عمل روائي جديد يضاف إلى تجربة الكاتب التونسي عمارة عمارة يأتي هذه المرة من دار زينب للنشر، التي يشرف عليها الشاعر مجدي بن عيسى. وسم هذا العمل بسفر الحرير وبغلاف مزج بين اللونين الأسود والأصفر، ويحمل وجوها معصوبة العينين وامرأة منكسرة… ومن الطبيعي أن يلقي بنا الكاتب انطلاقا من هذا الغلاف في مناخ متوتر سيرافقنا في هذه الرواية…ربما هو مناخ الدوار الذي وضعه في العنوان الثاني للرواية «كيف ينبت الدوار؟» إنها رواية قلق ودوار فعلا. قلق ذاتي وجماعي يتجلى في أبرز المكونات وسنتوقف في هذا النص عند الراوي والخال والكاتب فلكل منهم قلقه الخاص.
الراوي الديكتاتور
يغلب على السرد ضمير المتكلم فالراوي مشارك في الأحداث وممسك بخيوط اللعبة الروائية، فهو يتكلم انطلاقا من زاويته الذاتية معتمدا أسلوب التداعي ونقل ما يدور في داخله، وهو ما جعله يهمش بقية الشخصيات السردية الأخرى التي لم تنل اهتماما واسعا، بل كانت مجرد شخصيات عابرة وذات وظيفة تكميلية تخدم شخصية الراوي.
ويبدو الراوي متمردا وغاضبا ففاتحة الرواية كانت فصلا بدا فيه حاد الطباع ومتحديا للجميع، «كل من أراد أن ينسحب من حياتي فلينسحب… وكل من يرغب في نسياني فخيرا يفعل يكون قد خدمني بذلك خدمة العمر فقط بهدوء إذا أجاب…» ص9 هذا الخطاب المتمرد والهائج استمر في الفصل الأول، من دون أن يلمح لمكونات سردية أخرى كان صورة داخلية للراوي لم يحرص فيها على إظهار طهارته ونبله، بل كان يكرس القطيعة مع الراهن، «أنا المستهتر أعرف أنني بذيء وحزين ومارق على حدود اللياقة دون الآخرين، أولئك المتحضرين المهندمين الحريصين على انتقاء العبارات المنمقة… لكنني لست قذرا ولا لصا ولا مرتزقا أو قاطع طريق فقط….». ما من شك أن الحديث عن الراوي في هذا المستوى يتعلق بدوره السردي، لكن الحديث لن يكتمل الا بتتبع صورة الشخصية التي جسدها وهي شخصية الخال…
الخال المتشظي
يتقمص الراوي شخصية الخال، وهي شخصية متذمرة تعيش الفراغ والضياع ولا تستقر على حال وتمارس الهروب من الواقع والراهن، وقد أخذ هذا الأمر أشكالا عديدة مثل الهروب من الوعي باحتساء الخمر، أو الهروب من الإقامة الدينية أو الهروب من الواقع المحلي بالهجرة إلى خارج البلاد…وقد بدأ ظهور الراوي بشخصية الخال في الفصل الثاني متحدثا عن علاقته بابنة أخته تسنيم، ومرافقته لها لتعلم الموسيقى، ثم تطرق إلى بعض تجاربه الحياتية التي امتزجت فيها الأسئلة والمحطات وانتهت بقرار الرحيل إلى الغرب ومفاجآت لحظة الرحيل التي تميزت بظهور إحدى حبيباته برفقة زوجها… لقد كانت نهاية الرواية لحظة تطلع إلى غد، ولكنها جسمت التشتت الذي يعيشه الخال «تراوح أفكاري المشتتة في مساحات هشة أفكر في تسنيم وهي توصيني بالمحافظة على المفكرة وعلى نفسي، أفكر في ليلى وهي تودعني بصمت عجيب، أفكر في رحاب وهي تغص بكلمات كثيرة تريد البوح بها لكنها تخاف ردة فعلي فتكتفي بالدموع، أفكر في لطيفة وكيف دست في جيبي عنوانها الوحيد الذي سيتبعني، ثم غابت من جديد، أفكر في المنديل قطعة الحرير التي تنام الان بعطرها في حقيبتي» 113
الكاتب المهموم
وسط هذا المناخ يتخفى الكاتب عمارة عمارة ويحاول أن يلهب الرواية ببعض همومه ومشاغله، فهو حينا يعرج على الوضع العربي وحينا على المشهد الثقافي في البلاد وغير ذلك من المسائل الجديرة بالاهتمام، فها هو ينفذ إلى الاحتفاليات العربية بالقضية موجوعا وساخرا «الجدران اكتست بالمعلقات، صور ونصوص توثق لحقبة طويلة من الصراع الدامي والمرير، رايات فلسطين التي تدخل دائما في نفس تسنيم إحساسا عصيا على التفسير تكاد تكون في كل زاوية وركن… قالت ليلى إن كثيرا من الوجوه قد أمت اليوم هذا الفضاء على غير العادة، كثير منهم يتقن كيف يظهر خلقته أبان المناسبات الوطنية ليسجل وجوده في الذاكرة الجمعية بملاحظة مناضل دائم الحضور…»71 وها هو ينبش في واقع المشهد الثقافي، «اتصلت ليلى بعد أن عدت إلى البيت جلست طويلا إلى سماعة الهاتف تحدثت بمرارة عن المتطفلين على الثقافة عن الذين يسعون إلى غزو المؤسسات الثقافية والنقابية، كما وصفتهم…» 83
سفر الحرير «كيف ينبت الدوار»: عمل روائي حاول صاحبه أن يخترق زوايا صمت عديدة وأن يعبر عن قلق كبير متجها نحو التحرر من الرواية الكلاسيكية حاملا للكثير من الهموم الاجتماعية والسياسية، وهي سمة من سمات كتابات عمارة عمارة التي يحاول فيها الاشتباك مع الواقع والاحتجاج عليه…..
– رواية «سفر الحرير» عمارة عمارة ـ دار زينب للنشر تونس
كاتب وناقد تونسي
رياض خليف