روائع الكتابة وفظائع السياسة

انتهى الرأي السائد حول وجوب اضطلاع المثقف بدور أخلاقي – يتمثل اختصارا في الصدع بالحق والجهر بالحقيقة في وجه السلطة – إلى إهمال، غير متعمد بالضرورة، لقضية شبه ثابتة في جميع الحضارات: إنها قضية العلاقة المشبوهة، عبر التاريخ، بين أرقى الإبداع وأسوأ الاستبداد. وقد كان في حياة فيديل كاسترو مادة زاخرة بتجليات هذا الانجذاب بين فنون العقل المنتجة للروائع وبين فن الحكم الذي لا ينجب سوى الفظائع (حسب التعبير الشهير لسان-جوست). فقد حظي كاسترو بمباركة كثير من المثقفين في مختلف أنحاء العالم، وكان بين هؤلاء اثنان من عمالقة الكتابة في القرن العشرين، غابرييل غارثيا ماركيز، الفائز بجائزة نوبل، وجان-بول سارتر الرافض لها!
الطريف أن المتفهمين لقصة الصداقة الطويلة والمثيرة للجدل بين ماركيز، أحب كاتب لدى الأمريكيين اللاتينيين، وبين فيديل كاسترو، أكره حاكم لديهم، يؤكدون على وجوب حصرها بين قوسين لانعدام أي أثر لها في إبداعه الأدبي. حيث تتفق ستيفاني بانيكلي، التي ألفت مع انجيل استبانكتابا بعنوان «فيديل وغابو»، مع المترجمة إيدث غروسمان بأن ولاءات ماركيز السياسية لا أهمية لها بالنسبة لكتاباته. أما الباحث باتريك إيبر فإنه يرى أن مردّ هذه “الصداقة الخرافية” هو أن ماركيز كان يولي كاسترو قيمة أجلّ مما يستحق. ولكنه يشرح أن ماركيز كان من القلائل الذين يستطيعون التبسط في الكلام مع كاسترو بكل حرية وانتقاد نظام الحكم انتقادا بناء ولكن غير علني. ثم يستدرك أنه ما كان لماركيز أن يحافظ على هذه الحظوة، أو السلطة، لو أنه قاطع كاسترو جهارا.
أما سارتر، الذي سبق له أن زار كوبا عام 1947وهاله فرط البؤس فيها، فإنه قد زارها ثانية مع سيمون ديبوفوار أوائل عام 1960، بعد أكثر من عام من نجاح الثورة، بدعوة من كارلوس فرانكي مدير جريدة «ريفوليثيون». وشملت الزيارة، التي استغرقت شهرا، اجتماعات مع تشي غيفارا وكاسترو وأخيه راوول، ولقاءات مع الطلاب والفلاحين والساسة والمناضلين الشيوعيين، ومحاضرات ألقاها وأحاديث أدلى بها للصحافة. وبعد أشهر نشر في جريدة «فرانس سوار» سلسلة من ستة عشر ريبورتاجا من وحي هذه الزيارة التي طبعتها أجواء نشوة الكوبيين وبهجتهم بانقلاب أوضاعهم وانفتاح آفاق التقدم الاجتماعي أمامهم.
يتضح من سلسلة الريبورتاجات، التي كانت بعنوان «إعصار على حقول قصب السكر»، أن سارتر افتتن أيّما افتتان بهذه «الديمقراطية المباشرة»، التي كان يحلم بها جان جاك روسو، والتي أثمرتها عفوية بسطاء الكوبيين. وبما أن هذه الكتابات الصحافية عدّت دفاعا عن نظام كاسترو، بل وتقريظا له، فإن أشياع سارتر أصبحوا بعد ذلك يميلون إلى محاولة إغفالها عسى أن يطويها النسيان. ولكن كلود لونزمان أعاد نشرها عام 2008 في دورية «الأزمنة الحديثة» التي أسسها سارتر وديبوفوار عام 1945.
تضافرت في موقف سارتر غير النقدي من النظام الكوبي الجديد اعتبارات نظرية تتعلق باعتقاد صاحب المذهب الوجودي (القائل بأن مصير الإنسان من كسبه ولا يتوقف إلا على إرادته وفعله) أن الثورة الكوبية توفر الدليل على أن الفلاحين في حقول التبغ وقصب السكر هم الذين يصنعون التاريخ، مثبتين بذلك أن القدر ليس سوى أحدوثة ميتافيزيقية. أما الاعتبارات الثانية، التي عدّت دليلا على العمى الإيديولوجي الناجم عن الكراهية المطلقة للرأسمالية ولكل ما هو أمريكي، فإني أرى شخصيا أنها كانت تنطوي على موقف أدبي أو فني أستغرب كيف أن النقاد، حتى من محبّي سارتر، لم يلتفتوا إليه. ذلك أن سارتر هو في الأساس أديب، بقيت أعماله الأدبية والمسرحية ولم يبق من فلسفته شيء ذو بال يعتدّ به. ولهذا كان صعبا على الروائي في سارتر ألاّ يعجب بكاسترو وتشي غيفارا، هذين البطلين المضادّين اللذين كان يبدو كأنهما لا ينامان أبدا، واللذين عادة ما كانا يستدعيانه لتبادل الحديث في الهزيع الأخير من الليل.
كيف عبّر سارتر عن إعجابه بدفق الحيوية التي لا تني عند الزعيمين الثوريين؟ كتب أنها حيوية تستحضر المعاني التي مجّدها ستندال في رواياته. اصطحب كاسترو الأديب الباريسي في عدة جولات ولقّنه مبادىء صيد السمك. كان شخصية ملهمة للخيال الأدبي. لهذا كتب عنه سارتر أنه «الجزيرة بأكملها»، أي كوبا بأسرها، ما أن يستهل خطابا من مطوّلاته حتى يصير «مفرد صوت وسط خمسمائة ألف صمت».

٭ كاتب تونسي

روائع الكتابة وفظائع السياسة

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية