روحاني يلقي خطابا أمام الكونغرس

حجم الخط
0

■ في خضم استماتة رئيس حكومة الاحتلال لإلقاء خطابه أمام الكونغرس الأمريكي، باحثا عن منصة إعلامية انتخابية ذهبية، استحضرت مشهدا موازيا لذلك المشهد لا يكون بطله حاكم تل أبيب، بل الرئيس الإيراني روحاني، بحيث يقدم هو كما أقدم نتنياهو على ممارسة «المباطحة» السياسية للوصول إلى خطاب مماثل أمام الكونغرس، مستعينا بأرباب المال والأعمال والنفوذ من أبناء الجالية الإيرانية، التي بات نفوذها واضحا ضمن بعض مراكز القرار في أمريكا. كيف ستكون ردة الفعل يا ترى؟
ماذا لو جاء روحاني إلى منصة الكونغرس شاكيا تل أبيب على تصرفاتها وتخريبها المستمر للشرق الأوسط وانهيار دوله تباعا، وتغذيتها لغياب الاستقرار واستمرارها في خطف الشعب الفلسطيني وتخزينها للسلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل؟ لا بد أن روحاني سيمتلك ذات الحجج التي ساقها نتنياهو للكونغرس بغرض تخريب أي اتفاق أو علاقة بين أمريكا وإسرائيل.
روحاني بطبيعة الحال لن يفتقر إلى الأدلة والبيانات والتفاسير، وحتى الرسومات والأقلام الحمراء للإشارة إلى المشروع النووي الإسرائيلي، وأسلحة الدمار الشامل التي ملأت مخازن الاحتلال، وعلاقات إسرائيل الاستخبارية المختلفة، ودورها في رعاية بعض المتشددين الإسلاميين صحيا، وغيرها من مقومات وعناصر تشكل في مجموعها لائحة الاتهام التي يستطيع أن يضعها ويسوقها روحاني. ولو أن القدر سنح للوبي الإيراني في واشنطن أن يمتلك النفوذ ذاته الذي يحظى به اللوبي اليهودي هناك فلربما حصل روحاني على التصفيق وقوفا لخطابه الذي سيجد من يبجله ويهلل له ويبرر أهميته وإلحاحيته، تماما كما حصل لنتنياهو. سخريات الأمور في عالمنا السياسي المجنون اليوم أفقدت الشارع العربي قدرته على تفسير هذا الأمر أو نقيضه، أو ربما تكون قد أجهزت تماما على أي اهتمام يذكر للمواطن العربي في حرب المصالح وصراع الخصوم وتلافيف طلاسم الحياة السياسية العربية المتمرغة بوحل الضياع وسطوة الجهل وبشاعة التخلف. ومع سواد حرب المصالح المتقاطعة وعزوف الشارع العربي فإن اختلاط الحابل بالنابل بات أمرا واضحا. فدولة نووية محتلة تشتكي دولة نووية ناشئة بات شائعا، ودولة تمارس الاحتلال والاضطهاد تشتكي دولة تمارس، كما يقول البعض، القمع الفكري بات أيضا أمرا مألوفا، فالشاكي والباكي لم يعودوا يشكلون أي أهمية أو اكتراث يذكر في حياة الإنسان العربي البسيط، نظرا لحالة التيه القائمة واختلاط الأمور وتغير خريطة المصالح. إذن الضحية والجلاد والشاكي والباكي والقاتل والمقتول كلهم لديهم الحجة والشكيمة والقدرة على المباطحة الفكرية، وكلهم سيجدون من يصفق لهم ويروج أفكارهم، وإن كانت المساواة بينهم تختلف في تقييماتنا الشخصية.
سيناريو نتينياهو يخاطب الكونغرس في مقابل سيناريو روحاني يخاطب الكونغرس، كلها أمور لن تشكل فوارق جمة في حياة الغارق العربي في تبعات «الربيع» المزعوم وإفرازاته مهما اختلفت وتفاوتت. لكن إسرائيل المتفرجة على حال العرب اليوم والمتغطرسة في مواقفها وعنصرية قياداتها، والمفرطة في قوة البطش وقوة الدفاع عن وجود احتلالها بافتعال حروب دبلوماسية وميدانية عدة، لا يهمها من يحترق في حرب الضياع، خاصة أنها تمتلك من مفاتيح التحكم والسيطرة، ما يجعلها ترقد في طمأنينة متشبعة بتبعات ربيع العرب وما خلقته من صيف مزهر بالنسبة لها، بل شجعها على أن تحاجج العالم بحقها في مواجهة التطرف المستجد في عالمنا العربي، وما بتنا نراه اليوم من قتل وتنكيل. لهذا فإن دراما الأحداث المتتابعة في محيط العواصف الشرق أوسطية لا يعني أبدا أن الناس من أبناء جلدتنا ستنتفض لهمومها وبؤسها، بل تميل اليوم نحو ضمان رغيف الخبز وحياة آمنة بعيدة عن الشعارات الجوفاء وسجالات السياسة.
فالمهم ليس من يخطب في من، بل بيوم آخر يحياه الناس وقد ضمنوا قوت يومهم وهبوطا آمنا في عالم البقاء.

٭كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية