رواية اللبناني عبده وازن «البيت الأزرق»: بين السيرة الذاتية وكتابة المذكرات

حجم الخط
0

 

الرواية الحديثة خطاب مركب، ويجد الكاتب في هذا التركيب والتعدد والتداخل متعة الخلق والإبداع، كما أنه يتيح له فرصة توسيع فضاء متخيله السردي، ويسمح له بتجريب التداخل بين تقنيات السرد المتنوعة. مثلا نجد في الرواية الثقافية أو الاجتماعية تقنية الرواية البوليسية التي تعتمد على الغموض والتأجيل وتعدد التوقعات والبحث والتحقيق والأسرار، وهذا الذي نجده في رواية «البيت الأزرق» للشاعر اللبناني عبده وازن.
تتكون الرواية عموما من ثلاث روايات: رواية بول أندراوس السجين، بلسان حاله؛ رواية بحث وتعقب أخبار بول أندراوس، بلسان عدد من الشخصيات الروائية؛ رواية جولييت بلسان السارد- الكاتب.
المحرك الأساسيُّ في عملية السرد والتخيُّلِ:
ـ الغموض والأسرار: وهي تقنية كتابية يلجأ إليها السرد لتحفيز القارئ على الاستمرار في القراءة ونسج شبكة من التساؤلات والتأويلات الباحثة عن حل أو حلول ونتائج ممكنة وتوقعات لمآزق المحكيات. والغموض الناجمُ عن الأسرار المحيطة بالشخصيات المحورية يولِّدُ محركا آخر يتمثل في؛
ـ البحث والتنقيب: يصب البحث والتنقيب في صلب التحقيق الصحافي والبوليسي والاجتماعي الذي يسعى إلى البحث عن المزيد من توترات الجديدة للسرد، بدل الحسم فيها ووضع الحلول لها، لأن ذلك يتنافى ومفهوم السرد الذي ينهض على عملية التوسيع فضاء المتخيل السردي والتداخل والتنوع بزيادة عدد الشخصيات الروائية وتوليد مزيد من الأحداث والوقائع، فالسرد متضمنٌ لمعنى الزمن والحركة والامتداد والتوسُّعِ، فهو تسلسل الأحداث وتتابعها، في معناه البسيط، وهو خطابٌ حامل لقيم ومقومات عدة.
ومن أهم التقنيات السردية التي يحفل بها المتخيل السردي في رواية وازن الجديدة نجد:
ـ التدفق السردي: وهي تقنية كتابية استثمرتها الرواية الحديثة للانتقال من سرد الخارج الطبيعي والواقعي والعيني إلى سرد الداخل الباطني والنفسي، وسرد الأحلام والخواطر والأمنيات، وأهم مؤثرات هذه التقنية الكتابية السردية تتجلى في تقريب المسافة وتضييق المساحة الفاصلة بين السارد والشخصيات من جهة وبين القارئ والشخصيات من جهة أخرى، ليجد القارئ نفسه متورطا في صناعة الحدث أو الاستسلام لجريانه وتدفقه في مجاري ذهنه ونفسه ولا وعيه، يلهث خلف الحدث متوقعا منفعلا متفاعلا، وقد تحفزت جل قرون استشعاره الخارجية والباطنية. وكالعادة لجأ وازن كما عند عدد من كتاب الغرب، إلى ما يعرف في النقد بـِ»تيار الوعي»، حيث تبث فوضى المشاعر ويتحول الاطمئنان واليقين السردي إلى القلق والسؤال والتحير الانفعالي والشك والارتياب، كمن يبحث عن اليقين بزرع الفوضى في المسلمات، وتلك خصوصية مميزة للشخصية المحورية في الرواية: بول أندراوس، المؤمن العدمي المتشكك، الذي يسعى نحو الخلاص لكن دون تصديق بالمسلم والمعطى، بل يقينه سيتحقق في بحثه في ذاته عن خلاصه، وفي فكرته الخالصة بديلا عن الفكرة الخارجية، أي أنه لا يطمئن إلا لاختياراته وتأويلاته مهما جنحت عن النص وعن المعطى السائد. وهذه الفوضى في المشاعر ستكون المؤطر العام لأفعال وأقوال بول أندراوس، أي سيرة بول أندراوس السجين الغامض المنتحر إراديا بالانقطاع عن الطعام والسجين الذي سعى إلى السجن قصد العزلة وإسكات صوت الشك في نفسه وفي تجاويف قلبه وذهنه.
ـ الرغبة: التدفق السردي الذهني والفكري أو العاطفي يقترن بالحب، أو بالرغبة الجسدية لذلك تجد الكتّاب يفردون جانبا مهما للمشاعر المقترنة بالانتظار واللهفة والتعلق الروحي وبالمتعة الجسدية. وفي رواية «البيت الأزرق» يقدم الكاتب من خلال شخصيته المحورية أو كما أطلق عليه «البطل المضاد» كما تصف ذلك الدراسات النقدية لأنه عكس النموذج التقليدي للبطل في الرواية التقليدية التي تنهج منهج الوعظ والإرشاد والتقويم السلوكي والخلقي المفرد ليندمج في سياق الجموع. إن شخصية بول أندراوس تقاوم الحب والتجربة الجنسية والجسدية بعد فشل علاقته بغادة التي أحبها حبا كبيرا لم يكتمل، ومقاومته لنزوع وميول أستاذه وصديقه «الأب ألبير داغر» الذي كان يحبه حبا كبيرا تحول مع الزمن والصد إلى حب عفيف «أفلاطوني»، ومقاومته لرغبة وميل رفيقه وصديقه في السجن الفتى المتحول جنسيا «جورج- جورجينا».
بينما يمثل السارد نموذج الكائن المرهف الميال نحو الجنس الآخر، المندفع نحو رغباته عبر علاقات مروية عابرة أي محكيات صغرى غير تامة، ومن خلال محكيات تامة، كمحكي «نسرين» غير التام، ثم المحكي الصغير التام لشخصية «غادة» حبيبة بول سابقا.
إذن، يتشكل السرد في الرواية من: الحوارات الداخلية (المونولوج)، والرغبة (الحب والجنس)، وفوضى المشاعر أو تداخلها (التباس المشاعر والأحاسيس)، كالتباس المشاعر بين بول الغائب في وقع الحكاية (الميت) والحاضر في المتخيل (شخصية روائية)، وغادة داغر والكاتب السارد. هذه التركيبة من التدفق السرد والتباس المشاعر وتداخلها، ومن تداخل الخطابات، وبث الغموض ونسج دوافع نحو الشك والريبة، وبناء متخيل قائم على البحث والتحقيق والاستجواب، خلقت عالما متخيلا متنوعا ومتعدد الامتدادات والتأويلات، ليبرهن على أن الرواية الحديثة خطابٌ سرديٌّ مركبٌ من عدد من المحكيات السردية التامة والناقصة.
البيت الأزرق هو لقب السجن الذي أقام فيه بول أندراوس، يقول الأب جورج نادر موضحا مكان إقامة بول: «أنت الآن في البيت الأزرق أو السجن الاحترازي الذي يوضع فيه السجناء المصنفون مرضى نفسيين، وهم قد يقضون أعواما طويلة هنا ويستمر حجزهم حتى يثبت شفاؤهم». طبيعة الخطاب تتميز بالتركيب بين محكي إطار يتمحور حول السارد وهو كاتب صحافي وروائي، ومحكي محوري، يتمثل في مخطوطة بول أندراوس التي تركها بعد رحيله الإرادي عن هذا العالم الموبوء والعنيف الذي لم يتآلف معه ومع نظامه وأهله. يحدد بول في مقدمة المخطوطة جنسها الأدبي قائلا: «هذه المخطوطة ليست سيرة كما قد يتبادر إليك أيها القارئ، ولا رواية ولا قصة. لا يخدعنّكَ الأمر بتاتا. إنها مذكرات كتبتها كيفها كان لي أن أكتبها…».
هذا التحديد الأجناسي للمحكي المحوري في جنس «المذكرات» ودفع «تهمة» جنس «السيرة الذاتية»، يُعِيدُ إلى ذهن القارئ «صعوبة كتابة السيرة الذاتية، وتَهَيُّبَ الكُتَّاب ضمير المتكلم «أنا»، الضمير الذي يقوم بتذويت العالم الخارجي والأحداث وتضييق المسافة بين السارد والشخصية الروائية والكاتب الموضوعي» رغم أن النص في المحكي المحوري كتب بضمير المتكلم، وكان أقرب إلى الاعتراف والبوح أحيانا، وفي صلب خصوصية «الشهادة» الذاتية، إلا أن كلاً من اليوميات والمذكرات ودفاتر السفر والسيرة الذاتية… تدخل في باب «خطاب الذات» و«كتابة الذات»، يوحد بينها النوعُ النصيّ (= السرد) وضمير المتكلم (= أنا) وتفرق بينها الصيغة الخطابية.
ولأن الساردَ الكاتبَ الصحافيَّ والروائيَّ متورط في كتابة وسيرة بول أندراوس، السجين الطيب وغريب الأطوار الحائر بين حقيقته الذاتية ومسلمات العالم الخارجي، سيصوغ المحكي الإطار المتعلق به وبخاتمة روايته ومصير شخصيته الروائية المتخيلة (جولييت)، صياغة ذاتية، وبضمير المتكلم الحميم الذي يورط السارد والكاتب معا في المتخيل الروائي. وسيتبنى قضية بحث جوانب سيرة بول الناقصة في مخطوطة «مذكراته» لترميم الحكاية وإعطاء المحكي المحوري صيغته التامة بضمِّ (أوراق بول) إلى مسرد بحثه واستجوابه وتحقيقه ليتشكل الخطاب السير ذاتي لبول أندراوس الغريب الطيب الفيلسوف المشاء الشكاك اللامنتمي، الذي يقول عنه أستاذه وصديقه المتعلق به تعلق المحب المتيم الأب ألبير داغر: «لم يكن بول ينتمي إلى طائفة أو مذهب أو ملة أو حزب. كان يائسا من كل المبادئ والعقائد. كان مقتَلَعًا، غريبا، مؤمنا على طريقته، ويا لها من طريقة. كان يشك ويرى أن الشك هو أفضل سبل الإيمان. يشك ويؤمن. كان يقول: الإيمان الصرف أهم من الأديان. الأديان تفرق وتزرع الفتن وتريق الدماء، أما الإيمان فمسألة فردية. أنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن…».
إذن، هناك وظيفة سردية ومهمة أجناسية قدمها المحكي الإطار للمحكي المحوري، وهي الانتقال بمخطوطة مذكرات (بول أندراوس) إلى السيرة الذاتية-الغيرية في آن، عبر تقديم محكيات صغرى أخرى لإضاءة الجوانب الغامضة من شخصية بول، ولكشف أسرار بول المحيرة التي تكفل بول بالإجابة عنها؛ من قبيل خرسه المفاجئ، الذي كان خرسا إراديا، فالكلام يجرح الحقيقة، ولا يزيد العالم إلا استغراقا في لجج الغموض بدل الصمت الذي يفسح المجال لكلام الأشياء، لكلام الحقيقة العارية من الخطابات (التخطيبات) المزيِّفَة والمضلِّلَةِ، ولغز جريمة قتل (سامية مسعود)، واختياره وضع حد لحياته طوعا بالتوقف عن تناول الطعام؛ الموت جوعا في عامه الخامس والثلاثين، وإشكالية استسلامه للعقوبة السجنية دون حاجة إلى تعيين محام للدفاع عنه وتبرئته أو تخفيف عقوبته.
شخصية غريبة مليئة بالأسرار، شخصية روائية، يمكن اعتبارها نموذج للإنسان الذي عانى من أهوال الحياة، الحياة التي ينبغي أن تكون فسحة من المحبة والجمال والألفة والتآخي بين مختلف أنواع الإنسان، لكنها للأسف الشديد كانت رمزا للعنف والقسوة وعداء الإنسان لأخيه الإنسان. الحياة النعيم التي صارت بل كانت دائما جحيما.

عبده وازن: «البيت الأزرق»
منشورات ضفاف ـ الاختلاف، بيروت 2017
340 صفحة.

رواية اللبناني عبده وازن «البيت الأزرق»: بين السيرة الذاتية وكتابة المذكرات

محمد معتصم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية