العاصمة الفرنسية باريس ستظل، كما كانت، مدار كتابات وروايات، ويوميات ومذكرات وتدوينات، وستبقى لكتاب وفنانين وشعراء عديدين مروا بسمائها، وجالوا في عطفاتها وزواياها وشوارعها وساحاتها، المدار الحالم، تاركة أثراً لا يمحى في فنهم وإبداعهم. فهي مدينة الحالمين والرومانسيين والفنانين، الباحثين عن اليوتوبيات، في زمن تقل فيه اليوتوبيات، لتنشأ فيه المضادات، وأعني هنا الديستوبيات، عالم المال والحروب والتقنيات التكنولوجية العالية، عالم الضجيج والتهام الوقت الإنساني وفسحته وسانحته اليومية بآلاف المبتكرات التي تعوِّق حياته، وتجعلها لاهثة وسريعة وموزعة على لملمة التدابيراليومية والآنية.
تنهل رواية التونسي علي مصباح «سان دني» من العالم السفلي للمدينة الباريسية، ومن قاعها الضاج والصاخب بالمومسات والسكارى والمدمنين على المخدرات. فـ»سان دني» اسم له بريق لامع في عالم المحظيات وبائعات الهوى، واللاهين في ذلك الزقاق الطويل الذي له تاريخ في الحياة الجنسية الفرنسية. ثمة أماكن هنالك تخصَّصت في عرض البضاعة الجنسية البشرية أمام المارة. من يعرف «سان دني» السبعينيات، سيلمس ذلك دون عناء، إنه سوق البغايا، ولكنه في السنوات التي تلت ذلك راح يضمحل، كون تلك الأماكن المخصّصة لغرض شراء المِتعة، كثرت وتعدَّدت وانتشرت في غير مكان من العاصمة الفرنسية.
تبدأ الرواية فصولها الأولى بداية كلاسيكية، تذكر برواية «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، ناهيك عن «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، تلك الروايات التي تتحدث عن رجل شرقي، يلتهمه عالم الغرب في مشاهدات ويوميات ومحكيات، وحتى سرود إيروتيكية، كما حصل مع بطل رواية الطيب صالح وهو منبهر بعالم الغرب ومنغمس فيه بكامل قواه الجسدية والروحية.
فالبداية لدى علي مصباح تبدأ بثلة من الأصدقاء التونسيين الذين أنهوا دراساتهم الأولى في تونس، وهاجروا إلى باريس باحثين عن الجمال والمتعة واللذة والتشرد والمغامرة، وكذلك الدراسة والعمل وفتح أفق جديد لحياتهم في تلك المدينة المغرية، لمن سمع بها، فكيف سيكون الأمر لمن سيعيش فيها؟ سافروا عبر البحر إلى فرنسا، رامين أحذيتهم في المياه البحرية دلالة على عدم الرجوع، أو دلالة على الهروب إلى عالم آخر، عالم النساء والخمرة والانغماس في الشهوات التي كانوا يتصورونها ستكون مرمية أمامهم، حال وصولهم مدينة الأحلام والشعر وحكايا النساء، وضروب الشهوة التي تلقي بها النسوة إلى الغريب والوافد إليهنّ، من البلدان المتوسطية، العربية والحارة والساخنة، كما هيِّئ للبعض منهم، وكما زيِّنت له، على أنه سيطأ الجنان وأرض الحوريات، وعلى أنه في لحظة وصوله، سيجد النعمى مبذولة أمامه، ومرمية على شكل شرائح ذهبية في الطرقات، من قبل المجتمع الفرنسي.
كانوا أربعة أصدقاء على متن الباخرة التي أوصلتهم إلى شاطئ مرسيليا الفرنسي، عادل، وهو الراوي، ومحرز سيتجهان إلى مدينة ليون، ومن هناك إلى باريس، كون الراوي جدَّه كان فيها، وله ذكريات هناك، إبّان تجنيده من قبل الفرنسيين للخدمة العسكرية، وقد علقت مفردة ليون في ذاكرته من كثرة ترديد جده لاسم هذه المدينة وهو صغير، أما الصديقان رياض ويوسف فسيتجهان مباشرة إلى باريس عاصمة الأحلام والأضواء الرومانتيكية.
