لندن ـ «القدس العربي» من أنور عوض: «سلاطين رحيل هائم» عمل روائي صدر أخيراً للكاتب الفلسطيني أحمد ذكرى متضمنا سردا قديما وجديدا معا، بل ابدي الوجود كلسان حال بطل الرواية الصادرة عن منشورات ضفاف: «الطائرة مثل مركب في بحر، ذاك يحمله الماء وتلك يحملها الهواء، أتخاف من ركوب البحر قلت لا. أجاب لأنك منذ خلقت مشدود إلى الأرض التي جئت منها، بعدها زال خوفي». هكذا يحكي «حيان» في الرواية وجد بعض علاج لخوفه عندما يسافر بالطائرة ولكن لم يجد حلا لسفره بين عالمين مختلفين.
قبل أن تفتح عوالم الرواية تشدك لوحة الغلاف الأمامي لرواية «سلاطين.. رحيل هائم» وهي للفنان نزار علي بدر، لوحة تشي لك بعوالم سفر وترحال طويل، هي لأسرة صغيرة تتشكل من قطع حجارة مختلفة الألوان والأحجام مشدودة لبعضها بعضا ككتلة متماسكة وكأنها تعلن إلى أي أرض ينتمي ذلك السرد الذي بين ضفتي الغلافين، لوحة تفصح عن كيف هي متعمقة تلك الأرض في تلافيف الذاكرة والروح لكل من يبتعد أو يبعد عنها. وجذر أصله باق عليها مهما ارتحل، وكأن تلك الفواصل الصغيرة بين قطع الحجارة تومئ بان بطل الرواية يعيش حالتين منفصلتين، ينفصل عن كل شخصية ولكنه لا ينقطع عنها تماما، ليس كحال «دكتور جيكل ومستر هايد»، فالامر هنا بسبكه القصصي جد مختلف، الانفصام هنا حالة شخص «حيان» يعيش زمانين في وقت واحد «رجل من شطرين، شطر موغل في ماضيه وشطر يتنبأ بالمستقبل» كما تقول عنه حبيبته «ريحانة».
وكأنما يريد الكاتب أن يصارحك وأنت تقرأ أن هذه الرواية عن الأرض، إنه يريدك أن تمضي بخيالك وأنت تقرأ ما هو مقبل من أسطر الرواية، وما يعيد التاريخ إلى ذاكرتك العربية التي أصابها وهن ما يجري، وتمعن الرواية في شرح الجغرافيا وتاريخ صراع القوى العظمى.
ويدلف بك المؤلف إلى خلاصة سحرية تجمع ما بين الأرض والإنسان وما بين الاثنين من قضية ارتباط أبدي، حتى يتسرب إليك إحساس ما وأنت تقرآ عن «سلاطين» ذلك البلد الصغير الجميل ذي الطبيعة الخلابة «فيه البحر والنهر والجبل والبحيرة والصحراء، يقطنه شعب مسالم آمن بفضل تعايش أديانه الثلاثة منذ القدم. شاء حظه العاثر أن تمنحه القوى الصاعدة وهي تقتسم العالم النامي إلى خليط من بشر جامعهم الأوحد هو الدين وذلك كتعويض لهم عن ظلم حاق بهم من قبل إحدى هذه القوى، لخلق دولة في وسط غريب عنهم جذريا».
«حيان» أو «نبيل» بطل الرواية يعبر بتفاصيل ميلاده وحياته تدور حول العبارة المدهشة ذاتها، مزيج عشقه لأرضه وحبيبته التي عليها، وبندقيته العتيقة «لم يكن هذا أول ترحال لك، وربما ليس الأخير»، ما أقصر العبارة وما أوسع ما تفتحه من عوالم وتاريخ، بل حتى عندما اختار أن ينضم للمقاومة حمل معه معاني متلازمة، القضية والأبدية، وهو يردد لنفسه «إن المناضل هو حب بلا نهاية، من لا يحب لا يتقن النضال الحق».
ويمثل بطل الرواية تقلبات أجيال عربية بين إيديولوجيات مختلفة في حقب متباينة، ولكنها غير منفصلة، عبرت كل واحدة منها بفكرها وتركت بعض أسئلة عن أين مركز القضية وإلى أين منتهاها؟ كما تتميز الرواية بانتقالات سردية غير متوقعة ومربكة أحيانا، وقد تبدو متداخلة ومشوشة للذهن، إن ركن للخمول، بينما هي في حقيقتها موضوعية ومتسلسلة، وكل مشهد منها يحمل أسئلة مشرعة في كل مكان، أسئلة وجودية يمسك طرف الواحد منها بعشرات لاحقة تمضي بالقارئ إلى فضاءات فلسفية عميقة، لتتدحرج بك ومعك نحو مرحلة الشك في صدقية الأشياء والأسماء والمعاني، ومن ثم ربما الكفر بها وبجدواها من الأساس .هي دوامات من الأسئلة التي تطفو ولا تغرق، ربما شعور القارئ بما هو غير متوقع وغير مرتب. يقارب توصيف بطل الرواية في إحدى زوايا السرد وهو يجيب على سؤال رفيقه «زاحم» ذلك السؤال الذي يختصر كل شيء. يسأله: أعلمني بربك من أنت الآن؟ فيجيبه « لست أدري حقا من أنا، لقد تعبت وأشعر بجروحي تتفتح. كم بودي لو أخرج من جلد جسدي ولا أعود إليه. دعني أحاول سرد أين تقودني قدماي واعذرني إن بدا كلامي غير منطقي، أو ليس بالترتيب الذي اعتدنا عليه. فأنا أصف ولا أعلم شيئا عما أصفه».
الرواية بعناوينها المختلفة وأزمانها وشخوصها تمثل استدعاء لمجموعة القيم الفكرية والدينية وكذا الأعراف في المنطقة العربية تعبر جميعها خلال شخوص الرواية فتتم محاكمتها هنا، وتكشف نتائجها هناك، ترسم محطات انتقالات النضال على أرضية من التزموا بفكر اليسار إلى أرضية من رأوا في الدين مدخلا للسياسة، وتعكس حوارات رفاق النضال من أجل الأرض بشتى اختلافاتهم، عاكسة الواقع من دون زيف، فقط مجرد حقائق تاريخ صبغت بأكثر من لون، حتى كاد ذاك الواقع الأصيل أن يفقد خاصية اللون نفسها.
وفي رواية «سلاطين رحيل هائم» يلخص «نبيل» أو «حيان» في إجابته لحبيبته «ريحانة» عندما تسأله عن انتقالاته من كاره لأصحاب السلطان إلى متفهم، فيقول «بلداننا قسمان جمهوري وملكي، في فترة المد القومي بعد ضياع «سلاطين» نصبت الأنظمة الجمهورية من نفسها المدافع عن الشعوب، المقاوم للاستعمار والأنظمه العميلة له، وإذا بكل بلد جمهوري يتحول إلى مزرعة لحاكم فرد يعتبر شعبه قطيع ماشية مسخرا لخدمته وخدمة من حوله.
الأنظمة الملكية وهي ليست أفضل حالا ظلت على ما هي عليه اسما على مسمى دونما زيف لا يحكمها ملك أو سلطان أو أمير كفرد مطلق، وإنما خلال مجلس عائلة واسع «ويضيف بفلسفته وتجربة عوالمه الاثنين» أنني تحررت من أسر الشعارات الكاذبة والقوالب الجوفاء.
أنا راض عن نفسي إذ صرت أرى الصورة كاملة على حقيقتها ورميت الأحكام المسبقة خلف ظهري».
«سلاطين رحيل هائم» رواية تشـــرح كيف تتحول نوايا المناضلين الحسنة إلى تربص وتوحش، وكيف أن صراع الفصائل التي تقاتل وتناضل من أجل استعادة الأرض رهينة هي الأخرى بتغيرات النفـــوس وموازين القوى واختلاط أهداف المناضلين بما ترغبه دول الاستضافة، بل ورضوخ الأخيرة في بعض الأحيان إلى ضغوط خارجية تفعل فعلها في قضاياها الداخلية.
إن الرواية تشرح أبعادا لتكتيكات المقاتلين الساسة أو الساسة المقاتلين، حيث يبدأ الصراع بين الفكر الثوري والبندقية، بينما الأرض تنتظر أهلها العائدين بانتصار منتظر، «سلاطين رحيل هائم» ترسم مشاهد ومواقف تحول الرفيق إلى غريم لسبب ما إيمانا بقاعدة «إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب»غض النظر عما تظهره لبوس الثورة أو لبوس الدين.
الرواية تقع في 407 صفحات، رواية تسرد رحــــيلا بلا نهاية كما قال راويها، غير أنه رحيل في اتجاهين، تاريخ ومستقبل وفي الحالتين بالنسبة لـ«حيان» لا نهاية.
ما يلخص تباعد الزمان والمكان بين شطري البطل «حيان» ما وصفته به حبيبته وهو يغادرها محزونا إلى اللامكان واللاعنوان «أما حيان فقد كتب عليه ألا يعثر على نفسه إلا حين يلتقي الشطران وما كان أصعب ما يلتقيان».