رواية سعد محمد رحيم «مقتل بائع الكتب»: الحياة سرديتنا الكبرى في تعقيداتها ومآلاتها المتناقضة

حجم الخط
0

 

يبني القاص والروائي سعد محمد رحيم عوالمه من الحكايات التي يعيشها هو، ومن ثمَّ البيئة التي يعيش فيها، غير أنه لا يروي حكاياته بواقعيتها، أو كما حدثت أمام عينيه، فهو وإن كان ينظر للحياة بشكل مغاير عمّا يراه الآخرون، غير أنه يغذي سردياته بغرائبيات ورؤى تجعل القارئ يبتعد تماماً عن الحكاية الأصل.
هكذا كان في أعماله السابقة «غسق الكراكي» و»ترنيمة امرأة.. شفق البحر» وغيرهما من الأعمال الروائية، فضلاً عن مجموعاته القصصية التي عرف من خلالها كسارد ماهر، له تجربته الخاصة.
في عمله الجديد «مقتل بائع الكتب» يعيد رحيم تقديم عوالمه بطرائق جديدة، فشخصيّة هذه الرواية غير تقليدية سعى رحيم لجعلها ممثّلة لجيل. وهي لا تنفرد بتقديم نفسها، عبر السرد، لقارئها، بل إن هناك أكثر من صوت فيها، فالآخرون الذين عرفوا تلك الشخصية عن قرب يتحدثون عنها أيضاً، وهؤلاء منهم من يتعاطف معها، ومنهم من يعاديها، ومنهم من يقف من تاريخها وأسطورتها بين بين، أما الحقيقة النهائية فتبقى زلقة تتنقل بين السطح والأعماق في مجرى تيار السرد. وعلى القارئ أن يمسك بها في النهاية إن استطاع.
تتكون دراما حياة شخصية الرواية الرئيسة وتنمو وتتصاعد عبر موشور أحداث العراق والعالم، منذ ستينيات القرن الماضي، وحتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. فمحمود المرزوق (اسم الشخصية المحورية) هو ابن تجربة سياسية واجتماعية ووجودية هائلة. لا يبدو حرّاً تماما في خياراته، على الرغم من محاولته أن يكون كذلك، وإنما نراه، في أحايين كثيرة، مثل دمية تتلاعب بها المصادفات والأحداث الكبرى.
في هذه الرواية استخدم رحيم؛ حسبما يتحدث لصحيفتنا، تقنيات فنون سردية وكتابية متعددة؛ اليوميات والرسائل والاعترافات والقصة والمقالة، وأحياناً حتى قصيدة النثر. مسار السرد لولبي يتضمن أنساقاً متباينة في آن معاً؛ التتابعي والاسترجاعي والموازي والمتداخل. والتفاصيل متشظية بحاجة إلى نباهة القارئ وفطنته. إلا «أنني كتبت الرواية بلغة حاولت أن تكون بسيطة، متجنباً المعمّيات. فليس ثمة راوٍ كلي العلم يحكي لنا عن كل شيء بوضوح مؤكد، وحتى الشخصيات تشكِّك ببعض التفاصيل التي تسردها. وتتكرر خلال الصفحات كلمات من قبيل (ربما، لعلّ، قد، لا أدري، لست واثقاً جداً.. الخ)».
يرفض رحيم الحديث كثيراً عن متن روايته، لكي لا يفقد القارئ متعته حين يشرع بقراءتها، غير أنه يؤكد أن القارئ سيعلم منذ البدء أن هدف روايته، وهو هدف الراوي الأول (الصحافي ماجد بغدادي) هو التحري عن أسرار حياة محمود المرزوق وملابسات مقتله في سوق مدينة بعقوبة شتاء عام 2010. من هنا سيعتمد الراوي بوصفه صحافياً، لغة غير مقعّرة، وشيئاً من تقنيات بناء الرواية البوليسية، فضلاً عن الحيادية في التعاطي مع المعلومات والوثائق التي يقع عليها بمساعدة آخرين.
في روايته هذه، يبدو رحيم وكأنه يستعير تقنيات روايته «غسق الكراكي»، وهو بهذا يعترف، مبيناً أن ثمة شبهاً في استعمال التقنيات بين «غسق الكراكي» و»مقتل بائع الكتب». فالأولى صدرت عام 2000، والثانية بعد ست عشرة سنة، لكن الأسلوب الذي ابتكره يختلف هنا. فموقع الراوي في روايته الجديدة ليس الموقع ذاته من الحدث الروائي في «غسق الكراكي». ففي «مقتل بائع الكتب» نادراً ما يعلّق الراوي الأول، ولا يكاد يعطينا رأياً تقويمياً بما يتوافر لديه من أوراق مدوّنة، أو بما يسمع عبر شريط التسجيل، أو من الآخرين عن حياة محمود المرزوق وموته. فهو الصحافي الذي يضمِّن الكتاب ما يحصل عليه ليقدِّمه إلى قارئه طازجاً. وما بين أيدينا ليس كتاب الراوي في شكله النهائي المكتمل. فهو لم يحسم خياره حول الشكل الذي سيعطيه لذلك الكتاب في ما بعد.. إن الفكرة الأولية التي ستتفتق في ذهنه حول طبيعة ذلك الكتاب في الصفحة الأخيرة من الرواية لن يقول لنا عنها شيئاً. ستكون تلك مهمّة القارئ، و»قد بقيت أحلم دائماً في أن يفكِّر القارئ بروايتي بعد فراغه من قراءتها، ولا أعلم إلى أي مدى وفِّقت في إبقائه مع تجاذبات هذه الرواية وتنافراتها».
في قراءة بسيطة لأعمال رحيم السردية، القصصية والروائية، يلاحظ أن أغلب شخصيات هذه الأعمال شخصيات مثقفة، تعي ما تريد، وتفكر وتنشط اجتماعياً وثقافياً، وهو يشير غالباً إلى هذه الاختيارات، قائلاً: «نعم، معظم شخصياتي المحورية مثقفة، أو على الأقل ذات تجربة في الحياة عميقة وواسعة، وحاصلة على قدرٍ لا بأس به من التعليم، والسبب كما أرى كي تكون مقنعة للقارئ وهي تفصح عن وجهات نظرها ورؤاها، وتكشف عن هويتها وتمضي في خضم صراعات الحياة».. مضيفاً: هناك من الروائيين من يأتي بشخصية شبه أميّة من الريف العراقي، مثالاً، ويجعلها تتحدث وكأنها إدوارد سعيد أو لطفية الدليمي.. هنا تفقد الرواية عنصري الصدق الواقعي والصدق الفني في الوقت نفسه.. هذا لا يعني خلو روايات رحيم من شخصيات شعبية لها حكمتها الخاصة وآرائها.. بالمقابل هو ليس مع إغراق الرواية بالأفكار المجردة والحوارات الأفلاطونية التي تنفِّر القارئ الاعتيادي، وتملِّل القارئ المتمرس. لكن لابد من أن تستبطن الرواية رؤية فلسفية تفعل فعل المصدر الضوئي غير المباشر الذي ينير مسار الفعل الروائي، حسبما يرى، ومن ثم عالم الرواية بمجمله.. و»شخصياً أحرص على تضمين رواياتي بشذرات من أفكار ترد على لسان الشخصيات تعكس خلفياتهم الاجتماعية والثقافية وتصوّراتهم، وتحفِّز ذهن القارئ على محاورتها.
وبقراءة هذه الرواية، يبدو محمود المرزوق بطل «مقتل بائع الكتب» وكأنه شخصية متقلبة! فلم بنى رحيم شخصيته الرئيسة بهذا الشكل، فيجيب قائلاً: محمود المرزوق هو اللامنتمي العراقي والعربي بامتياز، فهو يمثِّل صورة المثقف الحائر، القلق، السلبي إلى حد ما، المملوء بالتهكم، المتسائل من غير توقف، والمتقلب على جمر السياسة، على الرغم منه.. فمع أنه يهرب من بلده ويعيش شطرا من حياته في المنفى إلا أن السياسة تتقاذفه وتحدِّد مصيره دائماً هنا أو هناك.. فهدفه لم يكن واضحاً منذ البدء، ولذا أضاع بوصلته واتجاهه.. سيمرّ بتجارب حب خائبة، ويُعتقل، ويترك مدينته وبلده تسع عشرة سنة قبل أن يرجع إليهما بحلم آخر سيخذله أيضاً.. إنه اللامنتمي الذي يتأرجح بمواقفه وقناعاته، وهي قناعات هشّة في الغالب، بين الماركسية والليبرالية والوجودية والعدمية.
ومن الملاحظ، أن محمود المرزوق، لن يقول لنا بدقة أي نمط للحياة يرغب فيه، لكن في لحظة مزاجية غريبة ولافتة سيحكي عن طريقة الموت التي يتمناها؛ أن تحترق مكتبته، ومعها جثته، ولن ينال ذلك.. بل سيُقتل بطريقة دراماتيكية عبثية وغامضة.
بدأ رحيم قاصاً وأصدر أكثر من مجموعة قصصية، في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، غير أنه فاجأنا بإصداره رواية «غسق الكراكي» عام 2000 وتبعها بعد سنوات برواية أخرى، إلا أن رحيم لم يكتف بالسرد عالماً له، حتى بدأ اختصاصه في الاقتصاد يلح عليه فأصدر كتابه «استعادة ماركس»، ومن ثمَّ بدأ يبحث بمفهوم المثقف فأصدر «أنطقة المثقف»، ومن ثمَّ «روافد التنوير.. مرويات فكرية» حاول فيه قراءة العقلية التي أنتجت أهم المؤلفات في عصر النهضة العربية والعراقية، والشرط الزمني الذي أنتج هذه المرويات، وكيفية تلقيها من قبل المثقفين حينها. كما أصدر أخيراً كتابه «المثقف الذي يدس أنفه..» وهو الذي بحث فيه عن آليات التفكير وتشكل المثقف عراقياً، إلا أنه بعد هذه الكتب وغيرها يعود مرَّة أخرى ليصدر روايته هذه، وفي هذا يبرر رحيم: «حين تضيق بي الدنيا ألجأ، كأنني الولد الضال، إلى بيت الرواية الحميم.. الرواية واسعة سعة الخيال الذي هو أوسع من الدنيا نفسها.. يوماً ما قال ريجيس دوبريه؛ الاعتقال إنقاذ.. في حالتي الرواية هي الإنقاذ. فطوال نصف القرن الذي عشناه حصلت متغيّرات وتحوّلات وفظاعات من الصعب استيعابها وتمثّلها وتصويرها. وأظن أن الرواية، أكثر من أي فن تعبيري آخر، باستثناء السينما ربما، يمكنها أن تعيننا في هذا. فكلاهما (الرواية والسينما) بمقدورهما حمايتنا من الصدمات المتلاحقة التي نتعرض لها، ومن نُذر الجنون المحدقة بنا».
ويؤكد رحيم أنه لم يغادر منطقة الرواية حتى وهو يكتب المقالة والدراسة النقدية والفكرية. وحتى حين استعان بمناهج التحليل والتقويم الحديثة بقي حسّ الروائي في النظر إلى العالم ملازماً له، في الوقت الذي أعانته تلك المناهج في الحفر أعمق، والكشف عن الطبقات التحتانية للأحداث والشخصيات في أُثناء الكتابة السردية.
وفي رؤيته الخاصة، فإن الحياة هي سرديتنا الكبرى بتعقيداتها وصراعاتها وتشعباتها ومآلاتها المتناقضة. والروائي هو المتورط الأكبر في خضم تلك السردية، أو هكذا يجب عليه أن يكون. وعليه أن يلتقط ما يلهمه لبناء سرديات موازية للحياة بوساطة اللغة، وباستثمار أساليب السرد الفنية. الحياة ما تزال بريّة، ساحة صراع وحشية، ولعل الرواية، أيضاً إلى جانب السينما، من أكثر الفنون التي ابتكرها الإنسان قدرة على فهم الحياة وترويضها وتسخير طاقتها وقواها لمصلحة البشر.

سعد محمد رحيم: «مقتل بائع الكتب»
دار سطور، بغداد 2016
216 صفحة

رواية سعد محمد رحيم «مقتل بائع الكتب»: الحياة سرديتنا الكبرى في تعقيداتها ومآلاتها المتناقضة

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية