■ نحاول في هذه القراءة بلوغ عوالم الرواية انطلاقا من مكون الفضاء، وهو المكون الذي تعول عليه الدراسات الأدبية الحديثة، لكشف سيميائية العمل الروائي وتحديد دلالاته. ولعل الفضاء الروائي يفرض نفسه على القارئ باعتبار ما نلمسه خلال القراءة من دلالات وتمثلات. فهو يتسم بطابعه القامع للإنسان، فالأماكن تفقد ألفتها المنتظرة وتتظافر لبث الحزن في الإنسان وقمعه، فليست الشخصية الرئيسية إذا تناولناها من هذا الجانب غير هاربة من فضاء إلى آخر وباحثة عن فضاء الحلم والحقيقة والأمان.
ويمكن للقارئ أن يتنسم هذا الأمر منذ البداية فالعتبات النصية للرواية، بوصفها خطابا شارحا واستباقيا للحكاية تضعنا أمام ملامح فضاء قامع من خلال كلمة منفى في العنوان الرئيس، وللكلمة دلالات كثيرة، فهي إذا ما قاربناها انطلاقا من السيميائيات الثقافية، من المصطلحات التي لا تغيب عن حياة الإنسان الفلسطيني، ولها مدلول تاريخي وثقافي يحمل شحنة ثقافية باعتبار محوريتها في الشأن الفلسطيني، وهي إذا تناولناها من زاوية دلالية لغوية تحمل طابع الغربة والظلم وتوحي بتوزع فضاء الحكاية إلى فضاءين، فضاء قامع وآخر يشكل فضاء هروب وبحث عن الأمان. فالعتبات النصية تشكل مؤشرات على صورة الفضاء في الرواية، وهي توحي بمحورية صراع الإنسان والمكان في هذه الرواية وهو ما نتبينه بالوقوف عند بعض الفضاءات التي مر بها الحكي.
البحر:
تفتح الرواية أبوابها وتستقبل قارئها بفضاء البحر،هذا الفضاء الذي خرج في السرد الجديد من موقعه كفضاء أليف وحميمي يحيل إلى الجمال والزرقة والراحة والحلم والحرية والانفتاح البعيد، إلى فضاء موحش وعدواني يحتضن المأساة ويجسد الألم والمعاناة.
ولعل عبلة فاري تقتحم كتابة البحر من خلال هذه الصورة، فيظهر البحر بصفته فضاء الهروب من الواقع والاشتباك مع المجهول والجري أمام الموت والضياع، مسلطة الضوء على قضية راهنة وهي قضية الهجرة غير الشرعية التي أصبحت من أبرز قضايا منطقة المتوسط، فيخرج البحر من تمثلاته الكلاسيكية وصورته التي تحفل بها الذاكرة الشعبية وينقطع عن رمزيته كفضاء حرية: «قطع أوصال الوجوم نشيد الحادي من جديد، الذي انطلق يشدو للنجمات والبرد والبلل على أوتار الموج وتلويح الشراع بالفراق، أغنية ناغت أحزاني وكأنه يتلو آخر أسفار الحياة
شدوا الهمة الهمة قوية مركب ينده للبحرية
شدوا الهمة الهمة قوية… جرح بينده للحرية
البحر والحرية كيف يلتقيان؟»
إننا أمام البحر وهو يحمل صورة رمزية جديدة ويجسد حالة صراع مع الحياة ومع الأشياء:
«على هفهفات رقع الخروق في الشراع المهترئ لصخب الريح، في أزلية الصراع في همجية الموج، كان القارب الواهن يئن مترنحا فيوشك على رمينا في عرض القرار فنتناسى نهش أنياب الجوع ولسع حروق الشمس ودميم صقيع التقلبات». إن البحر يكشف مهانة الإنسان ولعبة المتاجرة به من طرف بعضهم، ولعل الكاتبة ترسم صورة بائسة وموجعة للرحلة ولشخصيتها التي تحاول عبور المتوسط نحو عالم آخر ونحو فضاء بديل: «تستعر شتائم ولعنات السمسار أمام عناد المحرك الرافض للبوح بالهدير، لترتفع الدعوات والشهقات أمام زحف الموت المجلجل».
الحقول :
يتجسد هذا الفضاء في مزارع المعلم خير الصالح وهو بورجوازي كبير يعتبر من أصحاب النفوذ في البلدة، ويستخدم الأهالي لخدمته، ولكنه لا يتردد في إهانتهم والاعتداء عليهم ومس كرامتهم واستخدام نفوذه واستغلال حاجتهم للغذاء لتحقيق نزواته، ممارسا الجنس مع بعضهن وقد تواجد الفتى في هذا الفضاء المهين قبل هروبه واتجاهه إلى البحر. وقد بدت هذه الحقول فضاء قمع وإهانة: «أجوب الحقول كلما سنحت لي الفرصة وأتلقى الصفعات والركلات والشتائم المعهودة ابن الكلب وابن العاهرة». فالحقول تبدو أيضا فضاء استبداد وطغيان وهي بذلك تفقد صورتها الذهنية العادية وتشكل عامل نفور وهو ما دفع إلى الانتقام والهروب.
المخيم:
يبدو هذا الفضاء أيضا فضاء ملتبسا بالذاكرة، ومجرد حضوره يحمل إحالة قوية إلى المخيمات الفلسطينية، وإلى واقع الإنسان الفلسطيني ومعاناته الطويلة وحياة اللجوء والهروب من القصف والاجتياح. ويبدو هذا الفضاء فضاء موت، «الموت الذي يدك كل بيت وزاوية». ويظهر المخيم أيضا فضاء الوحشة والفوضى والفقر والمعاناة اليومية، «كانت الخيمة قد غلفتني من جنون الليل المسكون بالوحشة، فوق أنقاض الغرفة المتردمة على رأس أبي وأنفال أسرتي من بقج الرابش وحبات الدواء وصرات الطحين والعدس والأرز الرديء وبعض علب السمن والكوكز»، وما من شك في أن المخيم له معنى أكثر من حضوره باعتباره لازمة سردية تتطلبها الحكاية، فهو فضاء دلالي معبر وحامل لرسائل ثقافية وتاريخية وأيديولوجية.
إن الوقوف عند فضاءات «منفى الياسمين» يكشف الكثير من الدلالات والمعاني، غير أننا نكتفي بهذه المظاهر، ونخلص إلى أن عبلة فاري في عملها الجديد بعد مجموعتها القصصية «مجنون حيفا» تواصل تجـــربة الكتابة المتصلة بالإنسان والأرض، وهــــي في هذه الرواية تكتب داخل حدود الراهن والواقع وخارج حدود الجغرافيا، وكأن الكتابة تعاند الراهن وتحطم قيوده، فإذا كانت رحلات الشخصيات في الحكاية مقيدة وعسيرة وممنوعة فإن القلم يرحل شرقا وغربا، فنجد المكان الفلسطيني والمكان التونسي والأماكن الغربية فتبدو الرواية رحلة مفتوحة وثرية بالدلالات.
٭ ناقد تونسي
رياض خليف