روائح بيروت و«الكاميرا الخفية» في الأردن

يحدثني صديق برلماني أردني عن ما حصل في جلسة التصويت على قانون اللامركزية قبل عدة أيام حينما «انقلب» أعضاء السلطة التشريعية على أنفسهم فجأة وبدون سوابق إنذار واقترح البعض منهم إعادة مراجعة نصوص بالقانون تم إقرارها سابقا بالتوافق فعاش المواطن الأردني مع مشهد «مضحك للغاية» انتهى بتراجع وليس مراجعة.
القوم في البرلمان ينقلبون على أنفسهم خلال أقل من 48 ساعة.. المثير جدا في المشهد درجة الحماس خلال ممارسة الانقلاب فبعض ممثلي الشعب رفعوا يديهم الاثنتين لإظهار انقلابهم على نصوص كانوا قد صوتوا عليها أصلا.
بتقديري لا يوجد تفسير لهذا الحماس لانقلاب المواقف عند بعض المشرعين للشعب الأردني إلا في بند تسجيل المواقف وكأن جهة ما تراقب من ينقلب على نفسه وكيف وهي على الأرجح جهة من النوع الذي لا يجلس على شرفة النظارة ولا علاقة لها بالشعب والمواطن العادي.
إنها إيماءات تستهدف استقطاب «الكاميرا الخفية» التي تخيف النواب وتدفعهم للتراجع عن نصوص إصلاحية كانوا قد أقروها سابقا.
ما علينا… حتى أمس الأول وفي قانون يخص الزراعة انقلب الناس مجددا على مواقفهم السابقة وهو دليل على الكلفة الوطنية التي يدفعها الشعب الأردني تاريخيا بسبب غياب النواب المسيسين والقادرين على إنضاج تجربتهم التشريعية.
قبل ذلك تبين ان «ضابط الإيقاع» الخفي تغيب عن الحصة عدة مرات ففلتت الأمور تماما حتى ان بعض أعضاء مجلس النواب لا يمكنهم التفاعل مع مسألة الواجب الوطني والتشريعي بدون ضابط إيقاع يحمل الكاميرا الخفية او توجيهات مركزية لأجهزة الثقل والظل في الدولة.
لدي أدلة حيوية على استسهال العبث التشريعي عند جزء من النواب فاحد النافذين ابلغني شخصيا بأن الشهر المقبل ستعود البلاد مجددا لمساحة التعديل الدستوري لمراجعة نصوص في الدستور تم إقرارها أصلا العام الماضي ضمن حزمة الإصلاحات الدستورية التي بيعت للعالم في الخارج والداخل على انها إصلاحات سياسية حتى تبين أنها كوارث بالمعنى الحرفي.
قبل اشهر فقط وفي لحظة غفلة وتسرع تم إقرار نص دستوري يمنع من يحمل جنسية أجنبية من تولي الوظيفة العامة في الأردن…تبين لاحقا بأن إنفاذ هذا البند صعب ومعقد مع غياب الشفافية ورفض السفارات الإفصاح عن جنسيات بلادها ومع حرمان البلاد من كفاءات مهمة ونادرة وبصورة تعيق أي تطور.. القوم سيراجعون الأمر قريبا أو بمعنى أدق سيتراجعون.
وفي نفس الفترة تم إقرار تعديل دستوري يلزم صاحب القرار بترحيل وإقالة الحكومة التي تحل البرلمان… اليوم يتحدث سكان الطبقات العليا عن انقلاب مرجح على هذا التسرع الدستوري.
المثير في المسألة برمتها ان الشعب ومن بعده الدولة ومصالحها رهينة بأيدي نظام العمل بالقطعة و«الفرعة» والتسرع والارتجال ووضع القرار المركزي بحضن شخصيات إما كلاسيكية تملك الكثير من الخبث والدهاء لتضليل النظام مع مسحة البراءة المخادعة أو مراهقة ومستجدة في التجربة برمتها تبحث عن مكان فترتجل وتتخبط وتورط البلاد والعباد بأداء تشريعي وأحيانا سياسي وإعلامي لا يقف عند كونه يخلط الأوراق ويشوش المجتمع ويتغافل عن الحقائق بل يساهم في سحب رصيد الدولة والنظام عند الشعب ويظهر الأداء العام متخبطا لا يليق إطلاقا بحكم منظم وشرعي هو الأقدم في عالم اليوم.
كل ذلك يحصل بسبب الأجندات الشخصية لكبار وصغار اللاعبين في المعادلة النخبوية واحيانا يحصل لسبب لا يمكن رصده او ملاحظته في قائمة الأسباب المنطقية ولا يمكن النظر إليه في رف المبررات الوطنية او حتى الأمنية.. فقط ارتجال يتكوم فوق ارتجال فيحبط الجميع في القمة والقاعدة.
لا يمكن القول إلا أن هذا النمط من الأداء العبثي لا يليق بالأردن قيادة وشعبا وهو نمط المسؤول عن إنتاجه المصالح الشخصية للنخب والخيارات الخاطئة غير المنطقية لطبقة «حراس البوابة» الذين يدعون دوما بالوطنية فيعيقون كل ما يخدم الوطن والشعب والنظام.
طبعا الأعمق والأكثر جذرية هو التوثق من ان هذا النمط الارتجالي المتسارع هو محصلة للإيمان بالقلق من مخاطر «الانتخابات النزيهة» والرعب من الامتناع عن تزوير الانتخابات والديمقراطية والإصلاح الحقيقي وترك مسؤوليات القرار العام بأيدي شخصيات و«شلل» إما معنية بتعزيز مصالحها الشخصية على حساب الدولة والنظام والشعب أو مراهقة سياسيا لا تملك الخبرة الكافية فترتجل وتتخبط فيما الذريعة دائما تسمعها تتردد في كل الأروقة على قاعدة «هذه حقيقتنا ونحن كذلك».
وهي ذريعة غير صحيحة إطلاقا تستعمل فقط لتعطيل الإصلاح وعرقلة فرصة بلد مستقر وآمن يثير إعجاب العالم والجوار ويحظى بقيادة خلاقة لكنه «مكرسح» إصلاحيا بسبب نخبته السياسية والاجتماعية وبسبب تكلس مفاصله البيروقراطية والاجتهادات الاعتباطية التي تحكم مسار الأمور علما بأن الإدارة الأردنية وفي كل المجالات كانت دوما متميزة وفي خدمة الشعوب الشقيقة وهي تعجز اليوم عن معالجة مشكلات شعبها للأسف الشديد.
في بيروت خرج الناس من كل الملل والنحل للشارع بعدما زكمت انوفهم رائحة القمامة المتراكمة بين الأزقة وفي الشوارع بسبب صراع الأجندات والنخب الحاكمة والتيارات الطائفية التي تعلي مصالحها فوق مصالح لبنان.
في لبنان العزيز خرجت ملحمة «طلعت ريحتكم» لتشكيل رسالة قوية تمثل جميع اللبنانيين ضد النخب المعيقة والفاسدة وهي ملحمة ضد الدولة اللبنانية غير الموجودة أصلا والتي يعيق وجودها قادة وجنرالات المتاجرة بالسياسة والانقسام المرسومين على مصالح وأجندات دول الجوار.
نحمد الله في الأردن بأن الدولة متمرسة وقوية والجميع خلفها وله مصلحة بها وأجهزة البلديات تعمل بنشاط لتنظيف القمامة.. نريد ان تبقى هذه الصورة وتتحسن فالأردن يستحق الأفضل، الأمر الذي يتطلب الحذر و«التطعيم الوقائي» على رأي الطبيب السياسي الدكتور ممدوح العبادي.
عندما انطلق هتاف «الشعب يريد إسقاط النظام « في تونس ومصر وليبيا بمؤامرة أو بدونها سمعنا اردنيين في قرية ذيبان البعيدة عن مركز العاصمة يهتفون بنصف العبارة «الشعب يريد إس..» مع عبارة متلازمة تقول..«إصلح ولا بنكملها».
ذهبت بحمد الله أيام الاحتقان ولا بد من حملات التطعيم الإصلاحية الجذرية لأن رائحة مزابل بيروت يمكن ببساطة إذا لم تعالج قريبا ان تشتم في عمان.
وإذا كان الأخوة في لبنان اعلنوها على شكل «..ريحتكم طلعت» فالرسالة التي سمعتها شخصيا من مئات الأردنيين بمن فيهم بعض نخب الإدارة والحكم تقول للمتسرعين ومن يعيقون الاصلاح ويؤمنون بتزوير الانتخابات في الأردن «..ريحتكم قربت تطلع»… والله من وراء القصد.

إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية