رواية التاريخ ومواضعات التسريد

حجم الخط
1

لرواية التاريخ مواضعات خاصة تتأطر فيها منظورات السرد وتتحدد عبرها بروتوكولات عمل السارد، فتتمظهر المسرودات بمظهرية خاصة، وتتشكل وظائفية المسرود له والقارئ على المستويين الفني والموضوعي في صيغة تشكيل هيكلي يعطي العمل الروائي نكهة تاريخية.
وقد يطبعه بصبغة روائية تخييلية ليصبح رواية تاريخ همّها الحدث لا الواقعة بدون تقييد موضوعي، ولا تحييد فني أو حظر على استثمار المخيلة، لا يجيز للكاتب الزوغان في المنقولات أو الانفلات من التوثيق للمرويات. ولكي تشكل هذه البروتوكولات تعادلية تاريخية ذات تموضعات محددة، فإننا سنقتصر هنا على أربعة تموضعات هي (الجسد/ الذاكرة/ الإيهام بالواقع/ المركز).
1 ـ تتعامل رواية التاريخ مع الجسد لا كتاريخ بل كثقافة. ووفقا لسياسة ما بعد الحداثية تكون الكتابة الميتاخرافية التاريخية تعبيرا عن الجسد، من خلال نسقين معرفيين مختلفين، نسق يعزل الجسد عن كل ما يقع خارجه، ونسق يدمج الجسد في تناغم مدهش مع كل ما يقع خارجه، وبذلك يغدو الجسد ممتدا بلا نهاية وهذا ما تحاول الكتابات النسوية تأكيده متعاملة مع تاريخ ثقافي جديد للجسد الإنساني.
ولا غرو أن تقف ثقافة الجسد ما بعد الحداثية بالضد من الأبوية، فلا ترى الجسد بالمفهوم الاستهلاكي الذي يتضمن الرغبة واللذة والشهوة؛ بل بمعيار جديد أيديولوجي يتحدى حالات الرغبة، منتميا إلى ما بعد الحداثة، ولهذا ترى ليندا هتشيون أن (الرغبة كإشباع أرجئت إلى ما لا نهاية).
ويتخذ التعامل مع الجسد في الرواية العربية ما بعد الحداثية عامة، ورواية التاريخ خاصة، طابعا جديدا فليس الجسد كيانا للذة ولا هو موضع تصدير للشهوة، إنه الآن إشكالية تتجاذبها المتناقضات والمتضادات، فهو تحد ومقاومة وهو حياة وموت واعتلاء وذواء. وهذا الطرح إنما يأتي في سياق الانقلاب النسوي على مدخرات النسق الذكوري العام رغبة في تعرية مخبوءاته.
وأدت السخرية دورا انقلابيا في سلب المركزية من تاريخ الجسد وتحويله من مهيمن إلى مهمش ثانوي، فللزمن فعل وأثر في تقريع الطغاة وتلقينهم الدرس لأنه وحده الذي يكشف زيف (التموضع اللامعتاد) المتمثل في الاعتداد الملوكي وتحويله إلى مجرد (تموضع معتاد) والمتمثل بالذواء في شكل رفات وعظام.
2 ـ أما الذاكرة كشاهد فإن فعل الذاكرة لا ينفصل في عمومه عن خصوصه، كما لا يختلف البعد الذاكراتي الفردي عن البعد الجمعي، كونه تحصيلا عنه واستتباعا له، ولا ينفصل العامل الشخصي فيها عن العامل الرسمي، لأنهما متلاقيان حتما في شكل علاقة بين الذات والزمان والمكان. وعادة ما يعطي الاشتغال السردي حول الأسطورة أبعادا ذات دلالات رمزية، بما لا يجعل المعنى المترشح مباشرا أو عمليا بعكس السرد الواقعي، الذي يستبعد الأسطورة ليشتغل بدغماطية واقعية أو كلاسيكية، ومن هنا كانت دعوة المفكر محمد أركون لصناعة جهاز مفاهيمي جديد يخالف التفكير الأصولي، يقوم على الأسطورة والميثولوجيا والطقس العشائري والرأسمال الرمزي، ومن تقانات تحقيق هذا البروتوكول توظيف تقانة الشاهد التي بها يتم إلغاء مسألة التحقيب لتكون اللازمنية في رواية التاريخ هي الدينامية التي يسير عليها المعطى البنائي للسرد.
3 ـ الإيهام بالواقع بؤرة سردية فيها تبدو الواقعية في شكل جديد يقوض الواقعية التقليدية ليتجه بها نحو الاستيهام، فيغدو الزمن متداخلا بالمكان وتصبح الذات نهبا للتشظي الناتج من تضعضع الواقع بالوهم مع غلبة التشكيك في الأشياء التي تبدو ظاهريا كأنها موجودة ولا موجودة متشيئة ولا متشيئة، ويظل الخادع الأكبر للقارئ هو التعاطي الديالكتيكي مع ثنائية الواقع/ الحلم بالمكاشفة والتشكيك بقصدية بلوغ الحقيقة.
وهذا هو ما تسعى إليه الرواية التجريبية التي يطلق ميشيل ريمون على كتّابها اسم الروائيين الجدد، أي الروائيين الذين شرعوا في تجديد الفن الروائي، والذين يشتركون في عملهم المنظم في العثور على أشكال جديدة رافضين الأشكال الماضية. وما هذا التعاضد السردي داخل الرواية، متنا وهامشا، إلا إعلان عن توحد الذات في المكان الذي بدا كمتاهة يفضي ارتيادها إلى مغامرة، ولا مناص للقارئ من أن يسهم في هذه المغامرة شاء أم أبى، إذ أن عليه أن يفك شيفرات شخصياتها، ويوصل أطراف أزمنتها، ويلم شتات أحداثها، ليظفر بأفق توقعه الذي لن يكون مناله سهلا لكنه أيضا ليس بالعسير. وأهم غايات الواقعية الجديدة هي أن تصنع الصدمة التي بها يستفيق الوعي منتشيا بالظفر بالمعرفة حاصدا الحقيقة من منابتها الأصل، بلا تشويه ولا تدليس ولا تزييف أو تزوير. وما كتابة رواية التاريخ إلا لصق بالمبدع الذي يرى بعين ناطقة ترصد ما خفي على الآخرين حاملا كاميرا ذاكراتية تلتقط له كل ما هو صغير وتفصيلي قد يعجز غيره عن التقاطه ورصده.
4 ـ تهرئة المركز وسيادة الهامش في رواية التاريخ يكشف زيف المرويات التاريخية، بناء على طروحات المرحلة ما بعد الكولونيالية، وهنا توظف رواية التاريخ (التمثيل) الذي يعطي للكتابة طابعا تخييليا يسخر مما حفظه التاريخ لنا من مرويات ووثائق، والهدف كشف اللبس الذي تتستر به الأيديولوجيا والتاريخ. وتتوسل الرواية بفرضية ما بعد حداثية مفادها أن التاريخ مادة سردية قابلة للتنميط والتمطيط وليست مادة معرفية مفروغة الفرضيات والنظريات مقطوعة الشك محنطة في الماضي. ويتمحور الإيهام بالتمثيل في الأغلب حول بنيتي المركزـ الهامش في شكلين بنائيين أولهما أن التمثيل العشوائي هو الذي ينتج تواريخ زمنية لكنها ليست تاريخية، وثانيهما أن التمثيل التاريخي هو الذي ينطوي على زمنية أحداث وحبكات وقد يمتزج التمثيلان لتتشكل منهما مرجعية حكائية مفترضة تناقض التاريخ الخاص الذي لن يعود مجرد أحداث حصلت في مرحلة ما من الزمن، بل هي ديمومة لا نهائية ودوامة متوالية ليس فيها متعال ودان ولا ذاهب وآت. وهذا ما يحقق التزامن في التواريخ الزمنية الفاعلة أو الحقيقية والتواريخ الزمنية المهلهلة فيتخلل الماضي الحاضر ويكون الزيف موجودا فيهما معا، لأن التاريخ ما عاد علما فيفرض علينا تصديق منطقيته، بل هو محكي متخيل قد تطاله الهرطقة والأكاذيب. وتكاد هذه الخلخلة تشتغل على مستوى (الكاتب، القارئ الضمني، القارئ الفعلي) فأما الكاتب فإن مهمته تتمثل في خلخلة التوالي السردي عبر الإصرار على عدم التنازل عن واقعيته إلى الماضي، مع اللاانشداد للواقع على حساب الماضي، وبذلك يتمكن من تسجيل الماضي بمنظور الواقع الحاضر، وكأنه يمارس دورين دور المؤرخ ودور الأديب الاجتماعي، إذ ما من سبيل للاستنارة من ظلمة الحاضر إلا بما انتهى إليه الماضي من أخطاء أو انتصارات، لنتزود منها ونتعظ نحن القراء. وأما القارئ الضمني الذي هو بنية ذات وظائفية مرجعية، فإن مهمته تتــحدد في خلـخلة التعامد التخييلي داخل المعمار السردي ما بين المركز والأطراف.
أما القارئ فيتمثل دوره ككيان فعلي خارجي في ردم الخيبة في أفق التوقع، التي حصلت بسبب ما اعترى المتن النصي من إشارات زمنية خارجية، ونصوص موازية داخلية، باستعمال مقصدية الحذف والفراغات التي تخللت السلاسل السردية وأتمت البناء وأنجزته. ولا يتم التفاعل بين هذه الأطراف إلا بوجود القصد الذي يتبلور عند الكاتب في اشتغال يشترك في أدائه المسرود له، جنبا إلى جنب القارئ بطريقة تزامنية، ليكون لكل منهما محموله الدلالي ودوره الامتدادي الذي يتوزع بين الظهور والتمظهر والاستظهار والمفارقة تعبيرا عن تعاقب العصور والتواريخ والحقب. وبهذا الشكل يتحقق التوافق في الخطاب السردي بين زمن المغامرة وزمن القارئ، وبدينامية عالية ولا تتم خلخلة المركز وإبداله بالهامش إلا بتزامنية المبنى الخارج سردي مع المبنى الداخل سردي، ويعد توظيف الميتاسرد في رواية التاريخ أحد بروتوكولات خلخلة المركز والهامش على مستوى التلقي بوصف الميتاسرد خطابا يشتغل على ممكنات الكتابة الفنية وككتابة نرجسية وظيفتها خلخلة اللعبة السردية.

11ADA

رواية التاريخ ومواضعات التسريد

نادية هناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية