حين نقول عن رواية ما إنها «تحبس الأنفاس» يبدو التعبير مكرورا مستهلكاً، ولا ينتمي إلى لغة النقد، ولكننا حين نقرأ رواية «خرائط التيه» لبثينة العيسى يتخذ هذا التعبير بعداً آخر، إذ يعني في ما يعنيه حكايةً تضع القارئ في أتونها منذ صفحتها الأولى، وتمسك بتلابيبه حتى الصفحة الأخيرة، من دون أن يتوقف السرد لحظة واحدة، من خلال موضوع طريف، ولغة تتسم بكثير من التدفق والرشاقة.
كل شيء في هذه الرواية سردي بامتياز، الوصف الدقيق الجميل يقدّم من خلال الحدث، وسمات الشخصيات تنسرب من خلال مواقفها، والقارئ يلهث لمعرفة مصير مشاري، الطفل الذي اختطف
من بين يدي أمه وأبيه في الحج، وخاض رحلة العذاب المضنية، ليعود إليهما في النهاية، وقد تشوهت طفولته بالاغتصاب والوجعين الجسدي والروحي.
تبدأ حكاية العذاب من الحج، حيث تمسك الأم سمية بطفلها مشاري، وفي زحمة الوفود المتصادمة يفلت من يدها، وتدفعه الجموع بعيداً، وتختطفه رونيا بعد أن تخدره، وتأخذه إلى عصابة جرجس التي تتاجر بأعضاء الأفارقة، وتطمع في فدية كبيرة لقاء خطفه، وكان من المفترض أن يقاد إلى سيناء، عبر البحر، ولكن الخلافات بين أفراد العصابة والظروف المواتية تمكنه من الهرب قبل العبور ليجد نفسه عند رجل بنغالي، يغتصبه ثم يرميه لقدره وحيداً منهكاً. وبينما يبحث الأب فيصل، وأخوه سعود عن الطفل في سيناء يتلقيان اتصالاً من سمية تخبرهم فيه أنّ طفلها ما زال في السعودية، ليجدوه في النهاية مشوه الفكر، مشوش الجسد والنفس. تمنح بثينة العيسى العتبات النصية في هذه الرواية أهمية بالغة؛ إذ تحاول من خلال العتبة الأولى الإحالة إلى عنوان النص، من خلال بيت شعر لأبي تمّام، هو أول ما تصادفه عين القارئ في الرواية:
«تاهت على صورة الأشياء صورته
حتى إذا كملت تاهت على التيهِ»
فإذا سألتَ عن السياق النهائي أدركتَ أن الروائية تسعى إلى ربط البداية بالنهاية، والماضي بالحاضر، مؤشرةً إلى أزمان متوالية من التيه، عبر رسالة من سعود إلى الضابط المصري مصطفى وجدي يقول في ختامها: «أما أنا يا صاحبي فما زلت تائهاً، وإذا فكّرت في الأمر أكثر، فكلّنا في التيه».
في العتبة الثانية تصوغ الروائية صياغةً مختلفةً ذلك الاحتراز الذي اعتاد الكتاب على إدراجه في عتباتهم، حول علاقة الأحداث بما يمكن أن يحصل في الواقع، مشيرة إلى أن التشابه المحتمل بينهما «من قبيل سوء الحظ، ليس لكاتبتها وحسب، بل للعالم كلّه».
أمّا في عتبات الفصول فإن الروائية سعت إلى ترسيخ إيقاع لتلك العتبات، يمنح النص نوعاً من التوازن الشكلي واللغوي، من خلال إجرائين: الأول إعطاء فصولها عناوين على وزن صرفي واحد (نفير، هدير، سعير، عسير). أما الإجراء الثاني فقد تمثّل (موضوعياً وشكلياً) بحرصها على تخصيص المساحة العليا اليمنى في بداية كل فصل للتحديدين الزمني والمكاني اللذين يؤطران أحداث ذلك الفصل، فإذا انتقلنا من العتبات نحو الافتتاحية الروائية لاحظنا عناية الكاتبة بوضع القارئ أمام أزمة الحكاية بأسرع ما يمكن، بادئة سردها المثير على الشكل التالي:
«قبل تلك اللحظة كان كلّ شيء على ما يرام. كانت سميّة قد أوشكت على إتمام شوطها الرابع، تطوف مأخوذة بجلال اللحظة، بين مئات الآلاف من الحجاج».
ومن غير إضاعة لوقت القارئ، ومن غير تشتيت انتباهه، تقدّم وصفاً سردياً يحدّد تموضع عائلة فيصل التي فقدت ابنها في الحج، فها هي ذي الزوجة، من دون توقف لحركة السرد، تلهج بالدعاء، وتلاحق زوجها بنظراتها، وتمسك ابنها بيدها: «لبّيك لبّيك.. كانت تهمس. ترسل عينيها إلى اليمين، تلمح قفاه، فيصل يسبقها ببضع خطوات. بين كل الرؤوس الحسيرة، الحليقة، الصلعاء، المحتجبة، السوداء، الرمادية، البيضاء، المتعرّقة، كانت تستطيع رؤيته. تنظر يساراً؛ الكعبة محرمة، مشمّرة الأستار، أحجارها مرصوصة في قاعدتها، يعلوها قماش أبيض، ينتهي بالكسوة السوداء المذهّبة. أحسّت بتعرّق يد الصغير في يدها، نظرت إليه يحثّ خطوه كي يواكب. ها مشاري.. تعبت؟ يهزّ رأسه نفياً». هكذا، وبسرعة، يقفز الحدث إلى ذروة تصاعده الدرامي، في الصفحة الثانية من المتن الروائي، فقد رأى القارئ نفسه أمام العقدة الكبرى المتمثلة في ضياع مشاري: «اصطدم بهما وفد آسيوي يسير متماسك الأيدي، انفكت يده من يدها. شعرت سمية بكتفها تكاد تنخلع، وبجسدها ينقذف إلى الأمام خطوتين، تعثرت بطرف عباءتها. عندما استعادت توازنها، واستقامت واقفة لم تره، تلفتت حولها؛ كان قد اختفى».
وتعتمد الرواية اعتماداً واضحاً على السرد الاستذكاري، وتتمحور معظم الاستذكارات حول مشاري، وتأتي طيعة سريعة متنوعة، إذ لا تستحضرها الروائية بالطريقة ذاتها، فتجعل الموقف مرة للاستذكار، فيما تلجأ مرة أخرى إلى اللغة أو المكان لتحفّز ذكريات قديمة.
ففيصل/ الأب المفجوع بفقدان ابنه لا يصدّق أنّ مشاري يمكن أن يضيع، ويتخيّل الحياة تعود إلى طبيعتها، وقد امتازت استذكارات الأب بالتداخل زمناً ومكاناً، إذ كثيراً ما تزدحم المشاهد في رأسه. وقد جاءت استذكارات مشاري شبيهة باستذكارات والده من حيث التداخل، على خلاف سعود، عم مشاري، الذي كانت استذكاراته أكثر انتظاماً وتماسكاً. مثل هذا الاضطراب الذي عانت منه استذكارات فيصل لم يكن مقتصراً عليها فقط، إذ أنّ شعوره بالفقدان أثّر على شخصيته جسداً وروحاً، ويمكن للقارئ أن يلاحظ الوهن الجسدي له، إضافة إلى الانهيار الروحي الذي وصل إلى درجة فقدان اليقين، وقد بدا ذلك في أكثر من موقف، فهو يسأل زوجته سمية: «بماذا كنت تفكّرين عندما تمنيت لولدك أن يرى الكعبة؟ ها قد رآها الآن، فهل حصلت على تذكرة دخولك إلى الجنة؟ هل حصلت على حسناتك التي كنت تريدين؟ هل أنت راضية سميّة؟».
الغضب يملأ صوته الذي كان هادئاً، والخواء يملأ فراغ الروح، والسؤال عن جدوى رؤية الكعبة يحمل اللغة نحو مدى آخر يعضده إيمانه الطارئ بأنّ «الصلاة ذريعة من يملك الوقت والقلب». ولأن فيصل لا يملك الوقت، ولأنّ قلبه/ انتُزع منه فقد أشاح بعينيه حين التفتت نحوه سمية بعد أن فرغت من صلاتها، سائلةً: ألن تصلّي؟
وتبدو لغة الرواية للقارئ سريعة لا تكاد تتوقف، حتى في الوصف، وكأن ثمة حافزاً خرافياً دائم الحضور يدفع كل عبارة نحو النهاية المنتظرة، فما تكاد لغة الوصف تبدأ حتى يدفع الحدث سكونها نحو الحركة، فالأرض الجارحة تحت قدمي مشاري تعرف السكون، وسرعان ما تصبح متكأ لحدث وحركة وتطوير، والكهف الذي تتدلى منه الخفافيش، يصبح جزءاً من حركة سرد سريع، حتى أنّ لغة الحوار ذاتها، وعلى مدى الرواية، جاءت سريعة خاطفة، ولم تحتفل بالمشهدية، لأن هذا النوع من الرواية الدرامية يتطلّب سرعة نجحت الروائية في تجسيدها عبر كل شكل من أشكال السرد.
إن «خرائط التيه» التي رسمتها بثينة العيسى في صفحات روايتها الأربعمئة لا تتحدث فقط عن تيه مشاري، ولا عن تيه أسرته بحثاً عنه، بل تتسع تفاصيلها لتشمل تيه عصابة التهريب ذاتها، عبر المنظومة التراتبية التي تحكمها، فالزعيم جرجس الذي يأمر فيطاع، ليس سوى فأر تحمرّ أذناه أمام سيّده، وأفراد العصابة ذاتهم يبيع بعضُهم بعضا. وفي نهاية الأمر لا يجد أحد نفسه خارج التيه، لا سعود عمّ مشاري، ولا الضابط المصري، ولا حتى القارئ نفسه.
*بثينة عيسى: خرائط التيه، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت، ط2، أغسطس/آب، 2015 (ط1، مايو/أيار 2015)
كاتب فلسطيني
يوسف حطيني