تحت سقف هذا الحلم القوي، يصلان ليلاً إليها، ليناما ليلتهما الأولى في حدائق «فوانتينبلو» ملتحفين البرد والخوف والمتاهة، في النهار الذي سيطلع عليهما سينسحبان من الحديقة، ميممين صوب شوارع العاصمة وساحاتها وأسواقها ومتاحفها الكبيرة، حيث يستأجران مكاناً للنوم، في الحي الجامعي «دار تونس»، ومن ثم سيطردان من الدار عندما يُكتشف أمرهما على أنهما أربعة أشخاص يبيتون في هذا المكان، وبعد رحلة من المتاعب عند بيوتات وغرف الأصدقاء الضيقة، وبعد مضي ثلاثة أسابيع على تشردهما، سيسافر رياض إلى «نانت» مُجرِّباً حظه هناك، ويوسف الذي ظفر بصديقة سيذهب إلى جنيف، لغرض العيش فيها كبديل عن باريس، ليبقى عادل ومحرز اللذان سينهكهما التعب اليومي، جرّاء المشي ومواصلة البحث عن عمل، وتأمين المبيت والحالة المعيشية التي تتطلب قليلاً من المال لتثبيت الخطى أولاً.
الروائي الذي بدأ متمهِّلاً، وغائصاً في مناحي السرد، وعاكفاً على ملء مروياته بالتفاصيل الباريسية الدقيقة، والذي تجنَّب أيضاً التقنيات الروائية الحديثة، وآليات فنها، في تشييد التكنيك الجمالي العالي والرفيع، بغية تعمير البنية الروائية المتطورة والجديدة، وصولاً إلى دعمها بالأحداث، ورفدها بالتوتر الزمني وتحولاته الفجائية، وغيرها من المرجعيات الإجرائية لبناء نص شبكي، قادر على تعويم المكان واللحظة التاريخية، نراه يلجأ، وهذا لا يُعد مثلبة أو نقصاً فنياً، إلى التدوير الذاتي، في بناء عمارته السيرَوية التي تنهل من الذاتي وتأكيد التذويت، كمبدأ لبنية العمل، لغرض تثبيت الإجراء الأوتوبيوغرافي ورفع مهام السيرة الذاتية للراوي أولاً، وللأصدقاء ثانياً، ومن ثم تأبيد البيوغرافيا للزمان والمكان بطريقة التداعي الشخصي، لروي سيرة المكان، الرامز إلى أيام السبعينيات، وحكي سيرة الزمان لتلك الأيام التي نشط فيها اليسار الماركسي، بشقيه اللينيني والماوي، وتفرّعه وانفتاحه على اليسار المتطرف، كجماعة بادرماينهوف وكارلوس واليسار الألماني، ولذا ألفينا الراوي ينخرط، مثل بقية أبناء جيله، في الحزب الماركسي اللينيني، متعرِّفاً من خلاله على صديقه عقبة الذي سمع بأنه ينام في حدائق الحي الجامعي، فيأخذه ويؤمن له مأوى عنده مع صديقه اليساري الفرنسي الذي يتقاسم معه السكن، وهو مكان ضيِّق بالكاد يكفي لواحد أو اثنين، فينضم لهما هو الثالث، واجداً نفسه يتحرَّك بحسبان، في موقع الاجتماعات، هذا الذي يغص بالحزبيين واليساريين والفوضويين والمتمرّدين على القوانين التي ترسمها لهم، حسب تعبيرهم، الرأسمالية والمجتمعات البرجوازية والشركات الكبرى التي تأكل حق البروليتاريا، وحقوقها الإنسانية، حسب تعبير الراوي المنخرط في هذه الاجتماعات المتمثلة باليسار التونسي، ونهجه في تحقيق الثورة العالمية للعمال في جميع مدن العالم.
لَكَم أقدر هنا صدق الراوي في رسم التفاصيل الصغيرة لتلك المرحلة، فكاتب هذه السطور قد عاش فصلاً ساخناً، منها إبان شبابه في نهاية السبعينيات، وفي باريس تحديداً، حيث بيوت الطلبة، والنضال اليومي اليساري للطلبة الذين لا هم لهم سوى المحازبة، والركض في دروب اليسار والطرق التي يؤمنها اليسار لهم، حتى الشخوص الذين عبروا في الرواية صار بإمكاني تحديد أسمائها، فكان يرد إلى ذهني العديد منهم، وعلى رأسهم المؤلف المسرحي عزّ الدين المدني، والمفكر الراحل العفيف الأخضر، وصديقه معتنق السوريالية اللذان كانا يجلسان دائماً في مقاهي السوربون، ليتنابزا ويفكرا ويخططا، ويكونا على مقربة من مدرج الجامعة الغاص بأساتذة الفكر والفلسفة وعلم الجمال الكبار.
في فصل «سان دني» سيتعرّف الراوي على علي عن طريق صديقه عقبة. علي هذا سيكون الصديق الوفي طيلة فصول الرواية لعادل الراوي، فهو سيُدله على خوافي باريس وعلى كل ما له صلة بالحياة الفرنسية، على العمال التونسيين الذين يسميهم الراوي الحرفاء، نسبة إلى الحرفة والعمل الذي يمتهنه العمال التوانسة في باريس، وبقية المدن الفرنسية. وعلي بطبعه شرس وذو كبرياء، يسخر من الأحزاب والمنتديات السياسية ومن السياسيين، فيدله، أي علي، بطبيعته المتحركة على أماكن تجمعهم، ليبقى متهكماً على جماعاته السياسية التي تناضل من أجلهم، وهم حسب علي في جهلهم سادرون، لا يفقهون النظريات ولا الديالكتيك السياسي ولا يعرفون أن هناك من يدافع عنهم، ويوزع المنشورات من أجلهم، ويسهر ويتناقش ويقرأ ويُعاقب حزبياً، كالراوي عادل الذي كان يتلقى العديد من اللوم من حزبه، بُعيد كل لقاء ليكون ضحية النقد الذاتي الذي يجلد به نفسه في كل لقاء، ذلك أنّه هو وأصدقاؤه لديهم مهمة ثورية كما يقولون: «نحن هنا من أجل مهمة تاريخية، على غاية الأهمية والخطورة، بيت الرفيق حميد غائم بدخان السجائر، والنقاش على أشدهِ، لا بد من تحديد طبيعة المرحلة، إلقاء الشعار المناسب في المكان المناسب، إقرأ ـ الدولة والثورة ـ يا رفيق إقرأ في التناقض ـ بيان الحزب الشيوعي ـ في كومونة باريس ـ دور الحركات الطلابية في مسار الثورة البروليتارية، العائلة، الدولة، الدولة والدين، انس حانات سان دني وقهقهات السكيرين وأصواتهم الملعلعة بالمداعبات الفاحشة».
تكشف رواية «سان دني» للكاتب علي مصباح والمترجم المختص بترجمة نيتشه عن الألمانية، عن الأوضاع والحالات والمقامات السايكولوجية، لتقدمها كل شخصية على حدة، بدءاً بعقبة وعلي، مروراً برشيد وصديقاته من بائعات الهوى، وبرناديت وحانتها والذين يترددون إليها، برناديت التي كانت في يوم ما عميلة للألمان أثناء احتلال باريس من قبل النازيين الألمان، وجوزيفين المناضلة اليسارية، وفطيمة الجزائرية، وفرانسواز صديقة علي، وجاكلين وحسني السينمائي وغيرهم، من العابرين في حياة الراوي الذي تقلب في مهن عدة، حتى انه يتمادى أحياناً في وصف حالات المهاجرين الذاهبين إلى عملهم، في ساعات الفجر الأولى، وهم شبه نائمين في عربات المترو. عادل الذي تعلم ودرس وكافح وعمل في باريس، في نهاية المطاف سيعود الى تونس بعد حصوله على درجات عليا.
علي مصباح: «سان دني»
منشورات الجمل، بيروت 2015
366 صفحة
هاشم شفيق