رواية «السيد الرئيس» ومحاكمة النظام القمعي

حجم الخط
1

رواية «السيد الرئيس» من أفضل روايات ميغيل أنخل أستورياس، كتبها سنة 1946، وحاز بفضلها جائزة نوبل للآداب في 1967، الرواية عبارة عن
فضح للنظام القمعي المؤسس على الخوف والقهر، ومحاكمة للنظام الشمولي الذي يدور حول شخص واحد فقط هو السيد الرئيس، في ظل هذا النظام لا يوجد صوت الشعب، ولا مكان للقانون، فالصوت الوحيد هو صوت الرئيس، والقانون ما يقرره هو ويستسيغه، الرئيس هو كل شيء، هو المبتدأ والخبر، وهو الأول والأخير، آراؤه سديدة، وأفكاره بليغة، وحكمته نافذة، في ظل حكمه الشعب عاطل عن التفكير، فالشعب يفكر بعقل الرئيس إذا أراد أن يثبت وجوده، ويحيا حياته، لأن الشعار المرفوع في مملكته هو «أنا أفكر بعقل الرئيس، إذن أنا موجود».
الرواية مستوحاة من واقع حقيقي من سنوات حكم كابريرا، الذي حكم غواتيمالا عشرين سنة حكماً ديكتاتورياً غاشماً، إن استلهامها من الواقع وإيغالها فيه، واستدعاءها للصور البلاغية الجديدة في تصوير شخصياتها، جعلها تنبض صدقاً وعنفاً وقسوةً.

الديكتاتور يكره شعبه

الديكتاتور ينظر إلى شعبه نظرةَ دونيةٍ واحتقار، والشعب في ظل حكمه مجرد شيء أو رقم أو آلة، لذلك يستحضر الروائي نعوتاً يطلقها أي ديكتاتور على شعبه، ليثبت بأن الديكتاتور في حقيقة الأمر محتقر لشعبه، ماقت له، من قبيل « الدمى، البعوضة والصماء البكماء…» هذه الأوصاف تذكرنا بما قاله القذافي عن شعبه عندما انتفض ضده، حيث أطلق عليه وصف «الجرذان»، أمّا بشار الأسد فقد وصف شعبه بـ«الجراثيم».
تتقاطع في هذه الرواية الظلمة مع الموت، والولاء مع النفاق، والسياسة مع الدعارة، لا تكاد تلمس في الرواية مظاهر الحياة، ولا تجد فيها أحاديث الحب، ولا أثرا لأحلام الناس وأشواقهم، لأن الحياة في واقع الأمر آلام وأحزان، أو بعبارة زيجمونت باومان: «الحياة عديمة القيمة»، أي أن هذا النظام يقلل من قيمة الحياة والحب واحترام الذات والكرامة الإنسانية، مفرزاً في الوقت نفسه، الخوف، القهر، العنف والموت. في العديد من تفاصيلها تتقاطع مع أحوال معظم الدول الديكتاتورية، وهي في معظمها عبارة عن سرد لوقائع، وحديث مع النفس، وإخراج لمكنوناتها إلى العلن من طرف الروائي، يغيب الحوار بين الناس بشكل ملحوظ، لأنهم ببساطة لا يستطيعون الكلام إلا مدحاً للرئيس أو حديثاً عن مغامراته البطولية وانتصاراته المزيفة، وفي أغلب الأوقات، يعيشون رفقة الصمت، لأنه ملاذ الخائفين والمقهورين.

حياة السجن حرية

لمّا يضيق الوطن بأهله الأخيار والمخلصين، فإنه حتماً سيتسع للمفسدين واللصوص، فيفتخر المفسدون بفسادهم، وتتعالى صيحاتهم، بينما لا يجد المخلصون مكاناً آمناً سوى السجن، فالسجن في مثل هذا النظام هو المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الناس أن يعبّروا عن أفكارهم بكل حرية، يورد الروائي حواراً في غاية الروعة بين السجناء الأربعة، تحدثوا فيه عن الإله والإيمان والحرية، ومع أن السجن كان مظلماً، مخيفاً ومرعباً، إلا أنهم استطاعوا أن يتغلبوا على الظلمة وعلى الفراق بالكلام «الظلمة شكل من أشكال الفراق» لأن الكلام قوّض الصمت، وبالتالي قهر الخوف، وتغلب على الموت، وتشبث ببقية حياة، قال أحد السجناء مخاطباً زميليه في السجن بأن يبقيا مستمرين في الكلام، لأن الصمت يخيفه، ويبث في نفسه الرّعب قال: «لا تتوقفا عن الكلام، إنني أخاف من الصمت، إنني خائف». لقد كان من بين المسجونين طالب، وهو السجين الوحيد الذي لم يبح بسر القبض عليه، لأنه لم يرد أن يذكر وطنه بسوء «وكان الطالب هو الوحيد الذي لم يبح بسبب القبض عليه، وكان الحديث عن رئتيه المريضتين أهون عليه من ذكر وطنه بسوء». وبعد أخذ ورد في الحديث، اقترح عليهم أن يكون كلامهم عن الحرية، فرد عليه مساعد القس باستهزاء: «يا لها من فكرة! تصوروا أن نتكلم عن الحرية، ونحن في السجن». بيد أن مساعد القس بحكم قصوره ومحدودية مستواه، لم يدرك حقيقة في غاية الأهمية، مفادها أن الإنسان إذا فقد شيئاً عرف قيمته، ولن تعرف قيمة الحرية إلا إذا ذُقت حياة العبودية، في حين عرف الطالب ذلك، وأدرك أن المأساة التي يعيش فيها شعبه المقهور، ويعيش فيها هو ورفاقه في السجن، كانت بسبب غياب الحرية.

الديكتاتور ضد الإنسان والعلم

يشكّل الديكتاتور عالماً ثنائياً، من جهة عالمه هو وأتباعه، ومن عاونه، وفي المقابل، عالم الضعفاء والفقراء، ومن عارضه.. معاونوه آدميون ممسوخون، مشوهون، لصوص، مرتشون.. معارضوه مقهورون، مهانون، مذلون. لا مكان للأخيار في عالمه، لأنهم غير جديرين بالحياة فيه «يحملُ الأخيارُ إلى الكنيسة ويدفنون، لأنهم رفضوا الصلاة للسيد الرئيس بدلا من الله». أمّا الأوغاد فإنهم يحيون لكي يعبثوا بمصائر البلاد. وحتى يسهل التحكم في أفراد شعبه، ومن ثمّ، يمدّ في عمر نظامه بأوكسجين الحياة، يسعى إلى تجهيل الناس، فلا يعطي العلم والمعرفة أدنى قيمة، مقللا، في الوقت نفسه، من شأن العلماء والمفكرين «فالعلم والمعرفة لا يمكن أن يوفرا لك زوجاً حقيراً من الجوارب، هذه هي الحقيقة، وأي شخص هو مجرد أبله آخر في مواجهة الرئيس الذي يدور كل العلم في فلكه «في عالم السيد الرئيس لا مكان للقانون، ولا للعدالة ولا لحقوق الناس، فالقانون يفسّر بحسب أهوائه والعدالة هي التي تتماشى ونزواته، والحق الوحيد للناس في عالمه هو أن يبقوا أحياء، ما داموا يقدمون له فروض الولاء والطاعة، وأي شك في مقدرة الرئيس، وفي جدارته، سيعرّض صاحبه للموت أو الجنون. كل شيء مزيف في نظامه، قضاة مزيفون، محاكمات مزيفة وصورية، تهم ملفقة، وشهادات زور وبهتان، على سبيل المثال، عند محاكمة العمياء التي سلبت حياة العقيد، الذراع الأيمن للسيد الرئيس، في أثناء التحقيق يطلب منها اتهام الجنرال كاناليس، الذي غضب منه الرئيس لسبب غير معروف. يتوقف الروائي عند تفاصيل قصة المرأة التي عُذّبت لتقول شيئاً لا تعرفه، وبعد تعذيبها وضربها وجلدها، أحضروا لها رضيعها ووضعوه قربها، وهي موثقة اليدين والرجلين، إذ تركوه يبكي حتى الموت، ولم يسمحوا لها بإرضاعه إلا بعد أن صار جثة هامدة، بعد ذلك بيعت إلى ماخور، لينتهي بها المطاف في مستشفى المجانين، مثل هذه القصص الإنسانية لا تذكرها إلا الروايات، لأن الأدب حقاً في خدمة الإنسان، أما المؤرخون فهم مشغولون بكتابة بطولات الرئيس، وفتوحات زوجته وعائلته.

الديكتاتورية والنفاق !

النظام الديكتاتوري يخلق أفراداً منافقين، على الرّغم من إظهارهم الطاعة والولاء والرّضا، حقيقة نلمسها عندما طلب الرئيس من أحد مساعديه، وهو ذو الوجه الملائكي، أن يسافر إلى واشنطن من أجل تحسين صورة النظام هناك، خاصة أن الرئيس يحضّر نفسه لانتخابات جديدة، فهناك من يريد أن يؤثر في صورة نظامه، ويطعن في مصداقيته، كما عبّر عن ذلك الرئيس نفسه. في الحوار الذي جرى بين الرئيس وذي الوجه الملائكي تحسُّ بأن هذا الأخير يعيش في هواجس ومخاوف، خاصة بعد اغتيال أحد المعارضين، الذي تقول الشائعات بأنه كان يتقاسم معه بعض الأفكار الشريرة، وعلى الرّغم من حديثه عن ولائه المطلق للرئيس، وعلى الرّغم من خدماته الجليلة إلا أن الرئيس بقي مصمماً على إبعاده. ذو الوجه الملائكي هو الآخر على الرّغم من حديثه عن الولاء المطلق والطاعة العمياء، إلا أنه يريد أن يعيش خارج هذا القفص الحديدي، ويحب أن يحيا كبقية خلق الله في العالم، ومع ذلك فإنه لا يريد أن يسافر ويترك زوجته وحيدة. امتثل ذو الوجه الملائكي لأمر الرئيس، لأن أمره لا يردّ، فقام برحلة عبر القطار، كانت حقاً رحلة قصيرة وطويلة.. قصيرة لأن قلبه بقي معلقاً بزوجته، وطويلة لأنه يريد أن يتخلص من هذا المكان الملوث بالنفاق والكره والقهر والموت.. «فجأة، فتح عينيه، كان قد استغرق في النوم، النوم القلق لشخص هارب، قلق شخص يعرف أن الخطر قد يكون سابحاً في الهواء الذي يتنفسه» كان قلقاً على نفسه، وعلى مصيره، ولكن ما الفائدة من حياة يكون الأحياء فيها أشبه بعالم الموتى؟ وما جدوى العيش في هذه القرية التي «لم يكن باقيا حياً فيها الآن سوى الإيمان والموتى؟» لذلك كله فهو يتعجل الخروج من هذا المكان حتى يستطيع أن يشارك الناس في ما يدعونه بالحياة، ولكن كان يزوره من حين إلى آخر قلق لم يعرف سببه ولا مصدره.
لقد كان قلقه في محله، فعندما وصل إلى الميناء من أجل أن يكمل رحلته بحراً إلى واشنطن، وجد في انتظاره الكولونيل «فارقان»، وبعد كلمات الترحاب والعناق، لأن له معرفة سابقة به، أخبره بأن هناك أمراً من الرئيس بالقبض عليه، فتأكدت شكوكه، وأدرك مصدر قلقه، إذ أنه كان سائرا إلى نهايته الوشيكة، وماشياً برجليه إلى مصيره المشؤوم، لماذا يحدث له كل هذا؟ لأنه «كان متورطاً مع الجنرال كاناليس، كان غارقاً حتى ناصيته في حب ابنة الجنرال التي تزوج منها في ما بعد، ولم ينفذ أوامر الرئيس» .

لا أمل في الحرية

في عالم هكذا وضعه لا مجال للأحلام والأشواق، ولا أمل في الحرية، ولا فائدة ترجى من الثورة، لأن الكل يعرف نهايته إما قتلا أو جنوناً أو هروباً إلى أرض غريبة «ليس هناك أمل في الحرية، يا أصدقاء، نحن محكومون بتحمل هذا إلى ما شاء الله، المواطنون الذين يتطلعون إلى سعادة الوطن بعيدون جداً، بعضهم يتسول الصدقة في أرض غريبة، بينما يتعفن الآخرون في مقابر جماعية، يوماً ما ستنغلق الشوارع من الرّعب، ولن تثمر الأشجار ثماراً كالسابق، الذرة لن تغذينا، والماء لن يروينا، وقريباً يأتي زلزال ليسحق كل شيء، فليأت، لأننا شعب ملعون، تصرخ فينا أصوات السماء مع الرعود: أخساء نجسون شركاء الجور على جدران السجون، ترك مئات الرجال آثار أدمغتهم التي فجرتها رصاصات المجرمين، وما زال رخام القصور مبللا بدماء الأبرياء، إلى أين نولي وجوهنا لنرى الحرية؟».
ومع أنّ هذه النظرة التشاؤمية، تخالف حركة التاريخ وتناقض قوانينه، لأنها تجعل الظلم حتمية وجودية لا أمل في مقاومته أو الثورة ضده، غير أن التاريخ يخبرنا بأن الظلم والقهر لن يستمرا إلى الأبد، وعلى المقهورين إذا أرادوا العيش في كنف الحرية والعدل والمساواة، يجب عليهم مقاومة القهر، ومجابهة الظلم، ولكن قد تلتمس عذراً لأستورياس فيما قرره من نتيجة تشاؤمية، لأن الحياة القاسية التي قاساها، والمعاناة الطويلة التي عاناها، هي سبب ما توصل إليه.

٭ كاتب من الجزائر

رواية «السيد الرئيس» ومحاكمة النظام القمعي

سعدون يخلف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية