رواية «سجناء خارج القضبان» للمصرية رفيدة هشام شاهين: اختراق العوالم الخبيئة لأسرى التكنولوجيا

حجم الخط
0

للوهلة الأولى، يبدو لنا أَنَّ الكاتبة بدأت روايتها بالدخول المفاجئ، والتشويق المسترسل، مستبعدين أن تكونَ أحداث المقدمة حُلما، وكانت من أولى مفاجآت الرواية المحبوكة بعناية، قد أَعطتْ انطباعا بأن العمل لا يعدو تحليلا نفسيا لبطلة الرواية سارة. صدرت الرواية عن دار ومكتبة الكندي للنشر والتوزيع، عمان 2017.

سارة

سارة هي الشخصية الرئيسة في الرواية وأحداثها، وعليها يبنى السرد وتصاغ الأحداث، سارة تلك الفتاة الفقيرة، الحالمة، المحرومة من أبسط الحقوق، عانَت القهر والظلم والخيانة من أقرب الناس لها، وكان لتطور التكنولوجيا أكبر الأثر في مسيرة الأحداث وتفاصيلها، لم تستطع سارة مجابهة هذا التطور، ليس بسبب نقص فيها، وإنما بسبب فقرها اولا، وبسبب كونها أنثى ثانيا. لم تستطع سارة أنْ تجدَ رفيقاتها يتنعمن بتكنولوجيا متطورة، وسيارات فارهة وملابس فاخرة، فيما هي قابعة بالتخلف والفقر، وبالكاد تحصل على مصروفها الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فتضطر لسرقة والدتها كي تحصل على موبايل متطور مثل موبايل صديقتها الخبيثة منار، ومن هنا تبدأ الذروة والتشويق الروائي، حيث تتخلل ذلك عواصف من الأحداث المؤلمة، لتعصف بسارة، وتحركها كما تشاء، لتنتهيَ الرواية بقتلها بطريقة بشعة.

ما بين السرد والحوار

يشكل السرد والحوار مادة أساسية للمؤلفة رفيدة شاهين، ويدخلان في صميم الرواية، ما منحها التشويق في بعض أجزائها، فالحوار جرى بصورة طبيعية بدون تدخلات من لدن الكاتبة، ما يتناسب مع مستوى الشخصيات، خاصة في اختيار العبارات التي تندرج على ألسنة الناس، خاصة في ما يتعلق بالنميمة والشتم وتطبيقات الجوال، وما يرتبط بنفسية هؤلاء من أهواء ونيات حسنة أو سيئة. ذلك من خلال لغة مبسطة هي أقرب إلى العامية البسيطة. «إسمعي يا سارة، عليك أن تقتني هاتفا ذكيا، لأنّ هاتفك سينقرض قريبا جدا، ثمّ إنّ الحياة ستصبح صعبة فيما بعد على من لا يملك خدمة الإنترنت في كل مكان، إنّه عصر ثورة المعلومات لا تتخلّفي عن الرّكب طويلا وإلا لن تتمكّني من لحاقه فيما بعد!». ثم يأتي الوصف الدقيق للشخصيات، على الرغم من تعددها، فكان تصوير للحالات النفسية لتلك الشخصيات دقيقا جدّا، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر وصفها لشخصية لينا فتقول:»لينا فتاة فضولية إلى حد كبير، تدسّ أنفها في كل ثقب يمكنها من التسرّب إلى حياة الآخرين. لا تهمل حديثا ولا مشكلة ولا تفصيلا، مدمنة على تقصّي أخبار معارفها بدون اكتراث لتباعد المسافات أو اختلاف الأزمنة، فهي بسرعة الصوت تعرف القصة وبسرعة الضوء تنشرها مرفقة معها تحليلها». ولعل عنوان الرواية «سجناء خلف القضبان» يثير فينا التساؤل، لكنه لا يتناقض مع خطوط الرواية العريضة، فكلنا سجناء لعصر تكنولوجي لا يرحم، كما تم تقديم شرائح زمانية ومكانية وشخصيات هائلة تتصل اتصالا وثيقا بالفكرة العامة للرواية.

