا رجال عم يشتغل بالصيف كرمال يصرف على أمه الأرملة».
يجلس لساعات يبيع أغلب ما على طاولته من مشروبات. ينتظر بيع ما تبقى ليصعد إلى منزله ويشاهد مسلسله المفضل. تفاجئه سلوى بوعاء جديد وضعت فيه مجموعة من قناني الشراب ليبيعها حتى الإفطار، فيرد عليها بسخط «اللهم إني صائم».
حسن ليس وحيداً، بل عمر أيضا الذي نصحه والده بأن يخبز المناقيش على الصاج ليلاً ليتسحر الحي من منتوجاته على باب مقهى علي الذي يجتمع عنده الشبان لتدخين النرجيلة. عمر وعلي يتشاركان بمربح الصاج. أحدهم يخبز ويعجن والآخر يؤمن له المكان والزبائن. يضحكان طوال الليل مع زبائنهم خاصة مع ازدياد الطلب هذا العام بسبب كأس الأمم الأوروبية، هؤلاء الزبائن الذين يبحثون في المدينة على أسرع شيخ يؤدي صلاة التراويح ولا يستفيض فيها كي يصلّوا ويلحقوا بداية المباراة.
على المقلب الآخر يمتلئ «ملعب قصقص» العام بمشجعين من الطراز الأول للأندية اللبنانية. هؤلاء أتوا ليشاهدوا «دورة الحرش الرمضانية» والتي يشارك فيها نخبة من أفضل لاعبي كرة القدم في لبنان، وهي بالمناسبة باب رزق كبير للمواهب في الطريق الجديدة وبيروت والضاحية الجنوبية، هؤلاء يتعمدون المشاركة فيها ليظهروا قدراتهم لعرابي الأندية الموجودين على المقاعد الذين يصطادون المواهب لأنديتهم.
ناصر البالغ من العمر 35 عاماً ولاعب كرة القدم السابق الذي منعته إصابته من ممارسة هوايته المفضلة في الدرجة الأولى في الدوري اللبناني لكرة القدم لا يفوت دورة واحدة منذ أكثر من 25 عاماً، يتفاعل بشدة مع كل هجمة، يطحن نفسه وهو واقف يشجع موهبة غيره بعدما فقد موهبته.
وهو يؤكد أنه يحنّ لهذه الدورة كثيراً، خاصة أنها كانت بداية مشواره الفني، حيث خطف الأنظار بعمر الخامسة عشرة. اكتشفه فيها عرّاب نادي النجمة اللبناني الراحل «أبو علي العدو». يحكي ناصر كثيراً عن مهاراته وكيف استطاع أن يكسب ثقة المدرب الذي قرر ادخاله بتشكيلة الفريق الأول وفي نفس الأسبوع تعرض لحادث سير وانتهى الحلم.
يتعمد ناصر بأن يأتي بطفله جاد (4 سنوات) إلى الملعب كي يشاهد الدورة ويتعلم منذ صغره حب كرة القدم ليحترفها في المستقبل ويحقق حلم والده، لدرجة أن جاد أصبح صديقاً لجميع النجوم وصوره على صفحة والده على الفيسبوك تزخر بمقاطع مصورة له وهو يمارس الكرة ووالده يدربه مع اصدقائه النجوم.
ويعود عنـد السـحور إلى منزله، يشتري المناقيش من عند عمر ويصعد إلى منزله ليتناولها ويكافئ نفسه بقطعة من حلويات «صفصوف» الشهيرة في طريق الجديدة، حيث انتظر ساعات ليحصل عليها، وما هي إلا ثوان حتى يمر فادي في الشارع لكن ليس بصفته بائع فاكهة، بل يحمل طبلاً صغيرا يضرب عليها طويلاً ليستفيق الحي على صوت المسحراتي «فادي».
هنا في أحياء بيروت الحالة الرمضانية لا تقف عند حد، والطيبة فيها ممزوجة بكثير من البساطة، والأمل والرجاء يفيضان مساجد الفقراء، وصيحات الشبان بحماستهم تترافق مع أصوات مفرقعات الأطفال التي لا تهدأ حتى إنتهاء عيد الفطر، وكلمة رمضان كريم تختزل الكثير من السعادة.