رواية ستيفان زفايغ «أربع وعشرون ساعةً في حياة امرأة»:  ورطةُ المشاعر الغائمة والرغبات الصاخبة

حجم الخط
1

 

كتب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في إحدى رسائله لحنة أرنت أن الرواية اكتشفت بمنطقها الخاص مختلف جوانب الوجود، تساءلت مع سرفانستس عن معنى المغامرة وعند بلزاك أبانت عن تجذر الإنسان في التاريخ، كما امتدت مع فلوبير إلى أصقاع مجهولة، وأضاءت الرواية لدى دوستويفسكي التدخل اللاعقلاني في السلوك البشري، وهذا ما يعني أن الرواية تتمحور حول الإنسان، إذ سبق الفن الروائي علم النفس في تناول ما يعتملُ في أعماق الإنسان من المشاعر والنوازع المعقدة وتصوير اللحظات التي يكونُ الكائنُ البشري واقعاً في أسر حالات غير مفهومة. ولا تخرجُ موضوع روايات الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ من هذا الإطار، إذ يقولُ القاص المصري يحيى حقي وهو أول من ترجم رواية «لاعب الشطرنج» إلى العربية، أن زفايغ لا ينتقص من قدر الإنسان كونه كائناً ضعيفاً ويعريه دون أن يسخر منهُ وهذا ما يتحلى به أسلوبه في رواية «أربع وعشرون ساعة في حياة امرأة» الصادرة من دار مسكيلياني 2017 بترجمة الأسعد بن حسين. هنا يضعك مؤلف «بناة العالم» أمام هشاشة الإنسان وخطأ إطلاق التوصيفات المُتَسَرِعة على تصرفاته وفقاً لما سنه المجتمع من التقاليد والأعراف. يُناقشُ هذا العمل مدة زمنية قصيرة في حياة إمرأة إنكليزية بلغت 67 سنة من عمرها، يلتقي بها الراوي في فندق «الريفييرا» وهي أرملة توفي زوجها بمرض الكبد الذي قد جلبه من سنوات خدمته العسكرية الإستوائية وعندما غاب الزوج كبرَ إبناؤها. فهي حاولت معالجة رتابة الحياة وحزنها على فقدان شريك الحياة بالسفر إلى أمكنة ومناطق مُختلفة وتبدأُ بباريس وبزيارات متاجرها ومُغازاتها ومَتاحفها ومن ثًمَّ تذهب إلى مونتي كارلو وهنا تعيش الساعات التي تعجُ بمشاعر ورغبات صاخبة وتَقُلبات لم تجربها على مدار سنوات عمرها السابقة.

