روسيا: استقبال بارد لفوز ماكرون وتطلعات إلى خطه السياسي

حجم الخط
0

موسكو ـ «القدس العربي»: استقبلت موسكو فوز زعيم حركة «إلى الأمام» إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية الفرنسية ببرودة ملموسة، على الرغم من ان نتائجها كانت محسومة. وثمة مخاوف من أن وصول ماكرون لقصر الإليزيه لن يؤدي إلى تحريك إيجابي للعلاقات الروسية ـ الفرنسية، وتجلى ذلك بتضخيم وسائل الإعلام بعض الجوانب السلبية في انتخابات الجولة الثانية، وركزت على انخفاض نسبة المقترعين وعلى عدد اللوائح الانتخابية البيضاء والمعطوبة. من ناحية أخرى أعلن الكرملين والخارجية الروسية عن الاستعداد للتعاون مع رئيس فرنسا الجديد وتبديد السحب التي تعكر أجواء العلاقات.

بوتين مستعد

وأحد الأسئلة المطروحة في الدوائر الروسية يتمحور حول طبيعة السياسة التي سينتهجها الرئيس الفرنسي الجديد إزاء روسيا، إذا اخذنا بعين الاعتبار ان العلاقات مع موسكو كانت من المواضيع الساخنة خلال حملة الانتخابات الرئاسية. وثمة قناعة ان ماكرون سيواصل في سياسته إزاء روسيا نهج سلفه الذي يستند على الالتزام بموقف الاتحاد الأوروبي بما في ذلك العقوبات واوكرانيا وسوريا، وفي الوقت نفسه تفعيل العلاقات في بعض المجالات وابقاء الأبواب مشرعة للحوار.
ويراهن المسؤولون في موسكو اليوم على ان يعيد ماكرون النظر في مواقفه السلبية إزاء روسيا التي أعلن عنها خلال الحملة الانتخابية. وباعتباره شخصية براغماتية سيكون متوازنا في مسار سياسته الخارجية ولا يفرط بالسلة الروسية التي تحمل الكثير من المنافع والخيرات والوعود، وان يستمع لصوت مصالح فرنسا، وليس فقط لقوى أجنبية في إشارة إلى الولايات المتحدة وألمانيا وعموما الاتحاد الأوروبي. وأُعيدت الأذهان في العاصمة الروسية إلى تصريحات ماكرون التي أدلى بها خلال زيارته لموسكو عام 2016 حين كان وزيرا للاقتصاد والتي أكد فيها على أهمية روسيا في المعادلة الاقتصادية الفرنسية وفي الساحة الأوروبية السياسية. وترأس ماكرون في السنوات من 2014 إلى 2016 الجانب الفرنسي في مجلس التعاون العملي الروسي /الفرنسي.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من بين الزعماء الأوائل الذين أرسلوا برقيات تهنئة لماكرون بفوزه في الانتخابات الرئاسية. وتضمنت البرقية المجالات التي يمكن ان تشكل الأرضية للتعاون الثنائي بين البلدين، وأشارت إلى ان مواطني فرنسا منحوا ماكرون الثقة لتزعم البلاد في «مرحلة غير سهلة بالنسبة لأوروبا والمجتمع الدولي بأسره». ومن التحديات القائمة أمام العالم أشار بوتين في برقيته ما يردده الغرب أيضا من تنامي أخطار الإرهاب والتطرف العدواني وزعزعة الاستقرار في مناطق إقليمية بأكملها. ويرى بوتين ان من المهم «في ظل هذه المرحلة التغلب على انعدام الثقة المتبادل وتوحيد الجهود لضمان الاستقرار العالمي والأمن». كما عبر عن الاستعداد «للعمل البناء المشترك في مختلف القضايا الثنائية والإقليمية والعالمية الملحة» وعلى حد تقديرات الرئيس الروسي فإن هذا التعاون يصب في مصلحة شعبي البلدين.
وتدرك موسكو ان قبول ماكرون تحسين العلاقات معها، سيكون بمثابة حصان طروادة للدخول للمحيط الأوروبي وكسر العقوبات والجمود الدبلوماسي وتشتيت صفوف «اللوبي» المناهض لروسيا في الاتحاد الأوروبي ومؤسساته. وربما ان الرئيس الروسي يلمح لماكرون بإنعاش مرحلة شهر العسل التي مرت على العلاقات بين الكرملين وقصر الإليزيه في سنوات قبل فرض الاتحاد الأوروبي العقوبات على روسيا اتصالا بالأزمة الأوكرانية وضم القرم لروسيا. وارتفعت فرنسا في غضون عام من المرتبة السابعة لتحل الخامسة في لائحة شركاء روسيا. كما شهدت المرحلة نفسها تقاربا أمنيا وعسكريا وتنسيقا في السياسة الخارجية. فضلا عن الروابط التاريخية والثقافية العريقة بين البلدين. انطلاقا من ذلك ثمة مؤشرات على ان ينتهج ماكرون إزاء روسيا سياسة تختلف بعض الشيء عن موقف ألمانيا وفرنسا السابق.

تشاؤم برلماني

ولكن غالبية البرلمانيين الروس لا يبدون تفاؤلا بإمكانية حدوث انعطافات «سارة» في العلاقات بين موسكو وباريس في عهد ماكرون. وضمن هذا السياق قال نائب رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الفدرالية (المجلس الأعلى للبرلمان الروسي) فرانتس كلينيتسيفتش ان العلاقات الروسية ـ الفرنسية في عهد ماكرون لن تتغير.
وأضاف «لا ينبغي انتظار تحرك ايجابي وجدي في العلاقات الروسية ـ الفرنسية». ويرجح البرلماني الروسي «ان ماكرون سيواصل بالأساس خط سياسة سلفه». ويلتقي كلينيتسيفتش بتقيماته مع المولعين بنظرية المؤامرة، ويرصد مثل العديد منهم وقوف قوى بما في ذلك خارجية «من وراء المحيط» وراء ترشيح وفوز ماكرون، ليكون بديلا، ليس لمارين لوبان، وانما لفرنسوا فيون «الذي امتلك حظوظ الفوز». لانه كان سيلحق الضرر بتلك القوى من خلال إجراء «تحولات في السياسة الخارجية التي تشكل خطرا عليها».
ويجد محللون ان خشية بعض الساسة الروس بالخشية من تداعيات فوز ماكرون على العلاقات الثنائية سابقة لأوانها. ويشيرون إلى ان تلك الاستنتاجات تقوم على بيانات المرشحين خلال الحملة الانتخابية التي عادة ما تقوم على الضد من المرشح الآخر. وترى رئيسة قسم البحوث السياسية الأوروبية في جامعة العلاقات الدولية ناديجدا ارباتوف «ان رئيس فرنسا الجديد سيبني العلاقات مع روسيا انطلاقا من مصالح فرنسا التي ارتبطت دائما بعلاقات خاصة مع الاتحاد السوفييتي/روسيا، فضلا عن تصورات السياسة الواقعية». في الوقت نفسه تشير الباحثة إلى ان مارين لوبان منافسة ماكرون في الجولة الثانية للانتخابات واليمينيين الشعوبيين شركاء لا يؤمن لهم، إذا أخذنا في الاعتبار أن تركيزهم على العلاقات مع روسيا، أكبر دولة تجاور الاتحاد الأوروبي لا يعدو كونه أسلوبا لتعزيز مواقعهم السياسية في الداخل.

المعركة الفاصلة

وترى بعض التقييمات الروسية ان معركة التحكم بالقرار السياسي في باريس لم تحسم بعد، وان المنازلة المقبلة بين ماكرون وزعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبان ستكون على التشكيلة البرلمانية. ويعيد نائب وزير الخارجية الروسية السابق ومدير الدراسات الاستراتيجية اندريه فيدوروف للأذهان احتمال ان توسع لوبان تمثليها في البرلمان. وان يشكل «الجمهوريون» تكتلا كبيرا. منوها إلى أن سياسة الرئيس ماكرون إزاء روسيا ستعود إلى طبيعة تشكيلة التحالف المقبل.
ويطرح المدير السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية ورئيس المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية ميخائيل فرادكوف رأيا مشابها مفاده ان موسم الصراع السياسي في فرنسا بلغ الآن ذروته، وأمامها الانتخابات البرلمانية التي ستجري في وضع جديد نوعيا.
ان نتائج الانتخابات في فرنسا خلقت حالة جديدة أمام الكرملين في مساعيه الرامية لتعزيز مواقعه في أوروبا وتذليل تداعيات العقوبات وكسر العزلة السياسية التي تقف وراءها جمهوريات البلطيق وبولندا وعدد آخر من قوى الاتحاد، وتتطلع موسكو بهواجس متباينة إلى طبيعة السياسة التي سينتهجا ماكرون على المسار الروسي. والسؤال الرئيسي يدور فيما إذا كان الرئيس الفرنسي الجديد سيلتزم بخط الاتحاد الأوروبي المتشدد إزاء موسكو، أم انه سيضفي عليه بعض التعديلات التي ستحسن أجواء العلاقات الثنائية؟

روسيا: استقبال بارد لفوز ماكرون وتطلعات إلى خطه السياسي

فالح الحمراني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية