أحمد الفطناسي يكتب من خلال هوسه بالجماليات فهو كاتب مسرحي خاض غمار تجربة مسرح الهواة لمدة تزيد عن ثلاثين سنة، قبل أن يستقر به المقام الإبداعي داخل تجربة فرقة همزة وصل للإبداع، ذات الطابع الاحترافي، التي أخرج لها مجموعة من المسرحيات، وهي التجربة الاحترافية التي قادته إلى عضوية المجلس الوطني للنقابة الوطنية لمحترفي المسرح، التي كان عضوا فاعلا فيها في فرع مدينة آسفي. فضلا عن كونه فنانا تشكيليا ومصورا فوتغرافيا ساهم في مجموعة من المعارض الفنية، صدر له: ملح دادا (محكيات) 2003/ الخطايا (رواية) 2006/ وشم الجنوب (رواية) 2008. إضافة لبعض النصوص المسرحية التي عمل على إخراجها ورقيا بعد أن تم تجسيدها على خشبة المسرح.
تتوالد بنية الحكايات في رواية «الخطايا» بطريقة متناسلة على لسان شخصيات الرواية بشكل ينبئ بأن الكاتب يكتب نصه انطلاقا من تعاليات نصية في أغلبها الأعم شعر سكنه إلى درجة الهوس، وهي بنيات تهجس بالأسطورة، والتاريخ، والحكايات الشعبية، ونصوص وأزجال من شعر العيطة، تتفاعل في ما بينها نصيا بصيغة الميتاحكي، ويمكن أن نميز من خلالها بين نص الكاتب، وما انصهر في بوتقة نصه، من تناصات نصوص، أسعفت الثقافة الموسوعية لأحمد الفطناسي (كمسرحي، وزجال، ومطلع على تاريخ العيطة بشكل خاص) في استيعابها داخل نصه، هذه المتعاليات النصية، جعلت الكاتب يكتب نصه تحت تأثير الهوس الذي يمارسه النص السابق، كعقدة أوديبية، تدفع بالمبدع إلى السير على منوال النص الأول، أو التمرد عليه، وهذه البنيات يمكن رصدها في تمعُّن طريقة الحفر التي مارسها الكاتب عبر ثلاثة مستويات:
-المستوى الأول: المُتناص : وهو مجموع النصوص التي نجدها في ذاكرتنا عند قراء مقطع معين، يؤثث أحمد الفطناسي فضاءه الروائي بحوارات جاءت على لسان شخصياته، تمتح مادتها الخصبة من التراث الشفهي، على لسان شخصيات من قبيل باعروب الحلايقي، والعسكري الحلاق، اللذين تمتلأ ذاكرتهما بالكثير من الحكايات التي جعلتهما قبلة ومحجة للأتباع والمريدين. جاء في اللوحة الثالثة في رحلة استعادة للعسكري الحلاق لرحلته العسكرية أيام كان الجنود المغاربة يدافعون عن شرف أوروبا: (قال سيدي عبد الرحمن المجدوب، تا كلامو ما فيه كدوب، خرجت الغاب تبعها لكوب، خرجت مئة كرام حتى الضيافة ولات حرام… لحظتها كنت أجلس على عتبة الدكان، مشدوها بين ترديدات باعروب وعيوط عبدة المنبعثة من ترانزيستور قديم).
(بينما نقل الجنود المغاربة إلى أقرب الثكنات، لقد انتهت الحرب بدماء المغاربة دفاعا عن أوروبا من إرهاب النازية، وكأن أوروبا مملكة ممتدة للوطن المحتل أساسا…
حاجتي في گـريني
جابوك جابوني
ما يدوم حال أسيدي
كانت جميع العيوط ساكنة عند الحجام العسكري) .
والمقطع الشعري المدرج يعود إلى حادة الغياتية أو خربوشة أو زروالة الكريدة المناهضة لقوى الاستكبار والقمع والغطرسة، التي مثلها الاحتلال الفرنسي المُتَّحد مع قوى الاستكبار المخزني في شخص طاغيته عيسى بن عمر، يتماهى دلاليا مع ما يصبو الكاتب لبلوغه من تكثيف الإيحاء وشحذ ذهن المتلقي بالكثير من الرموز والإيحاءات.
(كل دروب المدينة العتيقة والأحياء المجاورة الأخرى لا زلت أذكر أناشيده الطفولية الرائعة، كانت أمي طامو تركض خلفه، كان حريصا على حمايتها من دون أن يميز قرابتها بالرضاعة، كانوا جميعا يرددون تراتيلهم الأصلية.. أ لالة ميمونة.. واعطيني بيضة.. باش نزوق لوحتي.. عرفة عرفة. مباركة يا ميمونة..).
– المستوى الثاني: الميتانص: ويكمن في العلاقة التي تجمع رواية «الخطايا» كنص لاحق بنصوص موازية أخرى استدعاها الكاتب من محفوظه لشيوخ الملحون من قبيل الشيخ الطالب بن سعيد: (كانت خطواته تتماهى بشكل ملحوظ مع صدى أمواج البحر المتلاطمة بالصخور الصلبة، ولهذا الارتطام دوي تماثله نهاية كل وتد من قصيدة الطريق..
سلبتني أدنيت لغرور أيبليس الفاجر
والنفس اتعدات ف خطاها
غاري تاج لعناية واعييت نكابر
هاذ الدنيا صدني بلاها
أسنين ملزم وبقى أعقيلي حاير
فاتت لعمر أمجج أتلها
الشيب أصبا أفلامت بجنود واعساكر
واهزم شباب أفناها).
ـ المستوى الثالث: التناص: وهو يأخذ بُعد التضمين، بحيث نلاحظ في بنية النص الروائي عناصر سردية أو ثيمية من بنيات نصية سابقة، تبدو وكأنها جزء منها، لكنها تدخل معها في علاقة ما، وقد استفاض الكاتب في توظيفها خاصة في بنية الحوار المكتوب بلغة عامية، صهر فيه الكاتب تمرسه بفن المسرح، ليسبك أجود الحوارات على لسان شخصياته، مستدعيا الشعر العامي خاصة رقصة بشيدي، الطائر الحر، التي صدَّر بها نصه الروائي، وعمل على تبئيرها في مواضع عدة من الرواية:
( بشيدي يلگط حبة حبة
عربيتي ما ريت الكرية
يلالي ما ريت الكرية
شرتات يدور يوكلني
يلالي يدور يوكلني).
(-أقسم أن أجعل بشيدي حفلا لا ينتهي، بعدها لن يحوم الخراب على أفئدة الصغار، وستعيد جدتي التفاصيل المنسية..) .
(طائر بشيدي يتخذ شكلا دائريا، يقترب من الأجواء السفلى، يا إلهي إنه يرقص كالذبيح).
هذه البنيات السوسيو نصية انتظمت في ما بينها بطريقة تفاعلية، ففي المستوى الأخير وعبر تسريدات جمالية، يحلق الكاتب في نقل حياة الفارسي/ الغريب إلى المتلقي في مراحل مختلفة من حياته الغامضة، لا تظهر تفاصيلها كاملة إلا في المقاطع الأخيرة من الرواية، ومن خلال تقنية التبئير يستدعي رمزية هذا الطائر ليجعله مرافقا للغريب/ الفارسي في رحلة الإخفاق التي تعرض لها، وانتهى صريعا تحت عجلات سيارة بمكيدة من كرط الطامع في الاستيلاء على البيت القديم، وهدمه وإقامة مشروع تصبير «النّبگ»، مستعملا كل الأساليب والحيل لإخراج الساكنة. يجتهد الكاتب في رسم صورة كاريكاتيرية لشخصية «كرط» كممثل لطبقة انتهازية يلف تاريخها الكثير من الغموض، بدأ حياته ماسحا للأحذية ثم انتقل لبيع الخردة والأقمشة والحديد والأجهزة القديمة، وعرف كيف ينسج صداقات مهمة في وقت وجيز لينتقل إلى نوع آخر من التجارة، وهو الاتجار في البشر وأحلامهم على أمل أن تكتمل مشاريعهم التي تتوجهم أسياد زمانهم في ظل وطن خابت فيه أحلام من ضحى في سبيل نيل حريته وانتهوا على مشارف الجنون.
*السارد وتشكل الرؤية والصوت في رواية الخطايا:
لا يختار الروائي كما يقول جيرار جنيث بين شكلين نحويين، بل بين موقفين سرديين، لأن الاختيار النحوي هو في المحصلة النهائية نتيجة ميكانيكية للاختيار السردي الذي انتهجه الكاتب، الذي عليه أن يقبل إما بعرض محتوى عمله عن طريق شخصية من شخصياته، أو أن يعمد إلى خلق سارد يتولى ذلك من خلال الرواية. وتستجيب رواية «الخطايا» لهذين النوعين من الحكي، فكل شخصية من شخصيات الرواية تتولى بنفسها في سياق ما تقوله، إبراز ما يؤكد حضورها النصي، ومن خلال شبكة العلاقات القائمة بينها تساهم في بناء الحدث الروائي، فشخصيات من قبيل: الراوي، الغريب/ الفارسي، امي طامو، صعيد، باعروب الحلايقي، لالة شافية، بريغيثة، تازويت، كرط، العسكري الحلاق، زعاطة، حيجوب، الحليفية، حسن فيحة، البشير، عفيريتة، لفقيه زميط ، ماهناوه بائع السردين.. الحاضرة في نسيج الرواية لا تؤدي دورها المباشر في الحكي في استقلال عن أي سارد، بل إن وجودها هو في النهاية من وجود سارد يحايثها، وينقل أخبارها جنبا إلى جنب مع صوت السارد الآخر المتجلي بحضوره الكامل في شخصية البطل، الذي تتكلم فيه الشخصية بضمير الأنا، والذي يمكن رصده من بداية الرواية في اللوحة الاستهلالية التي تصور تعرضه لكابوس رهيب يعكس الاهتزاز النفسي، وما يمور ويضطرب بداخله من لحظات الرعب والخوف ليتضح في ما بعد أنه مصاب بالصرع، وأن رحلة الصراع للحفاظ على البيت القديم ربما تكون قد حدثت فقط في ذهن السارد الذي يتماهى مع شخصية الغريب/ الفارسي (ألهذا الحد كنت أنا أنت وأنت أنا؟؟). إن هذا التجانس يفترض بالضرورة اعتبار صوت السارد هو الفاعل الذي ينجز البناء، وحامل أحكام القيمة وناقل المعرفة. إنها بصيغة أخرى الشخصية المركزية التي تتفرع عنها حكايات باقي الشخصيات، وإذا قرأنا المقطعين الأخيرين من الرواية أمكن الوقوف على الدور المباشر الذي يضطلع به السارد الاعتباري في الحكي. إنه يلاحق الشخصية ويشهد على حركتها، يتابعها من الخلف ويسجل تصرفاتها وفي فقرة واحدة يمكن أن نعثر على هذه الخصوصية التي تسم السرد عند الكاتب أحمد الفطناسي . يقول السارد في الصفحة 76 من الرواية: (وأنا ألملم تفاصيل ورقة البردي التي جعلت من البيت القديم فزاعة وفي الوقت نفسه قميص يوسف.. انشغلت بقوة النار داخلي… لم يبق في الغرفة إلا نحن الأربعة المعلم صعيد، باعروب، العسكري وخامسنا الفارسي بجسده المحمول على دكة الموت).
وانطلاقا من تقطيع المشاهد وتداخل الأزمنة، يسافر السارد في تشكيل رؤيته السردية عبر تقنية الاسترجاع والاستعادة والخيال المتقن الصنع (على قمة الصخرة رأى طيفهما عدي وبهي أمهر صيادين بالمنطقة إذ تعرفهما كل صخور ورمال الساحل حتى الشاي والخردولة يغريان كل عابر أو مناجي ليلي أو من شعر بالضيق مثله ورغب في الاختلاء بالبحر كي يجد خلاصه هو لا خلاص الآخرين. ما أن رمقاني حتى أطلقا صرخاتهما المرحبة… كانت القصبة وسيلتهما الوحيدة لكسب لقمة العيش…)، ويسترسل السارد بعد لحظات من المجالسة ليتبين أشياء غريبة تحدث على شاطئ البحر، حركة دؤوبة لسفينة تنقل أشياء لم يتبين معالمها وأضواء مصابيح، وإشارات ضوئية وأشباح ويحاول تبين الواقع فيما يحدث، فيأتي الجواب على لسان رجل مبتسم ممن تبين ملامحه على ظهر السفينة.
(- قد أكون حاملا لملامح الصوت الذي يضيء المسافات بين السحاب وقمم الأطلس، أو قد أكون القرصان ابن عائشة، كلما تذكرته وجدته قربك، في النهاية أنا وأنت وهم..).
كما تجلى ذلك من خلال الصفحة 26 من الرواية: (دفعتني الوحشة للوالدة إلى زيارتها، كانت مناسبة لي كي أعيد نسج خيوط حكايات دربنا القديم، حيث أوصلتني الحافلة كان الوقت بعد الزوال، دروب الحي فارغة… هنا تعيد صرختي الأولى صداها وكأنني أختصر هذا الزمن في لحظة استعادة لا يفصل بينها إلا صدى الذاكرة، إذ كنت محملا برغبة قوية للتصالح مع نفسي، عندما اقتربت من مستودع الحي تذكرت بائع السمك بدراجته الهوائية وندائه المعروف: ساااردين. ماهناوه الرجل النحيف، لا زال يعاند ويقاوم الزمن بظلمه وعجرفته ببسمة لا تفارق محياه).
أسعفت هذه البنيات النصية، وصيغة عرض المسرود، في خلق تفاعل ذي أبعاد إنسانية، وتاريخية، يتداخل فيها القديم والحديث، والشفوي والكتابي، والنثر والشعر، تفرد من خلاله أحمد الفطناسي في بناء عالمه السردي وفق أسلوبه الخاص، الذي استضمر فيه جانبا مهما من ثقافته الشعبية والإيديولوجية والسياسية، مما جعله يبحر في ثنايا ذاكرة مثخنة بجراحها وآلامها لمدينة تُنعت بكونها مدينة الأسف الكبير من جراء ما تعانيه من تهميش وثلوث بيئي وأخلاقي، ولا ينظر إليها إلا من زاوية ما تحققه من أرباح في جيوب السَّاسة وأصحاب القرار، مستحضرا فضاءات من قبيل الحلقة/ المرسى/ الأحياء الشعبية/ الأضرحة والمقابر مما أسهم في تأثيث فضاء الرواية وجعله ممتلئا بالدلالات والرموز.
٭ كاتب مغربي