الناصرة ـ «القدس العربي»: طالما تبنت الصهيونية استراتيجية «فرق تسد» الاستعمارية من أجل ترجيح كفتها ضمن موازين القوى مع الشعب الفلسطيني ونجحت في إضعافهم والنيل منهم أكثر من مرة نتيجة فقدانهم الوحدة. والحديث بدأ منذ انفجر الصراع على فلسطين غداة قرار عصبة الأمم بفرض الانتداب عليها من خلال بريطانيا راعية الحركة الصهيونية وداعمتها. تجلت خسارة الفلسطينيين الكثير من مكاسبهم نتيجة جملة أسباب من أهمها شرذمتهم وتورطهم في خلافات داخلية في عدة وجوه منها ذاك الصراع النازف بين من عرفوا بـ «المجلسيين» بقيادة مفتي القدس ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمين الحسيني وبين المعارضة بقيادة عائلة النشاشيبي وشركائها. وتعتبر الثورة الفلسطينية الكبرى (1936- 1939) من المفارق الحاسمة في مسيرة النضال الفلسطيني التي ساهم الفلسطينيون بإيذاء أنفسهم. تلك الثورة التي كلفت آلاف الشهداء والجرحى الفلسطينيين ومهدت لخسارة أكثر فداحة عام 1948 مرد الخسارة فيها عدة أسباب من أبرزها انقسامها ودخولها بما يشبه الحرب الأهلية بتشكيل «فصائل السلام» بتشجيع بريطانيا وغيرها وبين الثورة وقيادتها. مع الشرخ الكبير التالي في صفوف الفلسطينيين قبل عقد، عادت إسرائيل لتلعب دورا غير مباشر في تكريس الانقسام القاتل بين حركتي حماس وفتح بطرق شتى. من أهم حيل الاحتلال في منع المصالحة وإدامة الانقسام الذي أشغل الفلسطينيين عن الاحتلال وتسبب بتراجع دعم العرب والأجانب لهم تمثل بالفصل التام بين رام الله وغزة وتكرار دق الأسافين بين الإمارتين اللتين تذكران بملوك الطوائف. وفي كل مرة سعت السلطة الفلسطينية للتقرب من حماس نحو رأب الصدع، كانت إسرائيل تسارع للتحريض عليها ومحاولة دمغها بالتهمة إياها «دعم الإرهاب» موجهة دعوة ديماغوجية للرئيس عباس للاختيار بين السلام وبين حماس. في المقابل كانت تتجاهل الرئيس عباس في صفقات تبادل الأسرى مثلما تجاهلت السلطة الفلسطينية عندما انسحبت أصلا من غزة في 2006.
لماذا تصمت إسرائيل؟
وهذه المرة تصمت إسرائيل رسميا وعن ذلك يتساءل مدير هيئة الإذاعة الإسرائيلية يوني بن مناحيم معتبرا أنه سلوك غريب.
وأوضح بن مناحيم في مقال نشره موقع «نيوز ون» أن هذا الصمت الإسرائيلي يتزامن مع ما يجري الحديث عنه من رفع الفيتو الأمريكي عن المصالحة، وإعطاء الرئيس دونالد ترامب الضوء الأخضر لمصر والسلطة الفلسطينية لاستكمال هذه المصالحة بغرض الخروج بموقف فلسطيني موحد للذهاب لمفاوضات سياسية مع إسرائيل.
ويستذكر بن مناحيم المقرب من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أن إسرائيل أعلنت معارضتها لاتفاقات مصالحة فلسطينية سابقة بصورة حادة، ورفضت أي تعاون وتقاسم للحكم بين حماس والسلطة الفلسطينية. وقال إن إسرائيل ربما تحاول هذه المرة التزام الحذر وعدم التعقيب، انطلاقا من تقديرها أن اتفاق المصالحة لن يخرج إلى النور ولن تتمكن الحركتان من ترجمة تصريحاتهما إلى سلوك عملي على الأرض.
نموذج حزب الله
وأوضح أن إسرائيل لديها تقديرات أن حماس ذاهبة باتجاه تقليد نموذج حزب الله في لبنان ونقله لقطاع غزة، وأن الحركة لا تريد أن تكون مسؤولة عن إدارة شؤون الفلسطينيين الحياتية والمعيشية في غزة، وفي الوقت ذاته تريد الاستمرار في المحافظة على الوضع الأمني الداخلي وعدم تفكيك الأجهزة الأمنية أو جهازها العسكري.
ونقلا عن مصادر إسرائيلية حكومية أشار إلى أن إسرائيل تقدر أن حماس قد تصل في محاكاتها لنموذج حزب لله إلى تشكيل حزب سياسي مقرب من الحركة للدخول في الانتخابات البرلمانية، وربما المشاركة بوزراء في الحكومة المقبلة.
الاتفاقات السابقة
وختم بالقول إن معلومات إسرائيل الأمنية تفيد أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يدرك نوايا حماس، لكنه سيبذل جهده لمنعها من تنفيذها، وهو يريد من هذه المصالحة تحقيق إنجاز سياسي خاص به، يظهره ممثلا لكل الفلسطينيين، وناجحا في توحيدهم بعد عشر سنوات صعبة من الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية. وهذا ما تتوقعه أيضا دراسة إسرائيلية جديدة بعنوان «مصالحة حماس وفتح في طريقها للفشل»، لم تستبعد أن تلقى المصالحة المصير نفسه الذي عرفته اتفاقات ومبادرات سابقة وهو الفشل.
وأضافت الدراسة التي نشرها معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أن فتح وحماس وقعتا سابقا سلسلة اتفاقات عديدة كان مصيرها «الفشل الذريع» ومن بينها ما تم التوقيع عليه في مكة 2007، وصنعاء 2008، والقاهرة 2011، والدوحة 2012، والشاطئ 2014، ولذلك ليس مستبعدا – تقول الدراسة- أن «تؤدي الظروف الحالية إلى النتيجة ذاتها من الإخفاق».
ما وراء الإعلان
وعن أسباب إعلان حماس خطوتها الأخيرة، ترى الدراسة أن ضغوطا متلاحقة على الحركة – التي تفرض سيطرتها على غزة- دفعتها إلى حل اللجنة الإدارية في القطاع، مشيرة إلى أن «الطريق للمصالحة الفلسطينية لا يزال طويلا جدا».
وضمن هذا السياق، قال جلعاد شير، أحد المشاركين في الدراسة وهو الرئيس السابق لدائرة المفاوضات مع الفلسطينيين، إن المصالحة الأخيرة جاءت في وقت يعيش فيه قطاع غزة ضائقة صعبة وبطالة مرتفعة وأزمة إنسانية، في حين تخوض حماس منذ وقت طويل معركة بقاء سياسي في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة المتلاحقة وتبدل شبكة التحالفات السياسية للحركة بين دول المنطقة.
وأضاف شير، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد الذي سبق له أن تقلد مناصب عسكرية مرموقة في جيش الاحتلال، أن استجابة حماس للمصالحة بحل اللجنة الإدارية وضعت رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في معضلة صعبة، لأنه لو عادت حكومة التوافق الموالية له إلى القطاع «فسيكون مطلوبا منها الاهتمام بتحسين ظروف سكان القطاع، وهو ما من شأنه تحويل الانتقادات الشعبية من حماس إلى عباس، ولذلك فهو لا يبدو معنيا بالانتخابات العامة، ولا ضم حماس لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية».
أهداف مصر
في جانب آخر، أوضح الرئيس السابق لشعبة الأبحاث في وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية كـــوبي ميخـــائيل، أن مصــر ضغطت كثيرا على حماس لحل لجنتها الإدارية والعودة لمحادثات المصالحة.
وأضاف ميخائيل – الذي أصدر عددا من الدراسات والكتب الخاصة بالصراع مع الفلسطينيين وشارك في الدراسة المنشورة- أن مصر تسعى من وراء المصالحة بين حماس وفتح إلى تحقيق أهداف عدة، أهمها عودتها للعب موقف ريادي في العالم العربي ووسيط في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وأضاف أيضا، أن مصر لا ترغب في تلقي المزيد من الانتقادات العربية بسبب تفاقم المعاناة في غزة، وهو ما دفع حماس إلى الاستجابة لمطالب القاهرة الأمنية بشأن تأمين الحدود المشتركة وإغلاق الأنفاق.
أما ليران أوفيك وهو باحث إسرائيلي متخصص في الحركات الإسلامية، فقد اعتبر أن تحقيق المصالحة الأخيرة جاء نتيجة لتشديد العقوبات في الأشهر الأخيرة على قطاع غزة، رغم أن حماس لن تتنازل عن ممتلكاتها الاستراتيجية الأكثر أهمية، وهي قوتها العسكرية وسيطرتها الأمنية على غزة.
وانطلاقا من المعطيات السابقة، توقع أوفيك المشارك الثالث في الدراسة أن تكون أي حكومة مقبلة خاضعة لأفكار حماس، وهو الأمر الذي سيساهم في تآكل موقف عباس أكثر، وتراجع شرعية حكومته، ولذلك «فهو لن يسارع بإجراء الانتخابات العامة التي تزداد فيها فرص خسارته».
الأفضل لإسرائيل
ومن بين الخلاصات التي خرجت بها الدراسة أن من الأفضل لإسرائيل ألا تتدخل في الخطوات الجارية للمصالحة الفلسطينية، طالما أنها تسعى لإبقاء الردع أمام حماس ومنع وقوع حرب قادمة أو استبعادها قدر الإمكان مع استكمال بناء الجدار الجديد على حدود غزة.
ومتناغما مع الموقف الإسرائيلي المعلن شددت على أن تخفيف إسرائيل للضائقة الإنسانية في غزة مشروط بالهدوء الأمني المتواصل ووقف تقوية حماس.
وترجح دراسة المعهد الإسرائيلي أن حماس قد تذهب باتجاه المناورة بما يتوافق مع مفاهيم قيادتها وإقحام عباس والسلطة في الفخ رغم أن السلطة الفلسطينية لا تزال الشريك الأكثر أريحية لإسرائيل لإعمار القطاع، بالنظر لما راكمته من خبرة طويلة المدى في العمل المشترك في المجالات الأمنية والمدنية.
يشار إلى أن حركة حماس أعلنت الأحد الماضي حل اللجنة الإدارية في غزة (المسؤولة عن إدارة المؤسسات الحكومية) وذلك «استجابة للجهود المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام».
ودعت الحركة حكومة الوفاق للقدوم إلى قطاع غزة «لممارسة مهامها والقيام بواجباتها فورا».
ويأتي حل اللجنة في إطار جهود تبذلها مصر لتحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام المتواصل منذ عام 2007 بالتزامن مع وجود وفدين من قيادات حماس وفتح في العاصمة القاهرة.
وديع عواودة