جدلُ مُحتدم

يُحددُ المكانُ مسار السرد ويكمنُ تماسك الرواية في التفاعل بين العنصر المكاني والعناصر الأخرى . اختار ستفازيغ فندقاً لإحتواء الحدث والشخصيات وهذا الصنف من الأمكنة يتناغمُ مع موضوع عمله الروائي الذي ينحو منحىً فكرياً، إذ يقدمُ الراوي المشارك في مُستهل النص لمحةً عن الفندق والمقيمين فيه، الزوجان الألمانيان، والدانماركي السمين ، والمرأة الأنكليزية، والزوجان الإيطاليان، إذ تعودت هذه المجموعة البرجوازية على مُشاركة طاولة الأكل، وبعد ذلك تتفرق ويَذهبُ كل واحد منها إلى ما يحُبُ أن يقضي فيه وقتهُ. ومنْ ثُمَّ يثبُ الراوي إلى ما أثار نقاشاً حاداً بينه وبين هذه الجماعة، حيثُ وصلت حدة الخلاف إلى درجة تُنذر بالخروج من حالة التلاسن إلى تشابك فعلي لولا تدخل السيدة الأنكليزية التي أعادت من خلال أخذها بناصية الحديث الهدوء إلى الحوار، ولم يكُن السبب وراء هذا الخلاف غير هروب هنريت زوجة صاحب المصنع البدين والثري مع شاب فرنسي وسيم لفت بوصوله إلى الفندق نظر الجميع بأناقته وجاذبيته الصارخة كما أن نزوله بغرفة مُطلة على البحر يومئ برخائه المادي. هكذا يصفُ الراوي الوافد الجديد على المستوى الخارجي والخلقي لأنَّ ما وقع بظهوره وإختفائه أعطى زخماً للسرد، إذ تباينت الآراء حول مُصاحبة هنريت لهذا الشاب وترك زوجها، الأمر الذي يتحولُ إلى حدثِ يُبنى عليه التشكيل السردي برمته، فيما يستهجن نزلاء الفندق تخلي السيدة عن زوجها يؤكد الراوي صراحة «أنَّ أي امرأة يمكن أن تكون في أي لحظة من لحظات حياتها فريسة لقوى غريبة أقوى من إرادتها وذكائها» وبالتالي فإن إنكار هذه الحقيقة ليس إلا محاولة لإخفاء غريزتنا الخاصة. وعندما تسأله الإنكليزية (س) عما إذا كان موقفه لا يتغير ويبرئ سلوكاً بهذا الطيش لدى إمرأة لا تُعَدُ من الفتيات الصغيرات تَمَسَك بموقفه ويُسمع الجميع بأنه ليس مع الإدانة وإصدار الأحكام على السلوكيات والتصرفات.
إلى هنا يبدأُ مفصل آخر من الرواية إذ يَنسحبُ الراوي ولا يكونُ دوره إلا مُعلقاً ومُنظماً للمادة السردية ويراقبُ المتلقي من وجهة نظره المشهد.بينما ينتقل ضوء العدسة إلى الإنكليزية (س).

الاعتراف المؤجل

لا يكون إنشاء العلاقات بين شخصيات الرواية إلا نتيجة لدوافع مُعينة، صنف تزيفتان تودوروف هذه الدوافع إلى الإيجابي والسلبي، هنا تُفسر العلاقة القائمة بين الراوي والأنكليزية بدافع التواصل، فالأخيرة تريدُ الإفضاء بمكنونات نفسها للراوي بعدما تختبر عقليته غير الإنفعالية، إذ تبلغه عبر رسالة عن رغبتها بإستقباله في غرفتها متأكدةً أن ذلك لا يثير لغطاً طالما هي عجوز وعلى مشارف السبعين، حينذاك تبدو أمارات التوتر على تصرفات (س) لا تنفكُ تكرر أنَّ ما ترويه له كان الغرض من وراءه مجرداً من أي نزوات أو عوامل غريزية وأن ما خبأته سنوات طويلة سبب لها الأرق وبما أنها من الطائفة الأنجليكانية لذلك لم تتُح لها فرصة الإعتراف لتتخلص من عبء ما يعذبها إلى أن رأت من دافع عن المرأة الهاربة مُحاججاً منتقديها آنذاك أدركت بأنه قد حان الوقت للبوح بسرها لشخص مُناسب، فهي بعد ترملها بسنة تتجول في الكازينوهات هرباً من السأم مُتفحصة أيدى المقامرين التي تتبدى عليها إنفعالاتهم وتوترهم حيث تنعكسُ على حركات اليد كل ما يريدُ أن يُخْفِيَه من الجشع والتلهف، كما تعبرُ عن الشعور بسعادة غامرة. يُذكر أن ما يقدمه زفايغ على لسان (س) عن سايكولجية المقامر وما يرافق هذه اللعبة من مناخ مشحون بالترقب يضارع ما فصل فيه دوستويفسكي على لسان ألكسي إيفانوفتش حول الأجواء نفسها في رواية «المقامر». تُصادف الشخصية الأساسية وجود شاب على الطاولة الخضراء إذ تركز على يديه وتراقب حركاته عن كثب، وتقرأُ ما ترسمُ على وجهه من مشاعر توحي بحالاته النفسية المُتقلبة وعندما يتركُ الطاولة لا تكفُ عن مُتابعته وتلاحقه لأنَّ ما تراه في مشيته المترنحة تخلف لديها الشعور بالقلق وتتوقع أنَّ المقامر الشاب سينتحرُ بعدما خسر ولم يَعُدْ هناك ما يراهنُ عليه، هنا تتكثفُ الأضواء على الشاب كما تستعيدُ الأنكليزية ما إنتابتها من مشاعر مُتناقضة، أخيراً تبادرُ بمحاورته وتقترحُ عليه مغادرة الحديقة نظراً لهطول المطر ولكنَّ يتضحُ أنَّ الشاب أصبح متشرداً ولا يجدُ ما يبيتُ فيه. تتعاطف (س) أكثر مع حالة الشاب بحيثُ ترافقه إلى نزل وما تمرُ به مع ذلك الشاب في تلك الليلة لم يكن متوقعاً إذ تُصبحُ نهباً لحالة نفسية غريبة وتنتقل من نقيض إلى نقيض عندما تتسابق مع الوقت في اليوم التالي لمغادرة النزل قبل ان يستيقظ الشاب، وما ان تقع عيناها على وجهه حتى يتغير موقفها تماما، حيث يعبرُ منظر الشاب عن البراءة والنقاء. هكذا تتوالى الوقائع خلال هذه الساعات حتى تقنعه بالعودة إلى مدينة نيس قبل اكتشاف سر سرقته لحلية عمته بجانب ذلك ينجلي الغموض عما دفع بهذا الشاب المتفوق في الدراسة إلى الخوض في عالم رهيب. جدير بالذكر أن (س) لا تكتفي بشرح تغير انطباعها، بل ترسمُ ما يتسمُ به سلوك الشاب من الإحترام وإبداء إمتنانه لأنها أنقذته من مخالب الموت منتحراً بما احتفظ به من طلقات نارية أربع. فضلاً عن ذلك ما يراه المتلقي من وصف مشاهد الطبيعة وللأجواء العاصفة في الليلة الماضية إذ تبدو الطبيعة صورة معبرة عن الهدوء والتحول على المستوى الوجداني بين الإثنين. كما لا يفوت في هذا السياق اهتمام الكاتب بدلالات اللون، بعد الوداع والفراق بين الشخصين تشعرُ (س) بالفراغ وتمنت لو طلب منها الشاب مُصاحبته فاستجابت لطلبه بدون تردد. ولا تلحق به في محطة القطار لذلك تمشي في الأماكن التي رافقت فيها الشاب مسترجعة كل أحاسيسها وتعود إلى الكازينو لا تُصدقُ ما تراه فإذا بالشاب مُنكباً على لعبة القمار محنثاً بحلفه في الكنيسة تتشاجر معه دون جدوى. وبعد سنوات تسمعُ أن هذا المقامر قد انتحر دون ان تحزن علي. هنا ما تتلخص إليه الرواية أن رغبات الإنسان غير محدودة ولا يمكن سبر أغوارها، كما أن المشاعر رهن لحظتها ويصعبُ توصيفها. يشار إلى أن ستيفان زيفايغ لم يقف إبداعه في حدود الرواية بل كتب في مجال سيرة ذاتية وسيرة غيرية، ويقولُ رئيس الوزراء الألماني غيرهارد شرودر، لم يصف أحدُ ما عانيناه تحت وطأة النازية مثلما وصفه ستيفان زفايغ في كتابه «عالم الأمس ذكريات مواطن أوروبي». ما خطه زفايغ قبل انتحاره في رسالة يكشفُ خيبة أمله بمستقبل أوروبا.

ستيفان زفايغ: «أربع وعشرون ساعةً في حياة امرأة»
ترجمة الأسعد بن حسين
دار مسكيلياني للنشر، تونس 2017
105 صفحات

رواية ستيفان زفايغ «أربع وعشرون ساعةً في حياة امرأة»:  ورطةُ المشاعر الغائمة والرغبات الصاخبة

كه يلان مُحَمَد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية