رواية «شارع بودين» للسوري عبد الحكيم شباط… الذاكرة والموروث واللحظة الراهنة

حجم الخط
2

مع تنامي الجدل في الثقافة الألمانية حول دمج المهاجرين من البلاد العربية والإسلامية، ومع تدفق عشرات الآلاف منهم بسبب الصراعات الدامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعلى واقع الاختلاف في الرؤى القيمية والاعتقادية والسلوكية، ما بين اللاجئ وبلد اللجوء، صدر في برلين مؤخرًا، عن دار الدليل للطباعة والنشر، رواية «شارع بودين»، للكاتب عبد الحكيم شباط. وهي رواية تحفر في الذاكرة والموروث، لتبين أثرهما في تشكيل وعي الفرد الحاضر، ووجدانه. تبدأ الرواية باستحضار البطل لذكريات الطفولة في قريته، حيث يتشابك في ثقافتها الشعبية الموروث بالخرافة. تلك الخرافات التي تكون في البدء مجرد أفكار ساذجة أو تصورات بسيطة عن الكون والحياة، إلا أنها تتراكم عبر الأجيال، فتشكل أبنية معرفية معقدة، وصيغا رمزية سحرية، تكتسب تأثيرًا نافذًا على وعي الإنسان ومعتقداته، ولا يقتصر تأثيرها على البسطاء، بل على المثقفين كذلك.

أبطال عاديون

في «شارع بودين»، يأخذنا الراوي إلى عالمٍ يسكنه أبطال من نوعٍ جديد، فالأبطال هنا ليسوا فرسانا وحسناوات يناضلون من أجل الدفاع عن حبهم أو أشخاصا يكافحون لبلوغ القمة في الجانب المهني. كما أنهم ليسوا أبطالا على شاكلة ما تروج له وسائل الإعلام في الوقت الحاضر، كما يصفهم الكاتب: «مجموعة من مخنثي دور السينما وصالات الأزياء ومرتزقة الإعلام والسياسة والدين»، بل على النقيض من ذلك، فإن أبطال هذه الرواية هم أشخاص عاديون يحييون حياة عادية، فالشخصية الرئيسية خادم أو عامل نظافة في دار للرعاية النفسية، ولم يذكر لنا الكاتب اسمه أو مولده ولا حتى وطنه، المُرسَّم بالحدود السياسية، وكأنّه أراد أن يقول لنا: ها أنا الإنسان المتحرر عبر المكان والزمان من أعباء التحزبات أو الانتماءات الضيقة.
ورغم أن عنوان الرواية: «شارع بودين»، جاء يحمل اسم حي شهير في برلين، بات يعج بالمهاجرين من المجتمعات الشرق أوسطية، إلا أن «عامل النظافة» ذلك أو من قد نطلق عليه اسم السندباد، فإنه من خلال حواره مع شريكه في العمل المدعو «سركيس»، يحط بالقارئ في كل يوم عمل جديد في غرفة جديدة، لندخل معهما في عوالم متنوعة، تمتزج فيها الشخصيات التاريخية، بالشخصيات العادية، وتتداخل فيها الأحلام بالواقع، ويرتحل بنا إلى عوالم الفلسفة، والتاريخ، والأدب، والموسيقى، بل وعوالم الجمادات والأشجار والحيوانات. ففي عالم يشبه عالم «كليلة ودمنة»، يقص علينا الحكيم «دودي» ـ الكلب المدلل، ذي الأصل الإنكليزي الارستقراطي المزعوم ـ رأيه في تاريخ الإنسانية الموسوم بالعنف والأنانية، ثمّ في موضع آخر نجد جذع شجرة السنديان يعبر الرحلة ما بين الحياة والموت، عبر دورة الفصول المتجددة، ويصف لنا نظرية الإيمان ـ من موقعه في الوجود.

دوجما الحقائق

إن بطل الرواية الذي كان يحترف دراسة الفلسفة وتدريسها في وطنه، ثم تدفعه ظروف المنفى في برلين، لأن يعمل في مهنة النظافة، نجده يحذرنا مع بداية الرواية من الكتب، ومن أن تتحول أفكارها إلى مسلمات مقدسة، تتغول، فتكبح فينا القدرة على تجاوزها، وتميت فينا موهبة إبداع الجديد، فنجده ينصحنا بأن نتخلص من الكتب بعد الاطلاع عليها، بأن نمزق صفحاتها، وإلا أطلقت بخورًا مخدرًا لعقولنا.
فنحن أمام رواية فلسفية، تنتقد كل ما من شأنه أن يفرض الوصاية على العقل الإنساني، وكل ما من شأنه أن يحارب حاجات الإنسان النفسية والعاطفية. ثم إن الكاتب يرى أنه بسبب نزوع العقل البشري إلى افتراض الأنظمة الثابتة، وخلق الحدود، والزعم بوجود حقائق مطلقة، يمكنها أن تعطي للوجود معنى متماسكا أو كما يسميها الراوي «النقاط الصلبة في المستنقع الرخو»، فإننا بسبب ذلك النزوع وقعنا فريسة تسلط رجال الدين والسياسة، الذين يؤكدون مصالحهم من خلال مزاعمهم الواهية، بوجود حواجز وأسوار وحدود تقسم البشرية إلى أديان وطوائف ودول.

تجربة كارل

يعود الراوي بين الفينة والأخرى إلى شارع «بودين»، حـــيث يعيـــش «كــــارل»، أحد أبطال الرواية الرئيسيين، وحيث تعيش هناك الجالية المسلمة في برلين، فنشــهد تحول كارل المسيحي المحافـــــظ إلى مسلم متدين، عند تحول كنيسة الحي إلى مسجــــــد «بقدرة قادر»، وبطــريقة سحرية كوميدية، ولم يكن ليحتاج كارل لأكثر من تغيــير ثيابه الغربية، لجلباب طويل ولحية طويلة ليتحـــول لمسلم نمــطي.
ومن خلال تجربة كارل في التعـــرف على دينه الجـــديد، فإننا سنكتشف معًا الحال المزرية التي عليها رجال الدين، من نفاق وسعي لجمع المال، والفساد المالي والأخلاقي الذي عليه حال من يتولون إدارة المراكز، والأحزاب، والجمعيات الدينية، كما نشهد تجاور ثقافة المهاجرين وعاداتهم إلى جانب ثقافة المجتمع الألماني، حيث يتم تسليط الضوء على قضايا عدم احترام النظام، والتحايل على القانون، ونشر الفوضى، وعدم الاهتمام بالنظافة العامة، واستخدام العنف في تربية الأبناء، ويُبرز لنا المشهد حال المرأة العربية المنشغلة في فنون الطبخ، وفي إنجاب الأطفال؛ للحصول على قدر أكبر من المساعدات الاجتماعية، فتهمل تثقيف نفسها، والعناية بجسدها، مقابل تلك الأوروبية المنشغلة في تحقيق طموحها الذاتي وتأكيد استقلاليتها عن الرجل، فتنسى في خضم انطلاقها اللامشروط، أنوثتها، لتصحو من حلمها الوردي، فتجد أن قطار العمر قد فاتها، وليس لديها زوج أو أبناء.

تزييف الوعي

ثمة قضية تشغل الكاتب من بداية الرواية إلى نهايتها، وهي قضية تزييف الوعي المعرفي للأجيال والمجتمعات، وأن الكثير من المعارف التي يتم معاملتها على أنها حقائق لا تقبل الشك، ليســـــت في واقع الأمر أكثر من افتراضات أو وجهات نظر تخدم فئات معينة، وقد تم التواطــــــؤ على اعتــــبارها قضايا لا تحتمل النقد، ويتوجب الخضوع لها، والتسلــيم بها.
وهذا المعنى يوضح لماذا أراد الكاتب لروايته أن تحمل على الغلاف اسم «رواية نقدية»؛ إنها دعوة للانفتاح على الآخر، وفلسفة تتمرد على كل سلطة زائفة، وتأكيد على أن سلطة النقد فوق كل سلطة، وأن إنسانية الإنسان لا تتحقق إلا بامتلاكه لعقلٍ حر، مؤكدًا كلمات الفيلسوف برتراند راسل، حين يقول: «العقلُ الحرُّ، يرى ما قد يراه الله، بدون التقيد بمكانٍ أو زمانٍ، وبدون آمال أو مخاوف، بدون عوائق العقائد العادية أو الأحكام التقليدية … إنّه يجعل منّا مواطنين عالميين لا مواطنين في مدينةٍ واحدةٍ، محاطةٍ بأسوارٍ مُحكمةٍ، وهي دائبة الخصام والحروب مع الآخرين».

٭ كاتبة مصرية

رواية «شارع بودين» للسوري عبد الحكيم شباط… الذاكرة والموروث واللحظة الراهنة

أماني الصيفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية