«يعدو بساق واحدة» رواية سامح خضر، يطرح فيها المشاكل التي واجهت العائدين إلى وطنهم بعد اتفاق «أوسلو». لم يكن سامح خضر الوحيد الذي تناول ذلك فقد سبقه كثيرون، لكن ما يميزه أنه طرح موقفَ الشباب الفتيان من هذه التحولات السريعة والغريبة التي عايَشها الشاب الفلسطيني، الذي وجد نفسَه في بلد طالما حلم به ولم يره، اسمه فلسطين، بلد تغنى به، وسمع القصصَ الكثيرة عنه.
لقد تمثلت فلسطين في خيال الفلسطيني على صورة الفردوس المفقود.
وحُلْمٌ واحد يُرافقهُ ويدفعُ به، هو العودة إلى هذا الفردوس الذي اسمه الوطن. ومما زاد من التشوق والاندفاع ما لاقاه الفلسطيني من الرفض والاتهام والإهانة والاستغلال على يد الأشقاء في العالم العربي، وتحميلهم الفلسطيني مسؤولية كل ما عانوا ويعانون منه من فَقر وظلم وانعدام الأمن وانسداد آفاق المستقبل. الفلسطيني في المنفى غريب لا يحمل هوية غير استمارة اللاجئ، ولا جَواز سفر يسمح له بالتنقل بين بلدان العالم، ولا نشيدا يُردده في المناسبات الوطنية.
وكان اتفاق «أوسلو» وكانت الفرحة الطاغية بأن حلمَ العودة يتحقق وأن الدولة الحرة المستقلة في الوطن العائد قاب قوسين أو أدنى، لكن صدَمات اللقاء بالوطن حلت الواحدة تلو الأخرى، فالوطن الذي حلم الفلسطيني به في المنفى، وعمل للعودة إليه، غير الوطن الذي وصل إليه عَبْر بوابات يحرسها جنود الاحتلال، وتُقَيد فيه تحركاته ومكان سكناه.
وفي رواية سامح خضر «يعدو بساق واحدة» كانت صدمة قاسم الأولى حين وصل حدود الوطن، فقد رأى وجهَ مجندة إسرائيلية تعترض طريقَه وتفحص أوراقه ووثائقه. والصدمة الثانية عندما وصل حدود المخيم الذي يسكنه والداه، ولم يصدق أن مثل هذا المكان من الممكن أنْ يسكنه إنسان. وكانت الصدمة الثالثة في الجامعة التي اعتقد أنها ستكون مَلاذه ومَهرَبه، حيث اكتشف أن الجامعة تمنع اختلاط الطلاب بالطالبات. الصدمة الرابعة والأصعب التي زعزعت ثقة قاسم بنفسه، وعيّشته في حالة من الاغتراب والنفور من الآخرين، والندم على العودة إلى الوطن، فكانت موقف زملائه في الجامعة من أبناء غزة المقيمين الذين يتعالون على العائدين بعد اتفاق «أوسلو»، وكل جَدَل بسيط يكاد يصل حد الانفجار. العائدون يعتبرون أن غربتهم كانت ثمنا كبيرا دفعوه لأنهم فلسطينيون، وكانت العودة نتيجة لصمود وتضحيات كبيرة دفعوها في بيروت والأردن وسوريا ومصر وتونس. أما زملاؤهم المقيمون في قطاع غزة، فاعتبروا أنهم مَن دفَع الثمنَ الأكبر بصمودهم وثباتهم في الانتفاضة.
هذه الصدَمات المتتالية، والجو العام القاتم ومستوى الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الناس، وكابوس الاحتلال الذي يُضيقُ على الناس حياتهم، ويسد كل منفَذ أمل وحلم ولو كان بعيدا، دفعت بقاسم للتفكير بالهجرة خارج الوطن، هرَبا من كل ما يُعاني، ثم كانت التحولات غير المتوقعة في قرارات قاسم بعد سفره إلى رام الله، حيث قرر التراجع عن فكرة ترْك الوطن.
دلالات التغير في موقف قاسم تجاه الوطن
«اللقاء الأول لقاسم بالوطن كان قاسيا وجارحا ومخيبا للأمل، ومع كل يوم جديد يمر يشعر أنه يولد للتو، لا صلة له بالمكان ولا ذكريات تتراكم فيه». «وكان مع مجموعة الشباب العائدين يشعرون بالاغتراب في وطنهم الذي حلموا به ىسنوات غربتهم». و»أصبح سؤال الهوية بالنسبة له من أعْقَد الأسئلة التي تُغرقه في التفكير ويبدأ بها رحلة التيه كلما حاول الإجابة عنها». ويعترف قاسم لصديقه عبد الرحيم في حواره معه: «أنا ضائع، لا أخفيك أنني بت لا أعلم مَن أنا منذ عدتُ إلى هنا وأنا لم أعد أنا. هنا أنا أشبه بميت، لا أمارس ما اعتدتُ عليه وعاجز عن الدراسة». ويتساءل قاسم: «لماذا عدنا؟ لا أخفيك أن مفهوم الوطن لدى المغترب أفضل كثيرا منه لدى المقيم فيه، كان الوطن بالنسبة لي جميلا حد المثالية، والآن صار حبي له مضطربا. وبحزن يتابع: «الآن صرنا لا نعرف مما نحب غير مدينتين، ما أعرفه من الوطن هو غزة. أهذا كل ما أخذناه بعد اغتراب وهجرة لعقود طويلة، لماذا؟».
ويحاول قاسم أن يبرر سببَ قراره بالهجرة: «ما أردتُ قوله إنني أرغبُ بالهجرة لأن فلسطين المتخيلةَ ليست هي نفسها التي حصلتُ عليها، لذلك أفضلُ الرحيل عنها».
ويواجه قاسم والديه وبكل جرأة يصرح بما يعتمل في داخله وبرغبته في الهجرة قائلا: «أنا أعيش هنا كالغريب لا شيء يربطني بهذا المكان، ليست هذه فلسطين التي كنا نحلم بها.. تحملنا كل هذا لأننا كنا نحسبُ ذلك من أجل فلسطين، لا من أجل قطعة أرض صغيرة اسمها غزة لا تربطنا بها أي صلة، أحب فلسطين ولكن ليست هذه فلسطين التي وعَدْنا أنفسَنا بها كلما اشتد علينا الأمرُ في المنفى».
وكانت رحلة قاسم إلى رام الله وما تركته فيه من آثار قلبَت فكرَه وحياتَه ومستقبلَه.. سحرته مدينة رام الله بشبابها وفتياتها وشوارعها. وجعلته يتخذ قراره بالبقاء في الوطن.
هذه الرواية تُقدم لنا صورة تسجيلية لكيفية تقبل الشباب الفلسطيني لاتفاق أوسلو، وكيف كان الانكسارُ حادا وقاسيا في المواجهة الصعبة بين الصورة التي رسمها الفلسطيني في المنفى للوطن، والواقع المؤلم الذي وجد عليه هذا الوطن. كيف كانت خيبة الأمل كبيرة والقبول بالموجود شبه مستحيل. وقد كتبها سامح خضر على الشكل التقليدي القائم على: المقدمة والوسط والخاتمة، ما جعل الأحداث تسير بتراتبية منسجمة، رغم ذلك الانشطار البارز بين قاسم الذي رفض القبول بواقع حياته في غزة، وقرر ترك الوطن، وقاسم الذي حسَم أمرَه بعدَم ترْك الوطن وإلغاء السفر، لأنه أدرك أن وجوده في الوطن مع أبناء شعبه هو الخيار الصحيح، وهو الذي يضمن تحقيق الأحلام وبناء الوطن المرجو.
هذه الرواية هي التجربة الأولى لسامح خضر، ما جعلها تفتقر للكثير من خصائص الرواية الناجحة شكلا ومضمونا. فاللغة سردية عادية لم يشحنها بما يجعلها متألقة بمفرداتها وعباراتها والمعاني والدلالات. والأمكنة لم تُوَظف بشكل جيد ليجعل منها سيدة الموقف والحَدَث، فظلت مجرد أسماء لا تترك أثرا، ولا تدفع لفعل ما أو توحي بما خزنته الذاكرة البعيدة. كذلك لم تأخذ الأزمنة أي دور في تفجر الأحداث رغم أهمية الزمن بالنسبة للفلسطيني في مسيرته النضالية.
قاسم كان الشخصية المركزية التي دارت كل القصة حولها، وحاول الكاتب أنْ يخلق منه شخصية درامية تمثل حقيقة الشباب الفلسطيني الذي ترك المنافي وعاد إلى الوطن ليعمل ويبني ويخلق واقعا جديدا في وطن طالما حلم به وأحبه. لكن شخصية قاسم ظلت ناقصة ومبتورة، وتكاد تكون مقطوعة عن كل مَن يحيط بها، فلم ينجح في أن يقيم علاقات حميمية مع أي من الشخصيات حتى الأقرب إليه، فعاش غريبا بين أفراد أسرته، لا نجده يُبادل حتى شقيقته التي عادت معه من مصر أي مَشاعر أو هموم وقضايا، حتى في علاقته مع أمه كانت علاقة فاترة تقتصر على نصائح الأم وتصلبات قاسم، وعلاقته مع عبد الرحيم، الصديق الوحيد انقطعت بدون سبب مقنع. وهذا صحيح بالنسبة لنسرين، الطالبة الجامعية التي تعرف عليها، فقد أهملها ولم يستقص أخبارَها حتى التقاها صدفة في نابلس. وعلاقاته مع الشباب الذين سكنوا معه كانت علاقات فاترة وضعيفة، فلم تجمعهم السهرات والنقاشات والأحلام والرغبات، كل عاش بمفرده. حتى في الجامعة كان وحيدا لم يحاول الانخراط مع زملائه الطلاب ويقوم وإياهم بفعاليات داخل وخارج الحرَم الجامعي. ولم نلمس في قاسم هذا العشق للأمكنة التي طالما تغنى بها الفلسطيني في المنفى ووجدناها بقوة في العديد من روايات الكُتاب العائدين.
ولم تكن الشخصيات الأخرى أوفر حظا فقد ظلت في معظمها باهتة الحضور غير فعالة في دفع الأحداث، كل شخصية مشغولة بنفسها لا تهتم بالآخر ولا بالهم العام، ما أفقدها أهميتها ولم تترك أثرا يذكر.
أخيرا تظل رواية «يعدو بساق واحدة» تجربة أولى في إبداع سامح خضر، حاولت نقل تجربة الشباب الفلسطيني الذين عادوا للوطن بعد اتفاق أوسلو، قد يكون فيها الكثير من الصدق في النقْل والتصوير للواقع والأشخاص، وقد تكون أقربَ للسيرة الذاتية التي اهتمت بالتزام الواقع المعيش بعيدا عن التخيل والتصرف واستحضار غير الموجود. قد تكون محاولة في الولوج لعالم الإبداع الروائي. ولكننا نكتفي بتحية الكاتب سامح خضر مع انتظار عمل جديد، يعدو بساقَيه ويفرض وجودَه بقوة.
نبيه القاسم