قضايا الجيل الجديد

عالجت الكاتبة الأمراض الاجتماعية المتفشية بين مراهقي هذا العصر، واستطاعت جَمْع كل هذه الأمراض ومعالجتها بكل اختزال، بدون أن يؤثر ذلك على خط سير الأحداث، وبدون إطناب يؤدي إلى الملل. ومن تلك القضايا التي تعرضت لها قضية خنق المرأة بسبب تسلط ذكوري مقيت، فها هو أخوها سامر من المقتنعين باضطهاد المرأة، وخنق حريتها، ومنعها من التعليم وحتى من أبسط الحقوق، هذه النزعة الذكورية السيئة ضد الأنثى لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تطور تكنولوجي، قبل أنْ يكونَ نتاج عادات وتقاليد موروثة. أمَّا القضية الأهم التي تناولتها الروائية بكل جرأة، فهي قضية التطرف والانحراف بدعوى التدين والالتزام، فيما هو بالحقيقة ليس سوى فكر متطرف همجي. وظَّفتِ الكاتبة قضية قمع المرأة، فهي الحلقة الأضعف، وهي الحلقة التي تدفع ثمن أخطاء الصنف الذكوري، هذا التوظيف الجريء تم توظيفه لخدمة الرواية وفكرتها الرئيسة، ولعل ضخامة الرواية، وتعدد شخصياتها، وتنوع مجالات اهتمامها، وتشابك الرؤى فيها، ربما أرهقت القارئ إلى حدٍ كبير.

درامية الشخصيات الثانوية

كان لإبراز الشخصيات الثانوية أثره المرجو، من حيث الحركة واللباس والباطن كالانفعالات النفسية، وما يتولد عنها من سلوك وتطور، أبرز الأثر في الكشف عن الدوافع الحقيقية الكامنة وراء تصرفاتها وأفعالها، ومثال ذلك تحول سامر شقيق سارة من حياة الكفاح والتفوق إلى التطرف والإدمان على الممنوعات. وفي هذه الرواية نلتقي شخوصا حسب طبقات مجتمع الرواية، فنتعرف على أبعاد الشخصية الخارجية والداخلية والاجتماعية، ونتعرف على طرائق تفكيرها وخواصها السلوكية، كما نلمح العلاقات المتبادلة على الفرد، والتناقضات والاتجاهات الفاعلة في تكوين الشخصية.

الزمن الروائي

انطلقت الروائية رفيدة شاهين من نقطة الحاضر، لتنطلق منها إلى خط الزمن المتباين، ويظهر ذلك جليا بالتداعيات والاسترجاعات للحديث، فتخلق تواصلا يستمر بالتدفق عند احتكاك الشخصية بأخرى. استخدمت الكاتبة أسلوب «الفلاش باك» في وسط الرواية تقريبا، لكن هذا الاستخدام لم يفد الرواية، وإنما تسبب بتشويش وتشتت لدى القارئ، ولو تم الاستغناء عنه لأعطى الرواية مذاقا آخر. وختاما نقول: لقد تمكنت الروائية من اختراق السطح إلى العمق، وتجاوزت الشكل إلى الجوهر، وهي بذلك أكملت معرفتنا المبتورة، من خلال تلك القوة التصويرية. وفي استبصارها الروائي، اخترقت رفيدة شاهين، على الرغم من حداثة التجربة النوافذ المغلقة لعوالم خبيئة لشخوص غائصة في أحداث تتصارع أو تتصالح، تتناقض أو تتوافق، تتشابك أو تترافق، ونكاد نتحسس حياتهم في تناقضها وصراعاتها، وفي اللحظة ذاتها، تتحول الأفكار من جهامة تجريدها إلى فاعلية تدغم في بنية الرواية.

الناشر / دار ومكتبة الكندي للنشر والتوزيع / ط1 / عمان / 2017م

٭ ناقد أردني

رواية «سجناء خارج القضبان» للمصرية رفيدة هشام شاهين: اختراق العوالم الخبيئة لأسرى التكنولوجيا

أيمن دراوشة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية