روح التنوير عند تودوروف الفلسطيني

للمفكرين العرب مناقشات متميزة للمصير الذي آلت إليه قضية التنوير في البلاد العربية منذ بدايات الاستفاقة، منتصف القرن التاسع عشر، على صدمة التأخر الحضاري وبدايات الأمل الوطني والقومي، منذ أوائل القرن العشرين، في الانعتاق من التبعية السياسية والانخراط الواعي في الفعل التاريخي. مناقشات عميقة لم تتوقف على مشاهير المفكرين. بل إن من أطرفها ما صدر عن باحثين جادين لا يحظون بالضرورة بذيوع الصيت. ويكفي أن نذكر من هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر طبعا، الباحثين المصري جلال أمين، والسوري محمد جمال باروت والمغربي كمال عبد اللطيف.
فقد سبق لجلال أمين أن كتب أوّل تسعينيات القرن العشرين عن «التنوير الزائف» السائد في مختلف مناحي حياتنا لتمييزه عن التنوير المطلوب، كما طرح في نقد النيولبرالية الاقتصادية المتوحشة آراء أصيلة عزّ نظيرها حتى في الفكر النقدي الغربي. وكتب جمال باروت أواخر الثمانينيات متسائلا إن كان التنوير قد فقد أهميته في الوعي الاجتماعي العربي المعاصر وإن كان في استطاعة هذا الوعي استكمال الحوار المهدور الذي بدأه المنوّرون العرب في ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة. أما كمال عبد اللطيف، فقد ظل يقلّب هذه القضية على وجوهها منذ كتب منتصف الثمانينيات عن سلامة موسى وإشكالية النهضة، وعن الفكر الإصلاحي لدى الطهطاوي وخير الدين التونسي وعن «درس عبد الله العروي» في الدفاع عن الفكر التاريخي عموما والإيديولوجيا التاريخانية خصوصا.
وليست خيبة مسعى التنوير (علما أن هنالك من يرى أنها خيبة ظاهرية أو مؤقتة) بليّة اختص بها العرب دون سواهم. ذلك أن استعراض منجز المفكر الفرنسي-البلغاري تزفيتان تودوروف، الذي توفي الثلاثاء، يثبت وجوب استئناف النظر في قضية التنوير. ذلك أنها قضية يتجدد اليوم طرحها بإلحاح على الضمير العالمي بأسره بسبب من عودة أشباح الظلامية والعنصرية وسريان روح الاتكالية، في بعض الدول «الديمقراطية»، لدى جماهير لم تعد قادرة على بذل الجهد الفردي المستقل اللازم للفهم والتفكير. ومعروف أن الاسم الذي صار مقترنا بنص ايمانويل كانط الكلاسيكي الشهير «ما هو التنوير؟» هو اسم ميشال فوكو، نظرا إلى أنه قد علّق عليه تعليقا لامعا عام1984 بمناسبة الذكرى المائوية الثانية لنشر كانط نصه في الصحافة الألمانية. وقد كان ذلك آخر ما نشره فوكو، حيث أنه سرعان ما توفي بعدئذ.على أني أرى أن من الإنصاف القول إن اسم تودوروف قد يكون هو الأجدر بالاقتران مع قضية التنوير في هذا القرن لأنه امتاز على كثير من الباحثين النقديين بالوضوح في استلهام تراث القرن 18 التنويري لغاية طرح فكر جديد متميز بصرامة الاقتضاء الأخلاقي وبصدق نزعة الإخاء والسخاء الإنساني التي تقتضيها مجابهة تحدي التصدي العقلاني لضلالات عصرنا الضاج بالمظالم والجرائم. وقد تجلى ذلك على نحو أخاذ في الكتاب الهام الذي نشره تودوروف عام 2006 بعنوان «روح الأنوار».
كتب تودوروف بتدبّر وروية في محاولة فهم واقعة المحرقة النازية، ولكن التزامه بالعدالة الإنسانية بإطلاق قد كان من أبرز خصاله، مثلما يتبدّى في كتابه «ذاكرة الشر وإغراء الخير»، أو في مقدمته لكتاب صديقه ادوراد سعيد «بين حرب وسلام»، أو في المقال الذي نشره عام 2012 في «مجلة الفلسفة» الفرنسية بعنوان «كفاح ادوارد سعيد»، أو في المراجعة التي نشرها في لوموند لكتاب ادوراد سعيد «تأملات حول المنفى». وقد ختم تودوروف مقال لوموند بجملة تنطبق عليه قدر انطباقها على سعيد: «لقد ظل (سعيد) ثابتا على الإيمان بأن القضية الرئيسية المطروحة على المثقف اليوم إنما تبقى قضية المعاناة الإنسانية، كما كان موقفه ومسلكه متطابقين مع أفكاره».
اكتشفت تودوروف وكتابه «القاموس الموسوعي لعلوم اللغة» وكنت لمّا أزل في الخامسة عشرة. فقد كان من نعم الله سبحانه علينا أن أكرمنا بالأستاذ الفذ محمد جبلون الذي كان شديد الحرص على أن نرنو معه إلى آفاق نظريات التحليل البنيوي في الأدب وأن نخطو أول الخطو نحو الوصل بين معرفة عيون“فقه اللغة” في تراثنا وبين منجزات علم اللسانيات الحديث. فأصدق الشكران والعرفان لأستاذنا الجليل، سليل مدينة «قليبية» المكنونة شماليّ شرق تونسي جميل يسمى «الوطن القبلي».

٭ كاتب تونسي

روح التنوير عند تودوروف الفلسطيني

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية