رواية التركي سارادار أوزكان «حين تستحيل الحياة نورا»: عصر السلام الذي ينتظره الكثيرون

■ بُلّغ المؤتمن الجديد للكتاب، الذي جعل منه سارادار اوزكان في روايته «حين تستحيل الحياة نورا» الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الأمانة خاصة أنه سيكون الحافظ الجديد لها، ومن المهم معرفة أن كتاب الأمل ينتقل دائما إلى طفل. أما محتويات الكتاب فهي الرحلة الحقيقية التي يصاحبنا فيها سارادار أوزكان مع المؤتمن الجديد لمعرفة المحتوى حيث «تردد ذكر المبارك في الكتاب أكثر من مرة، ووصف بأنه آخر حفظة الكتاب»، بأسلوب تضفي الحكمة عليه نوعا من الوعي الوجودي المكتشف، تبعا للبحث والتفكر بالخالق. عبر طفل اختبر الحياة بتسلسل زمني، وكتب عن معناها، بدون الوقوع فريسة الأوهام التي يبعدنا عنها بتؤدة وانسيابية، وبسرد يكشف عن قيمة البعد الزمني الذي يحياه الإنسان بعفوية العمر أو السنين التي يبدأها طفلا، ولا يعرف متى تنتهي. إلا أنه الحامل لكتاب المعرفة، أو كتاب قوانين الحياة التي تتغذى على الوجود الإنساني وخصوبة الزمن المتتابع من الطفولة إلى الرشد، في رحلة مذهلة للحب والأمل والحياة، في عالم سحري تحتويه مفاهيم الحياة الحقيقية.
رغم بساطة الحدث الروائي استطاع الروائي سارادا أوزكان إدخالنا في متاهة الأدب الفلسفي والوجود الخالد الذي لا يفنى، وصراعات النفس الأمارة بمختلف تنوعاتها، واضعا فكرة الملاك والخلود بين هلالين، وضمن خاصية الرؤية التي لا يمكن أن ترافق الحياة، لأنها ضمن ما يشبه رايات تسلمها الأجيال لبعضها بعضا، وهذا ما لم يفهمه عمر الطفل وعمر الشاب، والدلفين الذي رافقه في تساؤلات لا تنتهي، وهي الأفكار التي تراود النفس المجبولة على الخير والشر، أو بالأحرى على الخطيئة والوساوس، وفكرة الموت التي تطغى على مخاوف الإنسان. فتجعله في جمود أو كالمحنط في العقائد والمفاهيم التي يحملها الكتاب، بدون محاولة من الإنسان فهم ماهيته أو كنهه أو حتى تبسيط مسألة الموت والحياة والخطيئة والإثم، والغنى والفقر والتفاوت البشري، أو التفاوت الإنساني «فإن كل سعادة نعرفها في هذا العالم هي مجرد عبق سريع التلاشي، خلفته السعادة وراءها، وهي تتجول في عالمنا»، فكل قيم ترحل تدفع بإنسان آخر إلى الرحيل، وما تركيبته الروائية هذه إلا معالجة للمفاهيم العقائدية التي ننشأ عليها، وتجعلنا ضمن حدود الخوف من الثواب والعقاب والخوف من الله. بينما الخالق أنعم علينا بجمال الكون وجعلنا في رحلة كونية مع أنفسنا نفتش عن الذات ونبحث عن الوجود لنرحل بسلام.
رغم برودة الحدث الروائي، إلا أنه استطاع تحفيز فضول القارئ لمعرفة نهاية شخصية عمر، الذي يريد الخلود أو الانتقال إلى عالم النور، وهو ما يشبه رحلة يونس في بطن الحوت، أو رحلة الخضر مع العبد الصالح، ولكن بأسلوب تفرد به عبر لغة يحاكي فيها كافة المراحل من خلال نمو الشخصية الروائية، وما كان يجهله في الطفولة، واكتشفه في الشباب، بات مدرسة يستطيع من خلالها تعليم الآخرين معنى الأمل والحب وتجاوز اليأس والخلود والحياة، كان الانتقال من حياة إلى حياة أخرى مجهولة التفاصيل إلى الواقع الروائي والواقع الآخر المتخيل. لنستنتج أنه لا يمكن الحكم على الأفراد الذين نجهل ما بداخلهم أو نكره ما خلقه الله، وأن لا نبحث في أمر الخلود والخطيئة، ولكن يجب أن نعيش في رحلة نكتشف فيها أنفسنا التواقة للخير.
استطاع سارادار أوزكان التلاعب بالزمن الروائي، وتقسيمه إلى أجزاء لا تنفصل عن الفكرة، ولكل منها مضمونه الخاص، من صحبته للدلافين إلى صداقته مع المرأة. فالصداقة في الرواية ركن أساسي، وهي القناعة، وأن الصحبة في الحياة تجعلنا نبلغ النور الذي نبحث عنه في ماورائيات نؤمن بها ونجهل كنهها الحقيقي أو المادي. لأننا نشعر بها حسيا تبعا للتربية والأساطير والعقائد وغيرها.. فهل حين تستحيل الحياة نورا هي المعرفة التي يجب أن يتبع نورها الخفي الإنسان الباحث عن حقيقة الوجود أو حقيقة الموت والحياة؟
وحش الأنا وضيق النفس في دنيا واسعة، وفلسفة الموت والحياة والبحث عن الإيمان المطلق بالجوهر، والوصول إلى النور من خلال التقشف أو الالتزام بكتاب سلمه له ذاك الرجل، وهو بدوره سيسلمه لمن يخلفه. إلا أن رحلة الحياة الشاقة جزأت الرواية، وجعلت من كل جزء حكاية، وإن بدا عمر راشدا في موت وحياة، وغموض اللحظات في قبر يصبح فيه الإنسان فيلسوفا. فهل يحاول مزج طقوس الموت بأسلوب فلسفي وجودي يتخذ منحى البحث عن النور أو الجوهر أو الخالق أو تبرئة الإنسان من عقائد محشوة في رأسه منذ الطفولة، أهي الطرق المختلفة التي يتبعها الإنسان منذ القديم وحتى الآن؟ أم هي تأملات في الموت والحياة لتحرير الأنا من سلطة التشدد؟
إنشر الحب ولا تؤذِ نفسك واحمل كتابك بيمينك وامشِ على ماء البحر، لتنشر المحبة والسلام في العالم. هذا ما يريده سارادار أوزكان من رواية فلسفية تؤكد على أحكامنا التعسفية، وعلى الأفكار المتوارثة والاعتقادات الخاطئة، وإن بأسلوب فلسفي بطيء يدفع بالقارئ نحو عمق طفولي يتساءل عن كل شيء في الوجود، عن القضاء والقدر وعن الله، وعن البشرية من خلال الدلفين، وعن الملائكة من نور وملاك الموت، كل هذه الفلسفة في رواية ذات هلوسات نفسية تحدث عند الخوف من الموت والخطيئة والشر وقتل النفس. ليمحو في النهاية ضبابية الأفكار السوداوية رغم الأحذية الزرقاء التي تمناها، ومنعه والده من شرائها. ليبقى التمني بالحرية هو قيد نوراني وتفاصيل حياتية جزأها وربطها في خيط هو الرؤية الفلسفية للرواية ذات الحبكة التساؤلية المكللة بوحش الأنا وقتله ليتحرر الإنسان.

٭ كاتبة لبنانية

رواية التركي سارادار أوزكان «حين تستحيل الحياة نورا»: عصر السلام الذي ينتظره الكثيرون

ضحى عبدالرؤوف المل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية