«رواية فرانكشتاين»… كيفَ يصطنعَ الواقعُ خرافة؟

ليس جديدا أنْ تصطنع الدراما خيالها من قلب الواقع المعيش، ولاسيما بتأثير فكر ما بعد الحداثة حيث العمل على كسر اليقينيات والثوابت، ولعل الفيلم السينمائي الذي أنتجته هوليوود مؤخرا بعنوان (Ruby Sparks) كتابة زوي كازان وإخراج جوناثان دايتون وفاليري فارس، ينطلق من هذا الافتراض الذي تتحول فيه الشّخصية المصطنعة من خيال صانعها/المؤلف إلى حقيقة على غرار خرافات الحكايات القديمة «القلم السحري» لتدرك هذا التحول وتتلقى تأثيراته، وهو أمر يتناغم فعليا مع فلسفة المجتمع ما بعد الصناعي، الذي أكد المفكر جون ر. سيريل، وهو بصدد محاورة مقولاته المعرفية، أنّه يحقق وجود واقع موضوعي خاص بمكونات العالم المادي من غير الإنسان، إذ يتألف هذا الواقع من جسيمات مادية داخل مجالات مترابطة واعية على شاكلة العالم البشري، وقد أسهم ذلك في إمكانية التفكير الفني بتحويل المخيلة التي تنتجها الظاهرة الذهنية ومنها الخرافة إلى حقيقة.
ولعل رواية «فرانكشتاين في بغداد» (2014) لأحمد السعداوي، واحدة من الأعمال الفنية العربيّة المعاصرة، التي اتخذت من أسلوب الاصطناع منطلقا لها بوصفها نسخة مغايرة تناصيا ومعرفيا لنص روائي كلاسيكي هو «فرانكشتاين» لماري شيللي، ولكي تجعل من اصطناع هذا الأنموذج الخرافي مغايرا لــ(النّسخة الأصل) ذات الطابع الخيالي العلمي، المرتبط بتطور المجتمع الرأسمالي في عصر الصناعة، عمدتْ إلى تصنيع خرافتها ممثلة بالشخصية المسخ (الشسمة) من واقع حقيقي تمظهر نتيجة ظرف تأريخي ثابت هو الحرب والاجتياح العسكري لبغداد، وما ولده ذلك من عنف، وهذا يتحدد بكون النّص الروائي ما بعد الحديث يتبنى نزعة مضادة للواقعية المباشرة، تتبين على هيئة اعتناق للحكاية ما وراء الخرافة وتأسيس قوانينها على غرار القانون الواقعي، ثم صوغها بذاكرة أدبية تصطنع الأشياء أكثر من استرجاعها، فهي تبتكر أوصاف عالمها الفعلي؛ لإنتاج واقع مستقل عن منظومة مفاهيمنا التي تناظر في ذاكرة المبدع الوجود المفترض فنتازيا، حيث التشكيكُ بالعالم الذي تنتمي إليه الحكاية للوصول إلى الاحتمالات والآفاق جميعا، بغية إعطاء معادل فني لما يحدث في قوانين العالم الحقيقي، وإذا كانت النسخة الأصلية «فرانكشتاين» قد تبنت سرديا النّمط الرّسائلي منذ البدء بمدخل وسمته بــ(LETTER) ((To Mrs.Saville، England…))، فإنّ النسخة المصطنعة «فرانكشتاين في بغداد» تمظهرت ببناء نمط ما وراء السّرد المتجسد بكتابة رواية داخل الرواية عن الكائن المسخ الشسمة/فرانكشتاين معتمدة بذلك تقريرا سلطويا للمؤسسة الحكومية: (تقرير نهائي)- سري للغاية «تم العثور مع «المؤلف» على نص لقصة كتبها بالاستفادة من المعلومات المتضمنة في بعض وثائق دائرة المتابعة والتعقيب»، فإنتاج الحكاية بنسختها العراقية تمحورتْ حول واقع إنتاجها الذي رفضته باللجوء إلى حتمية إنشاء خرافة من قوانينه الطاغية، إذ تُنتَج الأجساد وتتناسل من أديم أجساد سابقة ممزقة بفعل العنف، وأنّ صانعها -هادي العتاك- شخصية بوهيمية جاهلة تُصنِّعُ الافتراء وتختلق كذب الحكايات، وتعمل على تجميع الأجزاء البشرية لا لسبب علمي، بل وجودي متعلق بطبيعة الحياة وواقعها المرير؛ لتظهر مصادفة نتيجة هذا التجميع نسخة (الشسمة) أو (فرانكشتاين) بسماتها المُغايرة بحثا عن الانتقام الرمزي من صانعي الموت، يصف ذلك السّارد العليم الذي شغل جزءا واسعا من الرّواية: «كانت المساحة مشغولة بجثة عظيمة. جثة رجل عارٍ تنز من بعض أجزاء جسده المجرح سوائل لزجة فاتحة اللون…عليه أنْ يخيط الأنف حتى يثبت في مكانه ولا يقع».
إذن هناك سياسة ما بعد حداثية للنص في تمثيل السّرد، وتحديدا في فضائها الزّمني ووعي الحكاية، فهي تحقق تزامنا بين زمن السّرد والزمن الكولنيالي المُمَثَل بدخول القوات الأجنبية لبغدادَ، وشيوع الفُوْضى والقتل المجاني نتيجة لذلك، فوعي الرّاوي (كاتب القصة) وذاكرته الذاتية في تأليف سرد الأحداث يجمعان بين وجود تأريخي وتمثيل خرافي متخيل، إذ أنّ التأريخ/الحرب/الاجتياح حاضرٌ مُشاهدٌ خالٍ من إحالات الماضي؛ لأنّ الماضي اختفى بعد أنْ رَسّختْ الذّاكرةُ الأدبيةُ بدلا منه الخرافة في النّص، فبدا تمثيل الخرافة المفترضة إلى جنب الحقيقة الواقعة نسقا نصيّا في اصطناع سردية مغايرة ليقينيات الحرب المعهودة في الأدب الرّوائي، أما وعي الحكاية فيتمثل بما يمكن تسميته بـتقنية (pastiche) التي يؤكد فردريك جيمسون على أنّها من أهم سمات إبداع ما بعد الحداثي، لكونها معارضة أدبية تعمل على تكوين محاكاة ساخرة لنماذج مستقرة في ذاكرة التأريخ الأدبي، أي المعارضة الخرافية التي وسمتْ الرّواية بكوميديا سوداء تمثلتْ بعلاقة (النّص اللاحق) بــ (النّص السّابق) وأضافتْ قطعة جديدة لهذه الأحجية المصطنعة خياليا لما فوق الواقع بموت شخصية الفرد البرجوازي الذي أنتجتْه المدينة وأبدلته بخرافة المسخ المنتقم أو المنقذ، والحقيقة أنّها تمثل المعرفة الأدبية المُنْتَجة بفعل كولنيالي، كونها تبلور الثقافة الغربية المترسخة بتأثير الآلة الحربية بشكل خطاب تلتحم فيه القوتان السّياسية والتأريخية، مع الخيال الذي يفترض واقعة خرافية كونتها ذاكرة الحرب والعنف الطائفي؛ لذلك يتأكد أنّ زمن أحداثها الواقعية ينتمي إلى الكولنيالية، بينما وعيها الفني وسماتها المعرفيّة تنتمي إلى ما بعد الكولنيالية، إذ كيّفتْ لغتها ونمطية الكتابة فيها لحساسية جديدة معنية باصطناع الخيال بدلا من تخيل الواقع، بانزياح ساخر نحو الخرافة والمكان وقضية الهويّة والتعددية الدينية بحثا عن تعرية صريحة للخطاب الاستعماري وثقافته المموهة، إنّها ميتاخرافة تأريخية وتأريخ في سرد خرافي مع انعطافة ساخرة في توجيه المكونات السّردية، فالسّرد الموضوعي الممثل بسيطرة السّارد العليم ينحسر كلما بدأ هادي العتاك ـ مصطنع الخرافة ـ بسرد أكاذيبه الحقيقية، بينما تتحول هذه الأكاذيب إلى أفعال مُنتجة بفعل واقعي عندما ينتقل السّرد إلى ما وراء حكاية الخرافة عن طريق اللجوء إلى تسجيل حكاية المخلوق بمثابة سرد ذاتي ثانٍ يوازي سرد العتاك وافتراءاته (الفصل التاسع)، حينما يتجسد افتراض ما فوق الواقع بصناعة جسد قاتل من أجزاء ضحايا العنف، وتغدو الأحداث حينها بديلا عن الحدث الأصلي (الحرب، الصراع الطائفي، الاحتلال).
وبهذا يفقد المتلقي حس التمييز وإدراك الاختلاف بين الحقيقة والافتراض، بسبب الوهم الذي كوّن نسخة مغايرة للأحداث، فسوسيولوجية تلقي هذا النمط المعاصر تمكنه من التخلي عن وعيه الذاتي المحفز للبحث عن الفرق بين الخرافة والحقيقة؛ ليجد نفسه مجبرا على الاعتراف بأنّ الواقع لم يَعُد كما كان، فيطغى نمطٌ من لامبالاة انتقالية خارقة لموثوقية السّرد يتمُّ بها العبور من اليقيني إلى المفترض بهيئة من (non-event)، بما أنّ المتلقي فقد وسائل التّمييز بين الحقيقي ونظائره المتخيلة، فغدتْ الرّواية تواصلا لذاكرة تكنولوجية سينمائية مُستبطِنة للافتراض، ولكن بوسائل كتابية بديلة، تعلو الواقع لكنّها تقع تحت قبضة رغبة تغريبية للخطاب المعبر عن الاصطناع، حيث (الحربُ) مجرد كلمة ذات دلالة عائمة كونها مخففة من حمولات الأيديولوجية والزّخم الإجرائي المتواشج مع العالم الحقيقي: «ربما انتهي ويذوب جسدي وأنا أسير ليلا في الأزقة والشوارع حتى من دون أنْ أنهي مهمتي التي كلفت بها…أنا مخلص ومنتَظَر ومرغوب به ومأمول بصورة ما.. سأقتص من كل المجرمين سأنجز العدالة على الأرض أخيرا»، فصناعة الخرافة وفق قوانين الواقع المعهود تتحدى الصلة المنطقية للنص بظروف إنتاجه الثقافية؛ لأنّ قارئ هذه الرواية غير قادر على معرفة إنْ كانتْ شخصية (الشسمة) حية فعلا وقد ماتت أو هي رميم فعلا وقد أحيت بفعل تمثيل زائف لكرنفال وثني سحري يعيد القدرة على استنساخ الأجزاء المستعادة قسرا من ماضي التفجيرات وذكرياتها الأليمة ويبث فيها الروح، من منطلق واعٍ يتناسب مع نمطية الميتا خرافة في سرديات ما بعد الحداثة، وهذا يسمح بقابلية التجدد المستمر بين الموت والحياة معا، وهو ما تمظهر على هيئة اصطناع ذّاكرة الواقع المفترض في رواية «فرانكشتاين في بغداد» مقارنة مع الواقع العلمي في رواية «فرانكشتاين».

ناقد وأكاديمي من العراق

خالد علي ياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية