يعتبر فلاديمير بوتين أول زعيم في الكرملين منذ ليونيد بريجنيف الذي غزا أفغانستان عام 1979، يقوم بإرسال مقاتلات حربية للقيام بعمليات عسكرية خارج حدود ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي السابق.
ففي 30 إيلول/سبتمبر بدأت المقاتلات الحربية الروسية حملة لمهاجمة قوات المعارضة المسلحة ولتعزيز نظام بشار الأسد المحاصر ووكيل روسيا في سوريا. والمشكلة في التحرك الروسي هي أن زعيم الكرملين القوي أرسل قواته إلى سماء مزدحمة بالطائرات ويتشارك مع بقية الدول، ولهذا كان عليه أن يجري محادثات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية كي يتجنب حدوث حوادث اصطدام في الجو. فهذه هي أول مرة منذ عام 1900 تحلق فيها الطائرات الروسية قريبا من الأمريكية، أي منذ ثورة البوكسر في الصين. فالولايات المتحدة تقوم بحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وتقول روسيا إنها تريد مواجهة التنظيم على الأراضي السورية قبل أن يصل إلى أراضيها، مع أنها بدأت غارتها باستهداف المعارضة السورية التي يشار إليها بالمعتدلة والتي يتلقى بعضها دعما من الولايات المتحدة. ورغم استبعاد بوتين فكرة إرسال قوات برية إلى سوريا، خوفا من احياء الذكريات المؤلمة عن هزيمة السوفييت في أفغانستان إلا أن دخول الطيران الروسي على مسار العمليات العسكرية سيعقد من الخطط العسكرية الغربية في سوريا خاصة إقامة مناطق آمنة للمعارضة. فقد انضمت فرنسا نهاية إيلول/سبتمبر للعمليات العسكرية وينتظر أن يعرض قرار توسيع المهمة العسكرية البريطانية لتشمل سوريا على البرلمان البريطاني. مع أن ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني صادق على عمليات لقتل جهاديين بريطانيين في صفوف الدولة الإسلامية.
مفاجأة
كانت الضربات الروسية مفاجئة للرئيس الأمريكي باراك أوباما وحلفائه مع أن بوتين يحضر الرأي العام المحلي والعالمي ومنذ فترة للتدخل العسكري، عسكريا وإعلاميا ودبلوماسيا. فمن الناحية العسكرية قامت روسيا قبل أسبوعين بمناورة عسكرية محلية في مناطق تشبه الصحراء السورية، وبدأت روسيا حشودها العسكرية على الساحل السوري حيث ظلت التقارير تتوالى طوال الأسابيع الماضية عن وصول طائرات محملة بالعتاد وسفن حربية رست قرب القاعدة العسكرية في طرطوس. وتم الحديث عن مدربين يتحدثون بالروسية وهم يصدرون التعليمات للضباط السوريين فيما وصل المراسلون الحربيون الروس الذين شوهدوا على الخطوط الأمامية في شرق أوكرانيا إلى سوريا وحضروا كاميراتهم لمهاجمة الجهاديين. وفي الوقت نفسه اصطفت الكنيسة الأرثوذكسية خلف الكرملين وبدأت تتحدث عن «حرب مقدسة» خاصة أن أهداف التدخل الروسي هو حماية المسيحيين السوريين. وما كان يشغل بال بوتين هو استعراض القوة الروسية وتأكيد موسكو كلاعب مهم في المستقبل السوري سواء ظل الحليف الأسد في دمشق أم رحل. كما كان راغبا بالظهور بمظهر من يواجه التسيد الأمريكي على العالم بحسب ديمتري كيسليف، الوجه التلفزيوني الدعائي، الذي اتهم أمريكا خطأ بالوقوف إلى «جانب الخلافة الإرهابية، لكي يدمرا سوريا كدولة علمانية». وعلى الصعيد الدبلوماسي قادت موسكو حملة علاقات عامة واسعة نجحت باقناع عدد من الدول الأوروبية لكنها لم تقنع الرئيس باراك أوباما المتشكك بنوايا «الثعلب الروسي الماكر»، فقد ألقى بوتين خطابا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 إيلول/ سبتمبر ودعا فيه لتأهيل الأسد وإقامة تحالف دولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية يضم سوريا وإيران. وانتقد بوتين السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط التي خلفت فوضى تقوم روسيا الآن بتنظيفها كما تحدثت الصحافة الروسية. وغمرت وكالة أنباء «ريا نوفوستي» وغيرها من مؤسسات الدعاية الحكومية برسائل بوتين صانع السلام».
ومن هنا فالرسالة التي ظهرت من إعلام روسيا ومن مهندس الحملة الدبلوماسية سيرغي لافروف، وزير الخارجية هي أن «السوبرمان الروسي» بوتين شخصية مهمة ويجب التعامل معها كشريك فاعل لا كمنبوذ دولي يفرض الغرب عليه العقوبات. ورغم حصول بوتين على دعم من ألمانيا وإيطاليا إلا أن خطته في سوريا لم تعجب الفرنسيين ولا البريطانيين، وحذروا كما الأمريكيين من مخاطر إطالة أمد الحرب والتورط في حرب طويلة مما يؤثر على علاقتها مع أمريكا. ومن هنا يرى ديمتري ترينين، مدير مركز كارنيغي موسكو «لقد أساء بوتين التقدير في أوكرانيا وربما أخطأ في سوريا».
دوافع
وعليه تساءلت مجلة «إيكونوميست» البريطانية (3/10/2015) عن السبب الذي يدفع بوتين للمخاطرة في سوريا. وتجيب أن المغامرة السورية لها أسبابها المبررة وهي الخوف من الجهاديين الذي يشكلون خطرا على الأمن القومي الروسي حال عودتهم من الساحة السورية. وجاء توقيت الحملة متزامنا مع تزايد خسائر النظام السوري. وفي الوقت الذي لا تبالي موسكو كثيرا بمصير الأسد أو أمنه الشخصي فهي تريده أو حليفا آخر البقاء في السلطة حتى تؤكد روسيا دورها في مستقبل سوريا، وهناك القاعدة البحرية في طرطوس المنفذ الوحيد لها على البحر المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط التي تعتبر سوقا جيدة للسلاح الروسي. وتعتقد «إيكونوميست» أن النظام الروسي يستخدم الأسد كوسيلة للخروج من العزلة الدولية المفروضة عليه بسبب الحوار، ولإقناع الاتحاد الأوروبي تخفيف العقوبات التي فرضت عليه بسبب أوكرانيا، فأوروبا المنقسمة على نفسها بسبب اللاجئين قد تقنتع بالمحاولة الروسية، مع أن بوتين يقوم بتقوية الطرف الوحيد المسؤول عن تدفق اللاجئين نحو أوروبا وهو الأسد. وتضيف «إيكونوميست» بعدا آخر محليا، وهي حاجة بوتين لإشغال الرأي العام الروسي بمغامرة جديدة بعد أن هدأت العمليات على الجبهة الأوكرانية واختفت الحماسة التي رافقت ضم جزيرة القرم. ولهذا يعلق ترينين أن «سوريا تعتبر وسيلة مفيدة لإلهاء الرأي عن أوكرانيا مع أنها تظل (الحملة العسكرية) عن أمريكا من الناحية الاستراتيجية». صحيح أن بوتين تجنب في الوقت الحالي الصدام مع الولايات المتحدة لكنه وضع بلاده في مصيدة من الصعب الخروج منها. وكما وصف توماس فريدمان، المعلق في «نيويورك تايمز» (31/9/2015) المشهد الحالي في معرض دفاعه عن سياسات الرئيس أوباما، فقد صعد بوتين الشجرة ومن الصعب عليه النزول عنها. واقترح فريدمان تركه عليها يقاتل وحيدا لمدة شهر وعندها سيكتشف جريرة ما فعله ويضطر لدعم حل سياسي يتخلى فيه عن الأسد وهو المطلب الأمريكي.
وعموما يظل موقف بوتين من سوريا محددا بالضعف الإقتصادي الذي تعانيه بلاده والفرصة الجيو- سياسية التي تقدمها الأزمة السورية له، كما شرح ديفيد غوردون، المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية والباحث في المركز من أجل أمن أمريكا الجديد. ففي مقالته بـ «فورين أفيرز» (30/9/2015) قال إن بوتين يحاول استخدام الفرصة الجيو- سياسية لمعالجة الضعف الإقتصادي الناجم عن تراجع أسعار الطاقة العالمية وعن العقوبات الإقتصادية التي فرضتها أوروبا والولايات المتحدة على روسيا. وعليه فقد استغل بوتين الفرصة الجيوسياسية بطريقة انتهازية حيث عزز موقعه في منطقة الشرق الأوسط من جهة وقدم نفسه للدول الأوروبية كطرف لا يمكن الإستغناء عنه لحل المشاكل بما في ذلك مشكلة تدفق اللاجئين التي نتجت عن فشل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد الإرهاب. ويلاحظ ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» (1/10/2015) أن بوتين حضر للعبته العسكرية بإتقان واضح من أجل «فرض حقائق على الأرض» كما نقل عن جون ماكلوغلين، النائب السابق لوكالة الإستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) وأضاف أن «كل شيء نفعله الآن مشروط بوجودهم (الروس). وهذا هو الواقع الذي يجب علينا التعامل معه». وعليه فالحزم الذي أبداه بوتين في التعامل مع سوريا كان مفاجئا لأوباما ووزير خارجيته كيري الذي حذر من نتائج خطيرة. ويرى إغناطيوس أن إدارة أوباما فشلت في توقع خطوات بوتين الذي يجسد «دبلوماسية العضلات المفتولة». وبدت هذه السياسة واضحة كما يقول غوردون برقصته الدبلوماسية مع السعوديين الذين أجرى محادثات معهم ولأشهر. فهدف بوتين كما يقول ليس تصعيد حرب بالوكالة في المنطقة ولكنه تهيئة الظروف لتفاوض ينهي الحرب على طريقته. ولهذا ارسل رسالة للأتراك والسعوديين والقطريين مفادها أي محاول لتغيير النظام ستكون عبثية. ويريد بوتين أن يقدم نفسه على أنه صلة الوصل بين تحالفين ضد تنظيم الدولة الإسلامية واحد تقوده الولايات المتحدة وثان تديره إيران ولن ينجح أي منهما بدون الآخر. وعلى ما يبدو هذه هي الطريقة التي يفسر فيها بوتين «الدور البناء» الذي تحدث عنه أوباما.
استثمار أزمة اللاجئين
ويستند بوتين في مقامرته الشرق أوسطية على استغلال أزمة اللاجئين المتدفقين على أبواب أوروبا، لحرف الأنظار عن الأزمة الأوكرانية ولخلق ظروف يقوم فيها الاتحاد الأوروبي برفع أو تخفيف نظام العقوبات المفروضة عليه. وبحسب غوردون، تعرف روسيا أن أزمة اللاجئين تمثل تحد مهم لتماسك أوروبا ووحدتها. فقد دعمت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا فرض العقوبات على روسيا عام 2014 تضامنا مع دول أوروبا الشرقية، وهي الدول التي ترفض اليوم تحمل مسؤوليتها واستيعاب أعداد من اللاجئين. وفي ظل الإنقسام الأوروبي استطاع بوتين إقناع عدد من دول جنوب أوروبا خاصة إيطاليا بأنه يجب معاملة روسيا كشريك وليس كمنبوذ.
وأظهرت موسكو مرونة العام الماضي في المفاوضات التي قادتها ألمانيا لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا وأكد بوتين على التزام بلاده ببنود الإتفاق. كل هذا قاد الزعيم الروسي للإعتقاد أن لديه ورقة رابحة في تعامله مع أوباما خاصة أنه استطاع اقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتجنب الصدام بين البلدين والتأكد من عدم وقوع السلاح الروسي بيد حزب الله. ولم يتم ترجمة منجز بوتين في أوروبا ومع إسرائيل في العلاقة مع أمريكا فلدى أوباما أسبابه للشك بالرئيس الروسي. ومع ذلك كانت هناك فرصة للتعاون بين روسيا والولايات المتحدة لحل الازمة السورية لو لم يضع بوتين المعارضة السورية والتنظيمات الجهادية في سلة واحدة. فهجومه عقد الأزمة وينذر بمفاقمة الحرب الطائفية، خاصة أنه اختار المعسكر الشيعي ضد معسكر السنة. ويرى إغناطيوس أن الروس يلعبون لعبة خطيرة بدعمهم رجلا يكرهه السنة في كل أنحاء العالم العربي، أي الأسد. وكما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» (1/10/2015) فسيكتشف بوتين واقع الحرب السورية المر عندما يتلاشى وهج الحملة العسكرية، وقد يجد نفسه يبحث عن استراتيجية خروج. ومع ذلك فالرئيس الروسي لم يفقد أوراقه بعد لأن على خلاف الغرب لديه خطة واضحة وهو ما لا يملكه أوباما ولهذا ظهر بمظهر الشخصية البارعة حسب فريد زكريا في «واشنطن بوست» (1/10/2015) لأنه أرفق القول بالعمل على خلاف الغرب الذي جمع بين الأقوال القوية والأفعال الضعيفه «وإذا كانت هزيمة تنظيم الدولة مهمة فيجب أن تصبح هي الأولوية ويجب التحالف مع أي قوى خارجية تنضم للقتال. وإن سقط الأسد وسيطر الجهاديون على دمشق فذلك أسوأ من بقاء الأسد. وهذا لا يعني تقديم أي دعم للأسد ولكن بالسماح بخلق مقاطعة علوية في سوريا وهذا ما يتبدى بشكل أو بآخر في سوريا. ويقوم الأكراد والمعتدلون السنة بإيجاد مناطق آمنة لهم أيضا. وحتى لو توقفت الحرب الأهلية وبقي بلد اسمه سوريا فإن هذه المجموعات لن تعيش متداخلة مرة أخرى». ومن هنا فهل نجح بوتين في تفريق الأوروبيين وتأكيد حجته، وتأجيل الحديث عن مصير الأسد في الوقت الحالي. وكانت رولا خلف قد ناقشت في صحيفة «فايننشال تايمز»(30/9/2015) قد ناقشت أن لتركيز على الأسد لم يكن في محله، وكذلك الحديث عن قدرة روسيا والولايات المتحدة إنهاء الحرب الذي بولغ فيه وذلك في إشارة لمحادثات أوباما- بوتين.
إبراهيم درويش