رواية «بوصلة» للفرنسي ماتياس إينار: فيض المعرفة وفتنة الشرق

■ تجري أحداث رواية «بوصلة» )جائزة الغونكور 2015( خلال ليلة واحدة يقضيها بطلها وساردها الرئيس في سهاد مُمضّ، بسبب المرض الذي يغزو جسده وجراحات الحياة التي تنحت من قلبه.. في ألم عزلته، ونَصَبِ وحدته، ومجافاة النوم لجفونه.. في هذا الليل الطويل الذي لا ينجلي، يستعيد فرانتز ريتر ذكرياته..ويا لها من ذكريات! حافلة بالتجارب الكبيرة ومفعمة بالوجود الإشكالي.
تسير أحداث الرواية وَفق خطين متشابكين ومتقاطعين: خطّ فيض المعرفة، وخطّ علاقة الحبّ المستحيلة التي ربطت الشخصية الرئيسة مع «سارة» الباحثة الفرنسية الألمعيّة في مجال الاستشراق، التي ذاع صيتها في أرجاء المعمورة. فرانتز ريتر مستشرق نمساوي، وعالِم متبحر في ميدان الموسيقى الكلاسيكية، يستعيد أسماء كبيرة في الاستشراق الألماني انبرت لدراسة ثقافة الشرق، ونفضت الغبار عن عيونه وكنوزه.. منذ البداية ينشأ فيض المعرفة بما هو خصيصة هذه الرواية في التدفق كسيل منهمر، يحيط بالقارئ من كل صوب، فيجعله يصارع هذا الغمر الهائل الذي يكتسحه، يجرفه، ويطوّح به عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة، شرقا وغربا. هذا الفيض المعرفي يسمح بتشبيه هذه الرواية بوجبة دسمة تشمل صنوفا ممّا لذّ وطاب من الطعام الذي يعسُر هضمه.. يعرض السارد في «بوصلة» ألوانا من المعرفة الموسيقية الكلاسيكية، ويخوض في دقائقها وتفاصيلها، التي لا يعلمها إلاّ الراسخون في هذا المضمار، كما يفصّل القول في نصوص مشهورة وأخرى مغمورة، غمرها النسيان وجنى عليها الإجحاف.. نصوص من الأدب القديم والحديث تنتمي إلى مدونات شديدة التنوع: تركية وفارسية وعربية وألمانية وفرنسية وإنكليزية وإسبانية وبرتغالية وإيطالية إلخ.
لاغرو إذن في أن القارئ سيُصاب بالدوار وهو يعبر مع السارد مسالك هذه المعرفة التي تطال ميادين متنوعة من الشعر وأدب الرحلة والرواية والفكر والفلسفة والفنون الجميلة.. يتنزه القارئ في حدائق هذه الرواية، وهو يلاقي فيها شعراء الغزل المجانين منهم والمتصوفة، وديك الجنّ وكتاب «الليالي» وبدر شاكر السياب الذي يحيط السارد بشعره وحياته ويتعاطف مع وجوده المأساوي وعمر الخيام والسهروردي القتيل والرومي وحافظ الشيرازي وصادق هدايت والشاعرة فروخ فرخزاد وبيسوّا ورامبو وغوته وجورج تراكل وهولدرلين وأسماء أخرى كبيرة ومؤسسة يصعب حصرها، تتدفّق كمياه الشلاّل، فضلا عمّا تحويه الرواية من تأملات ذكية ونافذة في مسألة الترجمة ودورها في تشييد جسور التواصل بين الشعوب، وتجسير الهوّة بين الشرق والغرب )على سبيل المثال ترجمة كتاب الليالي والمثنوي).
الشخصية الثانية المحورية في الرواية هي «سارة» الفرنسية من أصول يهودية، والباحثة الجامعية المرموقة والمفتونة بالشرق، مكانا ولغات وثقافات.. ذات معرفة واسعة بأسرار العربية والفارسية، أنجزت أطروحة كبيرة عن الكاتب الإيراني الفذ صادق هدايت «الكاتب الذي لا يوجد شخص مثله أحبّ إيران وكرهها بهذا القدر، الذي كال لها نقدا بالغ العنف، شديد القسوة، مثلما قال فيها مديحا هائلا»، صاحب الرواية المذهلة «البومة العمياء» التي يصفها السارد قائلا: «تُعدّ «البومة العمياء» حلمَ موتٍ، إنها كتابٌ عنيفٌ، ذو إيروسية متوحشة، حيث الزمن هاوية ينعكس مضمونها غثيانا مٌميتا، إنها كتاب أُفيونٍ».
في البدء كان الشرق، وكان المكان هو سوريا (دمشق وحلب وتدمر والبادية السورية الشاسعة) التي سيزورها السارد رفقة «سارة» العالمة الفاتنة! سارة ذات الحسنيين: الإحاطة الواسعة بمعرفة الشرق، وإتقان لغاته الأساس، وبحوثها الكبيرة التي أنجزتها في مواضيع استشراقية..ثم الجمال الآسر الذي تنعم به. هاتان الحُسْنيان جعلتا «فرانتز» يقع في حبائلها، يكْلَفُ بها، يستغرق في وصف جسدها الفاتن وقسماته التي تأسر الناظر إليه، مثلما يغوص في وصف جهودها المعرفية في تأسيس رؤية متميّزة ومتفرّدة لعلاقة الشرق بالغرب، تتجاوز التمثيلات العنصرية والااستعلائية والفانتازية التي وقرت في الأذهان.. تتحدث «سارة»، خلال غداء جمعها و«فرانتز»، عن مشروعها الذي تتضمنّه أطروحتها عن الكاتب «صادق هدايت» وشخصياتها الأدبية الأخرى التي تؤثرها، «مشروعٍ يتجسّد في كسر هذه المرايا التي تقف حاجزا بين الشرق والغرب، والجَأْر بالقول إن الشرقيين كانوا بُناة حداثة، وينبغي ألاّ يُقصوا منها، والكشف عن أنهم كانوا مُلهميها في الغالب، والبادئين بها، والفاعلين الكبار فيها». ترفض «سارة» هذا الشرخ الذي أقامته علاقات القوة والمعرفة، وتدعو إلى نظرة بديلة يُكتَب فيها التاريخ بطريقة أخرى مغايرة، تنبني على التشارك والاستمرارية. وفي معرض دفاعها المستميت عن الشرق وسعيها إلى إنصاف صورته، وتحريرها من الأباطيل والأوهام التي شابتها، تسوق حديثا عن «الثالوث المقدّس» لنظرية خطاب ما بعد الاستعمار (إدوارد سعيد وهومي بابا وغاياتري سبيفاك)، وعن مسألة الامبريالية والاختلاف وضرورة التخلص من الفكرة العبثية القائلة بغيرية الإسلام المطلقة، والإقرار بعنف الاستعمار الرهيب في الشرق والاعتراف بما تدين به أوربا للشرق، واستحالة فصل أحدهما عن الآخر، وضرورة تغيير زاوية النظر في معالجة العلاقة بينهما، ونسف قولة كبلنغ الشهيرة: «الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا».
وفي حديثه عن الكتاب الغربيين الذين تأثروا بالحلم الاستشراقي بدون أن يروا الشرق أو يقيموا به (تصوّر الشرق والفكرة عنه)، يذكر «فرانتز» الروائي مارسيل بروست وتأثره الهائل بكتاب «الليالي» الذي قرأه في ترجمة ماردوس وغالان.. يجعل بروست من كتاب «الليالي» واحدا من نماذجه، فمثلما تصارع شهرزاد، كلّ مساء، حكمَ الإعدام الذي يجثم عليها، وهي تحكي للملك شهريار حكاية، فإن «بروست» يحمل قلمه في كلّ الليالي، كما يقول: «ربما مئة ليلة، ربما ألف ليلة، لمصارعة الزمن». يشير بروست في «بحثه عن الزمن الضائع» إلى كتاب «ألف ليلة وليلة» أزيد من مئتي مرة». ويمضي السارد بعيدا في عرض هذا الأثر الذي تركه الشرق في كتاب الغرب قائلا: «لولا الشرق العربي والفارسي والتركي لما كان هناك بروست، ولما كان هناك البحث عن الزمن الضائع».
تقدّم رواية «بوصلة»، من خلال شخصيتيها المحوريتين، فرانتز وسارة، صورة إيجابية عن الاستشراق، وما يجب أن يكون عليه، بدون التغاضي عن بعض الأدوار السيئة التي قام بها بعض المستشرقين الذين سخّروا معرفتهم الاستشراقية خدمة لاستعمار بلدانهم للشرق، فكانوا جواسيس ومخبرين ومزيفين للحقائق والوقائع ومسؤولين مباشرين عن فظاعات التاريخ الكولونيالي.. يتحدث «فرانتز» عن أفضال لفيفٍ من المستشرقين على التراث العربي في جانبه المادي واللامادي، ويثني على جهودهم العظيمة التي بذلوها في سبيل إحياء ذخائر عمرانية طواها النسيان، وأصابها الإهمال، وما لاقوه في طريقهم، وهم يعبرون البيد الشاسعة والموحشة، من نصَبٍ وسَغَبٍ وعَنَت وحرّ وظمأ وخوف ووحدة وعنف.. وانسجاما مع هذا التصور الجديد لمهامّ الاستشراق، تدعو «سارة» إلى اعتبار الاستشراق نزعةً إنسيّة.
في ليله الطويل، وما يعروه فيه من أسى وحزن وسوادوية سببها تقارير طبيبه المنذرة بالشؤم المحتوم، وطيف الموت الذي يرين على الغرفة الكابية.. في مرضه وعزلته وعجزه وإحساسه الرهيب برحيله، تنبجس من ذاكرته لحظات لقاءاته بـ«سارة»، والاجتماعات التي ضمتهما في دمشق وطهران وفيينا وباريس.. تبزغ كشعاعات ضوء يأتي من فنار بعيد، تخفّف، ولو إلى حين، من مرضه اللعين، ووحدته الفاتكة.. تجسّد «سارة» بجمالها الأخاذ، ومعرفتها الواسعة المدهشة، والشرقُ بسحره، بنوره، بشمسه، بعمق تاريخه، وجلال أدواره التي نعمت البشرية بقطوفها.. يُجسّدان معا، سارة والشرق، خلاصا لفرانتز من رحلة آلامه، يمثلان مرفأ أمان. ومن أجمل مشاهد الرواية مشهد التحام جسد «فرانتز» بجسد «سارة»، بعد انتظار طويل، ورغبة جامحة، وصبر مَعولٍ.. يصعد الوصفُ في هذا المشهد إلى مراقي الجمال، وتسمو فيه اللغة إلى الذُّرى الشاهقة، ويغور فيه الفكر صوب الأقاصي. بيد أن عشق «فرانتز» لسارة منذور للخيبة.. إنه حبّ مستحيل.. لأن «سارة» هاربة باستمرار..تنفي نفسها وتنأى بها في جغرافيات قصية.. تعثر فيها على بذور لمواضيع وبحوث جديدة هي ما يمنح لوجودها معنى. تقول في إحدى رسائلها لفرانتز: «أفيوني أنا هو هذه النصوص، وهذه الصور التي أسعى إلى البحث عنها، كلّ يوم، في الخزانات الباريسية، فراشاتُ الكلمات هذه التي أجمعها، والتي أتأمّلها بدون أن أُفكّر في أمر آخر، هذا البحر من الكتب العتيقة الذي أبغي الغرقَ فيه».
إن سحر الشرق وافتنان السارد به يدفعه إلى التحسر على ما آل إليه وضعه الآن.. فسوريا التي كتب عنها صفحات مضيئة ومؤثرة، يشير، أكثر من مرة، إلى آلة الدّمار التي تمشي فيها.. يتوقف مليّا عند الرعب الذي تُشيعه الجماعات التكفيرية الظلامية.. ويبكي بحرقة، خراب حلب والمدن الأخرى، كما يذكر بطش الأسدين الأكبر والأصغر بالشعب ومخابرات نظامهما الرهيبة.. مثلما يتحدث عن مضايقات نظام ولاية الفقيه في إيران للأدباء والأحرار وما تتعرض له الحريات الفردية، هناك، من قمع وقهر.
وبفضل هذين الإشراقين (سارة والشرق) يأبى «فرانتز» أن يستسلم لهاتف الموت، إذ على الرغم من مرضه وسهاده ووحدته في الظلام البهيم، إلاّ أنه يتحلّى بالشجاعة، ويعتصم بأسباب الحياة، ويستدعي مثال الشاعر»غوته» الذي كان يرفض رؤية الجثث، أو الانحناء لهاجس الموت، ويتغلب على المرض بنداء الأمل. من هنا تتلخص دلالات البوصلة عنوانا في استشراف السارد للشرق، والمُضي نحوه بوصفه أفقا للإشراق، للنّور، لتبديد العتمات، وهتك سجوف الظلام.. الشرق سبيل لملاقاة الحقيقة.. ذهاب صوب الشمس التي تبزغ من جهة الشرق.. إن اتجاه البوصلة هو الشرق دائما. لذا يقول صاحبها «ماتياس إينار»: (هي رواية سوداء، لكنها رواية أمل).
«بوصلة» هي رواية المعرفة المتنوعة العميقة المدهشة.. قد تربك القارئ، وتتيه به في مسالك وعرة وممالك صعبة، إلاّ أنه وهو يجتازها سيغنم الكثير.. ففي هذا الوقت الذي تنغلق فيه الهويات على نفسها، وتُبدي المزيد من التشنّج والتعصب رافضةً الآخر فإن رواية «بوصلة» تجيء لتنبذ هذا التعارض بين هوية الأنا (الغرب)، وهوية الآخر (الشرق)، بحيث لا ترى فيه غريبا أو مختلفا، وإنما ترى فيه مكملا ومشاركا.. يُزيح ماتياس إينار الحواجز القائمة بين الهوية والغيرية، الأنا والآخر..إنها نص فاتن يجمع بين المعرفة والاستقصاء والكشف والجمال والحبّ والبناء المعقّد، الذي يشمل التأمل في الأدب والموسيقى وكتابة المقال والرسائل والرحلة والشعر والشذرات.. ولامراء في أن شُداة النصوص الكبرى والجيدة سينشدون ضالتهم في هذه الرواية.. لأنها كأس دهاق مترعة بفيوض المعرفة في هذا الوقت الذي عزّت فيه النصوص الشافية.

٭ كاتب مغربي

رواية «بوصلة» للفرنسي ماتياس إينار: فيض المعرفة وفتنة الشرق

محمد الفحايم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية