يهدي الكاتب العراقي نزار عبد الستار، روايته «يوليانا»، الصادرة عن دار نوفل/هاشيت أنطوان هذا العام، إلى «من حملوا الصليب وخرجوا من الموصل في 19 تموز/يوليو2014»، ساردا مصائر جيلين من مسيحيي العراق، جوجو الأب وابنه حنا، وترحالهما بين بلدة كرمليس ومدينة الموصل، ومتتبعا تحولات العالم من حولهما بين عامي 1929 و 1983.
تبدأ أولي خطوط الراوية مع توقف سيارة رئيس وزراء المجر السابق، الكونت بول تلكي، الموفد من عصبة الأمم في مهمة لتقرير مصير الموصل، في بلدة كرمليس بغرض التنزة لا أكثر. تنتهي زيارة الكونت المتخفي في زي مبشر بروتسانتي، لكنيسة البلدة وضريحي القديسة بربارة وخادمتها يوليانا، بتسجيل قناعته بأن الموصل وبلداتها تابعة لتركيا لا العراق، إلا أن مصير الموصل التي تنازلت عنها تركيا للعراق في النهاية، يبدو كمصائر شخوص الرواية أيضا، التي تشكلها أيادي غيرهم من العابرين مصادفة أو عن قصد. لا يغير تقرير الكونت شيئا في جغرافيا العراق الوليد، لكن تشكيكه في امتلاك أهالي كرمليس لرفات القديسة يوليانا، يقود لرد اعتبارا لإيمانهم المجروح، ويصل حارس الذخائر المقدسة من روما، على عجل، ومعه عظمة حقيقة لقديستهم، مختومة باسم النائب العام لقداسة البابا. وفي تلك الليلة المباركة، يولد «جوجو«، وينال بركة الموفد البابوي، عسى أن يعفيه الرب من عاهة العظام وعلة النطق وقبح الشكل التي توارثتها عائلته على مدى ألف عام.
لم تنفع بركة حارس الذخائر الإيطالي، في إعفاء جوجو من لعنة الوراثة وتشوهات الجسد، لكنها ربما منحته ذلك الإيمان العميق في رسالته الربانية. يتجول جوجو في كرمليس ليعظ المؤمنين، ويوزع بركاته السريعة على الفلاحين وأصحاب المتاجر، ويتدخل بصليبه الفضي ليمنع وقوع الأثم، متلقيا الشتائم والركلات وضربات الأحجار في انكسار وألم لا يعزيه عنه سوى البيضات المسلوقة التي تعطيها له شمونيا التي تحبه في صمت، وكلمات القس يوسف كوماني، الذي لا يتزعزع إيمانه في نعمة معرفة لغة الأشجار التي منحها الرب لجوجو.
وصل إلى البلدة غريب آخر، إسماعيل دنحا، ممثل شركة ساس الأمريكية العراقية. جالبا إلى كرمليس، ابنته آراسيا، وقصر حجري باسمها، وخطط لتطوير الإنتاج الزراعي في البلدة، وشراكة مع أبلحد بابكا الذي افتتح متجرا لمنتجات ساس وكازينو في وسط البلدة. لم يعد ما يؤرق، قديس كرمليس الأبله، شرور السينما والروك آند رول التي يخشاها القس كوماني لأسباب لا يفهمها هو، والأموال التي تذهب إلى جيب الشر في الكازينو الجديد، ولا حتى رفض خورنة الكنيسة منحه رتبه الشماس، بل الرسالة التي أخبره أبلحد أنه تلقاها من المؤمنين العراقيين في ديترويت في أمريكا، والتي يسألون فيها عن القديس الجديد الذي ظهر في كرمليس. نجح أبلحد في إقناع جوجو بالهجرة إلى أمريكا التي تبحث عن مخلص جديد. يرحل جوجو في النهاية من بلدته التي لم تعد تشبه ما كانت عليه، لكن ليس إلى ديترويت، بل إلى الموصل، حيث يكمل أبلحد خدعته، ويزوجه لابنته المنغولية روز.
بخروج جوجو إلى الموصل، تتحول سردية الرواية عن كثافاتها وتشابك أحداثها وشخوصها الكثيرة إلى تداع محبب في رتابته وبساطته، يخفت حماس جوجو النوراني، ويتحول إلى أفضل خياط في المدينة، وينال عطف بتول، المومس، التي تعرف الموصل كلها مهنتها إلا هو. تلد روز لجوجو ابنهما الأول حنا، في العام نفسه الذي تزوجت فيه شمونيا، حبيبته السابقة، موظفا مرموقا في القنصلية الفرنسية وتغادر هي الأخرى إلى باريس.
لا يرث حنا من جوجو تشوهاته الجسدية وبلاهته فقط، بل أيضا عطف شمونيا الذي أصبح زوجها السفير الفرنسي في بغداد، والتي تنجح في إعفائه من الخدمة العسكرية بخطاب موقع من رئيس الجمهورية، صدام حسين، شخصيا، وإرساله للعلاج من السل في دير الربان هرمز، الذي يظهر له في صورة طبيب ويشفيه، وكذلك يرث علاقته بمومس أخرى، هي ياسمين ابنة بتول، التي يعمل لديها ويعيش معهافي بيتها ويقع في غرامها. في زيارة أخيرة لكرمليس، تحدث المعجزة الثانية لحنا، وتظهر له يوليانا، التي ترحل هي الأخرى عن البلدة، منتقلة إلى العيش معه ومع ياسمين مباركة علاقاتهما. تنتهي الرواية برسالة يكتبها حنا إلى شعب كرمليس معتذرا لهم عن عدم استطاعته إقناع القديسة يوليانا بالعودة إليهم.
بين زيارات الغرباء التي ترسم مصائر البلدة المتخيلة، وترحال أهلها وقديسيها منها، يغزل الكاتب عالم مع سحريته المعجزية، يظل متجذرا بعمق في واقع العراق وماضيه وتحولاته السياسية والاجتماعية. لا يسقط نزار عبد الستار في غواية الخطابة السياسية، والتحليل الاجتماعي والتاريخي المباشر لتبدلات المجتمع العراقي. ففيما تحمل إشارته العابرة عن أحداث الانقلابات وتغير الأنظمة والحرب مع إيران وصدام وطارق عزيز وغيرهم خفة، لا تفسد نعومة السرد إلى الحد الذي تبدو معه السياسة غير ذات صلة بأحداث الرواية، إلا أنها تترك القارئ مطاردا من السياسي واطيافه المختبئة ببراعه داخل طيات حبكته. تنساب الأحداث بين أحابيل ثيمات التنافس السياسي بين القوى العظمى، وبين كنيسة روما والبعثات التبشيرية البروتستانتية، والمواجهة بين التقليدي والحداثي، الإيمان والعلم، سلطة الكهنوتي وبراءة الصوفي، الريفي والحضري، الديني والدنيوي، من دون خدش لبراءة أبطالها وقسوتهم أو تشويش على استغراقنا في سحرية تفاصيل حيواتهم الهشة. لا تطرح «يوليانا» حنينا إلى ماض أجمل متخيل، ولا مرثية على مآسية، بل تترك القارئ، متسامحا مع ذلك الماضي مع قسوته، وقابلا بمغادرة براءته من دون ندم. هكذا فإن كانت «يوليانا» هي رواية عن الرحيل، إلأ أنها لا تعدمنا أملا في أن «الخطيئة هي رحم الخير…وأن الطيب يخرج من السيئ».
كاتب مصري