دمشق – «القدس العربي» : لا يزال الشمال السوري الخاضع لسيطرة كبرى التشكيلات الوازنة من المعارضة السورية يشكل التهديد الأكبر للنظامين السوري والروسي، لمحاذاته للساحل السوري – الذي يعد الحاضنة الشعبية الأبرز للنظام ومعقله الرئيسي – ولقربه من مركز القاعدة الجوية حميميم التي تتخذها روسيا منطلقاً لعملياتها في سوريا وموطئ قدم لها في الشرق الأوسط، تضاف إلى ذلك مخاوف الحلفاء من شن هجوم مفتوح على أكبر خزان معارض يناهز تعداد المقاتلين فيه 135 ألفاً حسب مراقبين، فيما يقابلهم جيش النظام المتآكل، الذي يعتمد على ميليشيات متعددة الولاءات ومجموعات مسلحة من المقاتلين المتصالحين معه مؤخراً، وهو يترجم كثافة التهديدات المصحوبة بحرب نفسية باتت أساليبها مكررةً لدى السورين، وذلك عبر ضخّ إعلامي مكثّف في محاولة لإحداث شرخ بين فصائل المعارضة والتنظيمات الجهادية المنتشرة في المنطقة، ودعوات روسيا إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن الدولي لإجراء مشاورات حول الأوضاع في إدلب.
وفي إطار هذه المعطيات أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن مباحثات يجريها موظفو مركز المصالحة الروسية في سوريا مع زعماء الجماعات المسلحة والشيوخ في إدلب لتحقيق تسوية سلمية للأزمة هناك، حيث قال شويغو، امس الثلاثاء «ان مباحثات ثقيلة وصعبة على جميع المستويات مع من كنا نسميهم سابقاً بالمعارضة المعتدلة ونسميهم اليوم بالمسلحين وزعمائهم. كما يجري العمل مع الشيوخ الذين يسيطرون على بعض القبائل في هذه الأراضي، بهدف التوصل إلى تسوية تحاكي سيناريو الغوطة الشرقية ومخيم اليرموك ودرعا».
وأعرب الوزير الروسي عن دهشته من عدد الأسلحة التي سلمتها فصائل المعارضة إلى القوات الحكومية السورية بعد ما وصفها بـ»بلوغ التسوية السلمية» لافتاً إلى ان فصائل المعارضة سلمت ما بين «5 و7 دبابات، بالإضافة إلى المدافع وراجمات الصواريخ، مضيفاً «لا يدور الحديث هنا عن وحدات عدة من الأسلحة بل عن الآلاف».
المعارضة تنفي
في المقابل قلل خبراء من أهمية كثافة تهديدات النظام وحلفائه، لافتين إلى عجز النظام عن شن معركة شاملة على المنطقة، حيث قال الباحث السياسي عبد الوهاب العاصي «لو استطاعوا ألّأ يؤجلوا معركة الشمال السوري لفعلوها، لكنهم اضطروا لذلك حتى يتفرغوا لبحث وضعه».
من جانبها ردت الجبهة الوطنية للتحرير – أكبر تشكيل سوري معارض يضم فصائل من إدلب وحماة والساحل شمال غربي سوريا – على التصريحات الروسية، على لسان متحدثها الرسمي النقيب ناجي المصطفى بالتأكيد على ان الجبهة لم تتواصل مع الروس، وقال النقيب «إن تصريحاتهم تندرج تحت أسلوبهم المفضوح في الكذب والتدليس والمكر والخداع والحرب النفسية على شعبنا وأهلنا، وإننا نؤكد على الجاهزية العالية في صد النظام في حال حاول الهجوم على ادلب والمناطق المحررة».
القيادي البارز لدى غرفة عمليات «درع الفرات» ورئيس المكتب السياسي في لواء المعتصم التابع للجيش الحر المدعوم من تركيا، مصطفى سيجري نفى وجود أي لقاءات أو مفاوضات بشكل مباشر أو غير مباشر بين فصائل الجيش السوري الحر والجانب الروسي، مضيفاً ان «تصريحات وزير دفاع الاحتلال عن مفاوضات يجريها مركز المصالحة في قاعدة حميميم تأتي في سياق الحرب الإعلامية والنفسية، ولا أساس لها من الصحة» مؤكداً ان المقاومة خيار الجميع. ولافتاً إلى ان الشمال السوري آخر قلاع الثورة، والبدء بأي عملية عسكرية ولو محدودة وفي أي منطقة كانت يعني إنهاء العمل باتفاق خفض التصعيد على كامل المنطقة الممتدة من جبال الساحل إلى جرابلس، وأضاف «القوى العسكرية الموجودة في منطقة عمليات درع الفرات وغصن الزيتون لن يكونوا إلا في المكان الذي يليق بهم» حسب وصفه.
وفي إطار الاستعجال الروسي لإغلاق ملف إدلب، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، أمس الثلاثاء، أن بلاده دعت إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن الدولي لإجراء مشاورات حول الأوضاع في إدلب السورية، وقال الدبلوماسي الروسي إن «هيئة تحرير الشام» بصدد القيام باستفزاز كيميائي بالغ الخطورة في المنطقة، «حيث سيصور عناصر «الخوذ البيضاء» فيديوهات ليتم استخدامها كذريعة لشن هجوم عسكري مكثف على سوريا من الخارج»، وطالب بإجراء مشاورات عاجلة في مجلس الأمن الدولي، متأملاً من ممثلي الثلاثية الغربية «واشنطن ولندن وباريس» التركيز على مسألة إدلب.
وذكر أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قد يعقد لقاء بنظيره الأمريكي مايك بومبيو على هامش فعاليات الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة والتي ستنطلق أعمالها في 18 أيلول/سبتمبر المقبل في نيويورك، مشيراً في الوقت نفسه إلى غياب أي اتفاق بهذا الخصوص بين الطرفين، وفي هذا الصدد قال لـ «القدس العربي» ان دعوة الجانب الروسي «مجلس الأمن» لعقد جلسة حول إدلب أمس جاء بهدف الحصول على غطاء دولي لشرعنة جرائمه بحق الشعب السوري، مضيفاً «مع استمرار صمت المجتمع الدولي حيال الجرائم الروسية وعدم اتخاذ خطوات جادة لإيقاف أي عدوان محتمل على إدلب يعني لنا المساهمة الفعلية في إبادة 4 ملايين مدني».
وكان القيادي السياسي قد أكد ان فصائل الجيش الحر في المناطق التي حررتها بمساعدة تركية مستعدة «لانهاء ملف «جبهة النصرة» في ادلب خلال فترة قصيرة جداً، «الا أن هناك من يقف عائقاً أمام ذلك ويقوم بايقاف الدعم عن كل فصيل يرد على اعتداءاتها». وأضاف «سيجري» أن الجهات الدولية المتنفذة في سورية لا يوجد جدّية لها حول انهاء ملف النصرة، حيث تقوم بايقاف دعم كل فصيل يسعى لرد اعتداءات النصرة وطردها من المنطقة، بينما الدعم مازال يتدفق لـ «النصرة».
حرب نفسية
وفي سياق الحرب النفسية والإعلامية التي يتبعها النظام السوري، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن قوات النظام والشرطة العسكرية الروسية بدأت المرحلة الثانية من التحضيرات للعملية العسكرية في محافظة إدلب، فبعد استقدام التعزيزات العسكرية وعمليات التحصين والتدشيم، عمدت قوات النظام لإغلاق المعابر الواصلة بينها وبين مناطق سيطرة الفصائل العاملة في محافظة إدلب، ومن ضمنها هيئة تحرير الشام، حيث عمدت قوات النظام إلى إغلاق معبر أبو الضهور العسكري بعد أيام من فتحه وعبور مئات المواطنين نحو مناطق سيطرة قوات النظام في الريف الجنوبي الشرقي لإدلب، والذي كانت تشرف عليه الشرطة العسكرية الروسية، مضيقة الخناق على المدنيين ضمن مناطق سيطرة الفصائل، المتخوفين من العملية العسكرية التي من شأنها تهديد حياة المدنيين القاطنين في محافظة إدلب.
وتوجد في محافظة إدلب ومحيطها في ريفي حلب وحماة، 4 معابر رئيسية تصل بين مناطق سيطرة الفصائل ومناطق سيطرة قوات النظام، وهي معبرا مورك وقلعة المضيق اللذان يستخدمان كمعابر مدنية وتجارية، ومعبر أبو الضهور الذي يجري استخدامه بإشراف من الشرطة العسكرية الروسية كمعبر دخول إلى مناطق سيطرة قوات النظام بدون خروج، ومعبر العيس بريف حلب الجنوبي والذي يستخدم كمعبر لمرور الشاحنات من وإلى مناطق سيطرة الفصائل وقوات النظام.
وأضاف المرصد ان هذا التضييق ومحاصرة المنطقة بشكل أكبر من قبل قوات النظام، يأتي تزامناً مع التعزيزات المستمرة إلى خطوط التماس بين قوات النظام والفصائل، في القسم الممتد من ريف اللاذقية الشمالي وحتى ريف حلب الجنوبي، مروراً بسهل الغاب وريف إدلب الجنوبي الشرقي، وتضمنت التعزيزات معدات وأسلحة وعربات مدرعة وآليات وذخائر وعناصر من قوات النظام والمسلحين الموالين لها ومقاتلي فصائل «المصالحة».