روسيا وأكراد سوريا والفيدرالية: إلى أين؟

حجم الخط
0

موسكو ـ «القدس العربي»: يعود تاريخ العلاقات الروسية مع الأكراد إلى زمان الحرب العالمية الثانية. وكان المستعرب الروسي المشهور ووزير الخارجية السابق يفغيني بريماكوف الراحل أحد مؤسسي التوجه السياسي السوفييتي تجاه الأكراد. وقبل عام 2000 حاولت موسكو أن تتعامل مع أكراد تركيا بطريقة متميزة وذلك رداً على السياسة الناشطة لأنقرة تجاه شعوب شمال القوقاز الروسي. إلا أن اتفاقاً بين موسكو وأنقرة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية حد في تعميق العلاقة مع الأكراد. دون المساس بالعلاقة الإستراتيجة والإحترام بل والحفاظ على مركز «دار الأكراد» الذي بقي موجوداً في موسكو.
على صعيد آخر، تقوم روسيا بتزويد أكراد العراق بمضادات جوية وقذائف للدفاع عن أنفسهم. وقد أوضح سفير روسيا الاتحادية لدى العراق ميخائيل مورغونوف إن موسكو لا تجري مباحثات منفصلة مع أكراد العراق ولكنها تزودهم بالسلاح حسب جدول محدد ومنسق مع الحكومة العراقية.
ويعتقد ليونيد إيسايف، المحلل السياسي والمستعرب الروسي، ان نهج السياسة الروسية هذا تجاه الأكراد ومحاولة التوازن قديماً مع تركيا، واحترام الإتفاقات أدى إلى خسائر كبيرة لموسكو في علاقتها مع الأكراد. ولكن، وعلى إثر تدهور العلاقات بين روسيا وتركيا مؤخراً، كانت مصائب قوم عند قوم فوائد، حيث انعكس هذا على شكل تطور واضح وتعاون روسي كردي بشكل ملحوظ. ويضيف الخبير قائلا: «حاليا، لدى روسيا اتصالات جيدة مع أكراد سوريا. ومن هنا، باتت تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي في شؤون الشرق الأوسط واضحة، فقد اقترح ميخائيل بوغدانوف طرح مناقشة مسألة الفيدرالية السورية في وضع مماثل للعراق في الفترة بين العامين 2003 و2005. يذكر أن نائب وزير الخارجية كان قد وجّه لبغداد آنذاك انذاراً واضحا مفاده: إما نحصل على الحكم الذاتي للأكراد أو يعلنون انفصالهم عن العراق. وقد تكون هذه هي استراتيجية روسيا الآن، فربما سيوجه أكراد سوريا انذاراً لدمشق. وفي هذا الحال، سنحصل على كردستان سوريا، الأمر الذي تعارضه تركيا. وهذا مثمر ومفيد للقيادة الروسية».
وبعد تدهور العلاقات الروسية التركية أصبح للأكراد آلية يمارسون من خلالها الضغط على أنقرة. ولكن روسيا لم تستطع تلبية كافة مطالب الأكراد وضمهم إلى قوام الوفد الرسمي للمعارضة السورية في مباحثات جنيف. ولم تنجح في ذلك واشنطن على حد سواء حيث أعلنت السلطات التركية عدم إمكانية إقامة الحوار مع أكراد حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية. وردا على ذلك، أعلنت المنظمات الكردية لشمال سوريا الحكم الذاتي لمنطقتها. ولكن لم يجد هذا القرار أي دعم من أي طرف من أطراف النزاع.
هذا، ودعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا ستيفان دي ميستورا إلى إشراك الأكراد في مباحثات جنيف، مشيرا إلى ان منع الأكراد من المشاركة في محادثات جنيف دليل على ضعف المجتمع الدولي.
ويعتبر فلاديمير أحمدوف، المستشرق الروسي وعضو معهد دراسات الشرق الأوسط في موسكو، أن روسيا رغبت في استخدام الأكراد لمحاربة المنظمات المتطرفة في سوريا. ويضيف قائلا: «تعارض المعارضة السورية والنظام السوري فكرة الفيدرالية. إلا أننا ننظر إلى الأكراد على أنهم شعب مظلوم مثل الشعب الفلسطيني، ويبلغ عدد الأكراد حوالي 40 مليون نسمة. وكانت روسيا ترغب في استخدام الأكراد لدعم جيش الأسد. ولكن فكرة الحكم الذاتي للأكراد ليست مقبولة داخل سوريا ولا العراق ولا إيران».
ومع ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الروسية مرارا ان مسألة مستقبل نظام الدولة السورية شأن سوري داخلي وليس شأن المجتمع الدولي. ويجب على السوريين تحديد مصيرهم بأنفسهم.
ويقول ليونيد إيسايف: «يفهم جميع المسؤولين في روسيا أنه ليس من الممكن تسوية النزاع في سوريا بدون تعهد جميع الأطراف السورية عدم عودة الدولة التوتاليتارية مع حكم شمولي لحزب «البعث». والفرصة الوحيدة لتلك الضمانات هي فيدرالية. وفي هذا الحال، ستعول روسيا والولايات المتحدة على توحيد جميع القوى التي ستجلس على طاولة المباحثات ضد العدو الوحيد وهو الإرهاب الدولي. وفي هذا المجال يعد الأكراد حلفـــاء روسيا مثل الأسد. ومن المهم هنا أيضا إيجاد حل وسط: ما هي السلطات التي سيمنحها المركز للأقاليم؟».
في الشأن الداخلي، افتتحت في موسكو الأربعاء 10 شباط/فبراير ممثلية أكراد سوريا والتي من المفترض أن تلعب دورا مهما في تعزيز العلاقات بين الشعب الكردي وروسيا. وسبق هذا الحدث عدد من الزيارات الهامة لمسؤولين أكراد إلى روسيا. حيث قام بزيارة لموسكو صالح مسلم محمد، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وصلاح الدين دميرطاش، زعيم حزب الشعوب الديمقراطي اليساري الكردي. وتنظر روسيا إلى المجموعات الكردية كإحدى القوى الأساسية في مكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» حسب ما أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمره الصحافي السنوي.
ويقول الباحث وعضو مركز دراسات بلدان الشرق الأوسط كيريل فيرتيايف إن روسيا كانت، تاريخيا، أقرب للأكراد من الولايات المتحدة. «جاءت المباحثات حول افتتاح ممثلية أكراد سوريا منذ زمن بعيد. ويمثل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي قوة أساسية في كردستان سوريا وله علاقات ودية مع حزب العمال الكردستاني الأمر الذي يثير غضب أنقرة. وينظر الأكراد تاريخيا إلى روسيا منذ زمن الاتحاد السوفييتي كقوة قريبة بالنسبة لهم. حيث لعب التجاذب بين القوى اليسارية الكردية والاتحاد السوفييتي دورا مهما في العلاقات بين روسيا وأكراد سوريا».
وكانت تركيا دائما تعرقل تطور العلاقات الروسية الكردية. ولكن الوضع تغير بعد حادثة إسقاط القاذفة الروسية «سو 24» من قبل سلاح الجو التركي، والتي أدت إلى تدهور العلاقات الروسية التركية. ويعتبر مدير مركز دراسة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى سيميون باغداساروف أنه كان من الضروري افتتاح ممثلية كردستان سوريا وحزب الاتحاد الديمقراطي منذ زمن بعيد، حيث يلعب هذا الحزب دورا مهما في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية».
ويؤكد الخبير أن الأكراد يحققون انتصارا تلو الآخر في حربهم ضد الإسلاميين مشيرا إلى أنه يجب على روسيا دعمهم أكثر فأكثر.
مع ذلك، تدعم الحكومة الروسية صيغة الحل الفيدرالي في سوريا خلافا للولايات المتحدة. ونتيجة للدعم الروسي، تمكنت قوات حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الشهر الماضي من التقدم شمال حلب مما أعطى الأكراد فرصة السيطرة على أراض قريبة من الحدود التركية.
ويرى ألكسندر سوتنيتشينكو، المحلل السياسي، الأستاذ في جامعة سان بطرسبورغ الحكومي أنه في الوقت الحالي تأثير الولايات المتحدة على الأكراد أكثر من تأثير موسكو ويضيف قائلا:«لذلك يمول الأمريكيون المجموعات الكردية ويرسلون إليهم المرشدين العسكريين والممثلين العسكريين. ومع ذلك يفهم الأكراد السوريون أن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يصبح مرارا فكة من النقد خلال المباحثات ولذلك يأمل الأكراد في دعم موسكو أيضا».

تونس: تواصل الجدل حول عملية بن قردان
تونس ـ «القدس العربي»:
روعة قاسم

ما زالت عملية بن قردان الأخيرة التي شهدتها تونس، والتي تمكن الجيش من إحباطها والقضاء على المتورطين فيها، تثير الكثير من الجدل في الشارع التونسي وفي مختلف المنابر. وما زالت الحقائق المتعلقة بهذه العملية لم تكشف بعد للرأي العام، مع السرية التي تنتهجها الجهات الرسمية في عمليات التحقيق مع المقبوض عليهم أحياء في هذه العملية، التي تشير مختلف المصادر وتتفق التحليلات، على أن هدفها كان إعلان المدينة الحدودية التونسية إمارة داعشية.
ولعل ما يثير القلق لدى جانب هام من الرأي العام في تونس، هو حديث بعض المحللين عن أن هذه العملية ما هي إلا بروفة لعملية ضخمة قد تستهدف تونس في شهر رمضان المقبل. كما أن بعض العارفين والخبراء بالجماعات التكفيرية يؤكدون على أن هذه التنظيمات عادة ما تجنح إلى الإنتقام للرد على من تسبب في إخفاقها أو إلحاق الهزيمة بها والسخرية منها أمام الملأ. لقد حولت عملية بن قردان الجماعات التكفيرية في تونس إلى مصدر للسخرية والتندر والرسوم الكاريكاتيرية والنكات مع عدم قدرتها على إرهاب مواطني المدينة الحدودية التونسية الذين خرجوا إلى الشوارع بشبابهم وكبار سنهم وأطفالهم لمشاهدة عمليات قنص الإرهابيين. كما أصر المواطنون في بن قردان وتحت أزيز الرصاص وفي ذروة المعارك على التقاط الصور و «السلفيات» مع عناصر الجيش وهم يقاتلون، ومع جثث الإرهابيين غير عابئين بالمخاطر.
وبعض هؤلاء المواطنين، وهم عزل، قاموا بملاحقة العناصر الإرهابية وأصروا على القبض عليها لتسليمها لعناصر الجيش والقوات الخاصة الخبيرة في ملاحقة الإرهابيين. والبعض الآخر كان في ساحة المعركة يقدم الماء لعناصر الجيش ويرشدهم عن مكان اختباء الإرهابيين بشجاعة منقطعة النظير أثبتت أن الموت لم يعد يرعب التونسيين، وأن التهديد به من قبل العناصر التكفيرية لن يزيد أبناء الخضراء إلا إصرارا على محاربة الظاهرة الإرهابية.
لقد فشلت الجماعات التكفيرية حقيقة في إرهاب التونسيين، وبدا وكأن الكل مستسلم لمصيره مؤمن بقدره ومصر على الحياة في هذه الارض التونسية إلى الرمق الأخير لمقاومة جميع مشاريع تدمير الدولة. فلم يعد للخضراء ما تخسره في هذه الحرب بعد أن اعتادت على العيش دون قطاع سياحي دمر بالكامل أو يكاد، و دون قدرة على الجذب للإستثمارات الخارجية التي تفتكها دولة مغاربية تستفيد مما يحصل في تونس.
ويدفع البعض باتجاه تدعيم العمل المخابراتي واختراق هذه الجماعات واستهدافها في معاقلها قبل مباشرتها لأعمالها التخريبية لتحفيف الأعباء على القوات الخاصة للجيش والحرس الوطنيين وقوى الأمن. كما يدعو البعض الجيش التونسي إلى القيام بضربات استباقية للجماعات الإرهابية خارج الديار من خلال قصف معاقلها جوا في نطاق السرية ودون الإعلان عن هذه العمليات في وسائل الإعلام لأخذ زمام المبادرة في هذا المجال. كما يدعو البعض الآخر الدبلوماسية التونسية إلى الإضطلاع بدورها في استراتيجية دفاعية شاملة، يتم خلالها استعمال أوراق الضغط المتاحة أو خلق أوراق ضغط جديدة إذا لم تكن متوفرة، وذلك لردع الدول المتورطة في تحريض الجماعات الإرهابية والتآمر على أمن واستقرار كل من تونس والجزائر وليبيا على وجه الخصوص. فالدبلوماسية عادة، هي خط الدفاع الأول الذي يجنب الجيوش سفك الدماء والإنخراط في القتال للذود عن الأوطان والإستنزاف للقدرات.
ويرى كثير من المحللين أن الجهود التي بذلت من قبل الخارجية التونسية في الآونة الأخيرة والتي أفضت إلى اجتماع دول خارجية بلدان جوار ليبيا هي خطوة في الإتجاه الصحيح. فدول الجوار الليبي، حسب هؤلاء، هي الأقدر من غيرها على الحل باعتبارها صاحبة مصلحة حقيقية في استقرار الأوضاع في بلد عمر المختار الذي تنخره الإنقسامات وباعتبارها الأكثر معرفة ودراية بالواقع الليبي وبالتركيبة الإجتماعية في هذا البلد المغاربي.
فحل الأزمة الليبية من خلال دعم حكومة الوفاق الوطني، وتسليح الجيش الليبي الذي سيخضع لهذه الحكومة، ومساعدته على بسط نفوذه على كامل إقليمه سيجنب دول الجوار الكثير من الكوارث. فمما لا شك فيه أن الإرهابيين ليسوا ليبيين بالضرورة وأنهم قادمون من دول متعددة وخصوصا من تونس، لكن ما لا يمكن إنكاره أنهم يجدون في ليبيا حاضنة لا تتوفر في بلدانهم كما يجدون فيها من يأويهم ويوفر لهم الإقامة وأماكن التدريب والمال الذي عجزوا عن الحصول عليه في مواطنهم الأصلية.

فيكتوريا سيميوشينا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية