تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: هل يُوفر الاغترابُ عن الوطن أسباب كتابته؟ وكيف نكتب الداخل ونحن خارجه؟ وهل تُعول الكتابة في الغربة على تعاطف القارئ معها؟ هذه بعض الأسئلة التي اقترحناها على مجموعة من الكتاب العرب المغتربين، باحثين لديهم عن إجابات عنها. وهي أسئلة فرضتها الحال العربية الراهنة التي أجبرت المبدعين على الرحيل من أوطانهم بحثا عن مكانٍ يقي أرواحَهم مرارة الواقع وعنفه الرمزي أو المادي.
البحث عن وطن لائق
يعتقد هيثم حسين، الروائي السوري المقيم في بريطانيا، أن الاغتراب لا يقتصر على مسافة معينة، ولا على داخل أو خارج، ويقول: «لطالما لازمني الاغتراب حين كنت في بلدي، ذلك أن المستبد الذي حاول احتكار الوطنية في شخصه، قزّم الوطن ليكون أصغر من اسمه، وحرص على تعميم مشاعر الاغتراب عند أبناء البلد، ودفعهم إلى اليأس من التغيير، والبقاء في دوامة السجن الموحشة، والتقوقع على الذات المقهورة جراء القمع والتسلط والتهميش.
غربة الوطن أقسى من أي غربة أخرى، والاغتراب في الخارج قد يكون أقل عدوانية وإيلاما من اغتراب الداخل المضني، فحين تشعر بأن الديكتاتور، من خلال أزلامه وأجهزته القمعية الإجرامية يفسد عليك حياتك وأمانك ويبقيك قلقا بشكل دائم، لا يمكنك اعتبار نفسك مقيما في وطنك المفترض، لأن الوطن الذي لا يؤمن لأبنائه الأمان والحرية لا يستحق اسمه، ويتحول إلى مكان عدواني طارد له.
الكتابة من خارج الوطن – خاصة إن كان الوطن محتلا من قبل ديكتاتور ومغتصبا من قبل طغمة مجرمة كحالنا في سوريا منذ عقود – تمنح الكاتب أريحية وحرية للانطلاق في عوالمه، بعيدا عن وساوس الاستجواب، والمساءلة، وتقديم إفادات وتأويلات لعناصر غبية من المخابرات، تزعم الحرص على أمن الوطن، في حين أنها أدوات المستبد الإجرامية، لقتل بذور الأمل والحرية والكرامة عند الكاتب وإشعاره باغترابه عن واقعه ومحيطه، وأنه يقدم على أفعال سخيفة لا أحد يكترث لها. أذكر أنه حين كان يتم استجوابي أحيانا من قبل عناصر في المخابرات عن كتب أو مقالات رأي لي، كان هناك حرص من المحققين على تسخيف الكتابة والكتب والكلمة، والإشارة إلى عدم إيلاء أحد أي اهتمام أو قيمة لما أكتبه، وأن إصراري على المضي في الكتابة وتحدي السلطة هو من باب الغباء والانتحار لا غير.. وحين كنت أسأل عن أسباب التحقيق معي طالما أن الكتابة سخيفة وتافهة ولا أحد يكترث لها، كان يجيب بعصبية واحتقان: «إسكت.. نحن فقط مَن يسأل ويستجوب وعليك أن تصمت وتجيب». وطبعا كانت هناك إهانات مع الاستجوابات والتحقيقات. هل يمكن أن يُسمى هذا السجن الكبير وطنا، وأن يسمى البعد عنه اغترابا؟! ألا يكون البعد عنه أمانا وتبديدا للاغتراب والتتفيه وبحثا عن وطن يليق باسمه».
ويضيف هيثم حسين قوله: «تجبرك الغربة على النظر في المفاهيم، في ذاتك، في كتابتك، في مشاعرك، ترسم لك صورتك الخاصة عن وطنك المحلوم به، الوطن الذي لا تشعر فيه بالاغتراب أو التسخيف أو القلق.. وهذا ما يبدو حلما في عالم اليوم، الذي يزداد جنونا يوما بيوم. ولا أعتقد أن الكتابة تعول على تعاطف القارئ، ولا تحتاج من القارئ إلى تعاطف أساسا، بل تحتاج منه الوعي والتفهم والقدرة على محاورة الكاتب في طروحاته وتصوراته ورؤاه، واستدراج عطف القارئ لا يجدي ليمنح المكتوب قيمة وتقديرا، إن لم يكن يستحق ذلك. التعاطف يراعي حساسية قد توصَف بالمرَضية لدى الشخص، ويبرر له قصوره، والكاتب الحقيقي لا ينتظر عطفا أو تعاطفا من أي قارئ، بل يبحث عن استفزاز قارئه وأحيانا صدمته من أجل إيصال رسائله، ودفعه إلى مشاركته قضاياه، ومناقشته أو مساجلته فيها بطريقته الخاصة بدوره».
الغربةُ كالحربِ موتٌ
وتحاول لورا مقدسي، الروائية اللبنانية المقيمة في السويد، تحديد مفهوم الاغتراب لدى بعض المفكرين الغربيين الذين حَددوه بكونه ظاهرة حتمية تاريخية ملازمة لحياة الإنسان، وعبروا عنه في أعمال أدبية كثيرة، لعل أشهرها «الغريب» لألبير كامو. تقول لورا مقدسي: «يشكل الاغتراب ثيمة غنية في الأدب والرواية، لأنه يعبر عن ضياع الإنسان، واغترابه عن ذاته وعدم قدرته على التجانس مع الناس والمحيط الذي يعيش فيه. واعتبر الفيلسوف الألماني هيغل أن الاغتراب يؤدي بالإنسان إما إلى الانكفاء السلبي على الذات وإما إلى الإبداع.
ومع تصاعد موجة النزوح إلى الغرب، التي تفاقمت في العقود الأخيرة، تبدو معاناة الأدباء العرب في المهجر مضاعفة. فالغربة غربتان: غربة المكان واغتراب الذات وإحساسها بالمنفى. وفي هذا السياق، قد تشكل الغربة ثيمة غنية، ومشوقة تقدم إضافات جديدة للرواية العربية لو أحسن الكتاب العرب توظيفها في العمل الأدبي، للتعبير عن هزيمة الإنسان العربي وخيباته المتوالية، واضطراره إلى النزوح إلى بلاد بعيدة ليعيش في غربة واغتراب دائمين».
وعن تجربتها الروائية في الغربة تقول لورا مقدسي: «قد أميل شخصيا إلى نبذ النوستالجيا الممجوجة في معالجة موضوع الغربة في الرواية، لأن ذلك يؤدي إلى سقوط التجربة الإنسانية في متاهات السطحية على المستوى الشعوري والفكري واللغوي، وهي أبعد ما تكون عن ذلك، أو كما قالت ليلي آن في «موسم الهجرة إلى الحرية»: «الحرب موت والغربة موت، ولا أدري أيا من الموتين أشد فتكا بالإنسان». فلا بد أن يكون للوطن الجديد تأثيره العميق في الثقافة والوعي والذاكرة واللغة. وهذه الأخيرة مؤشر مهم من مؤشرات وعي الذات الروائية، وصدقيتها ومقاصدها.
في الغربة، يجري البحث ليس فقط عن الأنا الضائعة والهوية المفقودة، المقطعة أشلاء، وإنما أيضا عن الحب والحرب والوطن كما حُفظ في الذاكرة. وفي تلك اللحظة النازحة خارج الزمان والمكان يصير الوطن شبيها ببطاقة بريدية Carte postale أو حالة خاصة مختلفة عن الواقع. قد يصير الوطن أغنية لفيروز يسمعها المهاجر على شريط كاسيت تقطع من كثرة الاستعمال، أو موالا لوديع الصافي يشدو فيه جمالات القرية بسهولها وجبالها. والأرجح أن يكتب الروائي عن وطنه الأول بلهجة ساخطة، معبرا عن خيبته وخيبة جيل كامل على الأوضاع السائدة فيه والحروب المتواصلة والهزائم المتكررة، التي أجبرته مع كثيرين على الهجرة. وقد عبر جبران خليل جبران عن ذلك في مقالته الشهيرة: «لكم لبنانكم ولي لبناني».
وفي محاولة لاسترجاع الوطن في الرواية، يمكن توظيف تكنيك الفلاش باك والعودة إلى الذكريات الشخصية، كنافذة على الماضي، كما في «موسم الهجرة إلى الحرية»، وذلك قبل أن تقرر ليلي آن العودة إليه، لتستعيد ذاكرتها البيروتية، وتكتشف أن بيروت صارت مدينة أخرى لا تشبهها، ويصعب أن تكون وطنا لها. كما يساهم الفــلاش باك في تعميق حالة الغربة أو المنفى، التي يعيشها أبطال رواية المهجر، فإن تساقط الذكريات كشلالات من ضوء، يزيد من درجات الوعي الإنساني، ويحفز على تفجير كتلة شعورية متدفقة، ولغة شعرية أنيقة، للتعبير عن خلجات الكاتب في مسائل وجدانية تتعلق بالحياة والحب والوطن».
مواجع الترحل
ويقترح علينا أسامة رقيعة، الروائي السوداني المقيم في الخليج، تمثيلا لحضور الوطن في الغربة وذلك في قوله: «حينما نرتدي معطفا دافئا، أيام البرد الشديد، يُطْبق على أجسادنا في حنو جميل، باعثٍ على الإحساس بالدفء، ثم يصبح الدفء لذيذا، فنعتاده، وننسى المعطف ولا نحس بوجوده البتة، وكأن الدفء أمرٌ فينا، بل وكأننا نحن من نصنعه بكل سهولة، وقد يصل بنا الحال إلى أن نمله ونلعنه زهدا وضجرا ومكابرة وعنادا. ولكنْ ما إن نخلع المعطف حتى نحس بالصدمة الكبرى وندرك أنه كان يحمينا من برد قارس تنثال ثلوجه علينا من كل مكان حتى من داخلنا، ذاك المعطف هو الوطن، ومتى نزعناه أو اُنتُزِعْنا منه تفتحت فينا مسامات الإحساس بفقد العشيرة والأهل والأصحاب والأماكن، وهاجت الذكرياتُ.
الأوطان يا سيدي معاطف دافئة لا نحس بها إلا حين يصدمنا برد الاغتراب ويوجعنا ألم البعد عنه، هنا فقط تكون ذاكرة الكلمات لدينا قد اتسعت، وصارت منظارا يكبر الأطياف ويقرب منا كل اللحظات الدافئة التي كانت داخل الوطن فتبدو لنا تفاصيله أكثر وضوحا ومُتَبلة بالحنين والاشتياق. لقد ظل الاغتراب يمنح نصوصَنا من المرارة ما يُنسي حلاوة كتابتِها، ومن الحلاوة ما يُنسي مرارةَ التذكر فيها. وحينما أكتب في غربتي أجد كل التفاصيل الصغيرة قد نهضت واقفة أمامي، وصارت أماكن الصبا تناديني بشوق إليها، وأحيانا تحضر أطياف أهلي، فإذا هم حولي أكاد أشم عطر وجودهم، أما الأصدقاء فأراهم كما هم حين فارقتهم، لم يكبروا، ولم يجر عليهم الزمن جريانَه، هكذا يحضر أمامي الوطن بكامل فتنته حضورا جميلا لا أمل من كتابته.
وأحســــب المهاجر واجدا في أماكن اغترابه فضاءات ملهمة لنصوصه تمنحها القدرة على استدعاء معاني الوطن وصور ناسِه وأماكنه في مهرجانات للإبـــداع تجـــري فيها الكــــتابة مثل نهر رقراق، بل تجعل الكاتب يجـــري في أنحاء غربـــته، باحثا فيها عن معان جديدة يصوغها شعرا أو نثرا لترتاح روحُــــه من إحســـاسها بمواجـــع الترحل. ولا أظن كتابة الغربة، متى كانت صادقـــة ومحفورة في عميق التجربة، تحتاج إلى أن يتعاطف معها قارئها، فالنص المجروح بغربته يُسْمع صداه من الأبعادِ».