روسيا وسوريا: الحسم العسكري يتقدّم الحل السياسي

حجم الخط
2

■ يحتدم السجال حول أهداف حملة روسيا الناشطة ضد تنظيمات الإرهاب في سوريا. أهداف متكاملة احياناً، متضاربة أحياناً اخرى، يقول مسؤولون رسميون ومحللون سياسيون ومعلّقون إعلاميون، إن روسيا بوتين تريد تحقيقها بغية العودة إلى مسارح العالم كقوة عظمى.
من بين هذه الأهداف، واحدٌ يتفق الجميع على توصيفه، وإن كانوا يختلفون حول تحديد نطاقه. إنه دحر الإرهاب متمثلاً بتنظيمات متعددة في أسمائها وارتباطاتها، لكنها موحدة في عقيدتها ووحشيتها. في مقدّم هذه التنظيمات، تأتي «الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش» تليها «جبهة النصرة». غير أن ثمة خلافاً بين الولايات المتحدة وروسيا حول تحديد هوية مجموعة كبيرة من التنظيمات الناشطة على الأرض وخطورتها، متحالف بعضها مع «داعش» وبعضها الآخر مع «النصرة» واخرى مع دول عربية وإقليمية.
روسيا، بلسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، تعتبر كل هذه التنظيمات إرهابية وتقوم طائراتها الحربية بضربها. الولايات المتحدة، بلسان بعض مسؤوليها، ولاسيما رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس شيوخها السناتور جون ماكين، تتهم روسيا بأن غارات طائراتها «كانت ضد الأشخاص والمجموعات التي تموّلها وتدعمها وكالة الاستخبارات المركزية C.I.A». لافروف سارع في توضيحٍ لافت إلى استثناء إحداها بقوله إن موسكو «لا تعتبر الجيش السوري الحر تنظيماً إرهابياً، بل ترى أنه يجب أن يكون جزءاً من العملية السياسية، وهذا ضروري لتأمين مفاوضات ثابتة للتسوية السياسية». يصعب على «الجيش الحر» تكذيب واقعة تمويله ودعمه من وكالة الاستخبارات المركزية، لكن لن يصعب عليه الإعلان بأن طائرات روسيا لا تستثني مواقعه (القليلة) في شمال سوريا من غاراتها المدمرة. الأمر نفسه يصعب على واشنطن، لاسيما وأنها منشغلة في درس وتحليل واستشراف مرامي الحملة الروسية الواسعة النطاق في سوريا والمرشحة للتمدد إلى العراق.
كثيرة هي التكهنات الامريكية والإسرائيلية والأطلسية حول المرامي القريبة والبعيدة لحملة روسيا الناشطة ضد الإرهاب وتداعياتها في الحاضر والمستقبل المنظور. لعل رسم لوحة سريعة لخصائص الحملة الروسية وملابساتها يُسهم في تكوين فكرة عن مراميها على النحو الآتي:
اولاً، باغتت الحملة الجميع في توقيتها وحجمها ونطاقها، ذلك أن سلوكية موسكو، عشيةَ انتقال الرئيس بوتين إلى نيويورك وخطبته أمام الجميعة العامة للأمم المتحدة، لم تُوحِ بتحركٍ وشيك على هذا المستوى من الحجم والفعالية و… الجرأة.
ثانياً، لفتت الحملة الجميع بأنها تجري في إطار القانون الدولي، فقد استجابت موسكو في حملتها لطلبٍ من الرئيس السوري، ما يؤكد احترامها لسيادة سوريا، كما أكدت أن حملتها تتكامل في إطار قرار سابق لمجلس الأمن الدولي بمواجهة الإرهاب، وانها تستهدف جميع تنظيماته. كل ذلك في حين أن الولايات المتحدة لم تراعِ في حربها على الإرهاب ايّاً من هذه الشروط والاعتبارات.
ثالثاً، حرصت روسياً على التعاون بجديّة مع المجتمع الدولي في مواجهة الإرهاب، باقتراح قدّمته إلى مجلس الأمن يقضي بإقامة تحالف دولي لهذا الغرض في إطار الأمم المتحدة، يضم جميع الدول ذات الصلة، وفي مقدمها سوريا وايران، في حين أن الولايات المتحدة كانت ترفض دائماً التعاون مع هاتين الدولتين في هذا السبيل.
رابعاً، اختارت روسيا توقيتاً مناسباً لمباشرة حملتها، فالولايات المتحدة منقسمة على نفسها ازاء مسألة الاتفاق النووي مع ايران، والموقف من إيران وتحديات تنامي نفوذها في الشرق الاوسط، بعد استعادة أموالها المجمدة في دول الغرب الاطلسي، ومتطلبات مواجهة روسيا في اوكرانيا، وتضارب مواقف المرشحين ومصالحهم مع اندلاع معركة الرئاسة الامريكية، وانشغال تركيا بانتخاباتها من جهة وبحربها المتصاعدة مع اكرادها من جهة اخرى، وانشغال السعودية بحربها في اليمن، وانشغال اسرائيل بمقاومةٍ شديدة يشنها الفلسطينيون ضد محاولاتها المتمادية للاستيلاء على الاقصى. كل هذه الانشغالات تحول دون قيام تنسيق مجدٍ بين خصومها الدوليين والإقليميين لمجابهة حملتها ضد الإرهاب في سوريا.
خامساً، اسفرت، على ما يبدو، محادثاتُ روسيا مع ايران وسوريا وتعاونها معهما في مجالات عدّة (وضمناً مع العراق وحزب الله في لبنان) عن قيام «تفاهم استراتيجي» بين هذه الاطراف لتحقيق أهدافٍ محددة ابرزها: دحر تنظيمات الإرهاب (خصوصاً «داعش» و»النصرة») في سوريا والعراق؛ استعادة الوحدة الجغرافية والسياسية لهذين البلدين؛ مواجهة الدول الاقليمية التي تفتح حدودها للإرهابيين القادمين من شتى انحاء العالم، ولاسيما من روسيا ودول آسيا الوسطى والقفقاز؛ وملء الفراغ الناجم عن انحسار نفوذ الولايات المتحدة في دول الشرق الاوسط الكبير. تجلّى هذا التفاهم الإستراتيجي بتعزيز التنسيق والتعاون العسكريين بين سوريا وكلٍّ من روسيا وايران، وبالتالي نشر قوة جوية وبرية روسية، وقوة من الحرس الثوري الإيراني، ووحدات من حزب الله في غرب سوريا ووسطها، كما بإقامة غرفة عمليات وتبادل معلومات مشتركة بين روسيا وإيران والعراق وسوريا مقرها بغداد.
يمكن الاستنتاج من استقراء هذه التطورات السياسية وواقعات أخرى ميدانية أن اطراف «محور الممانعة والمقاومة «، بالتعاون مع روسيا، قد اتفقت على أولوية الحسم العسكري كخيار يتقدّم الحل السياسي، وأنها قررت دعم الجيش السوري في هجومه المرتقب على مختلف المجموعات الإرهابية في منطقة سوريا الوسطى، الممتدة من شمال محافظة حمص إلى محافظة ادلب مروراً بغرب محافظة حماة وصولاً إلى الأطراف الجنوبية لمحافظة حلب. ذلك أن إحكام السيطرة على وسط سوريا يحمي مصادر الإمداد اللوجستي وخطوطه على طول الساحل السوري (محافظتي اللاذقية وطرطوس) ويمنع تالياً اي محاولة لشطر سوريا إلى نصفين في وسطها، كما يعزز مواقع انطلاق الجيش السوري لاحقاً لتحرير محافظات الرقة والحسكة ودير الزور، ومن ثم شمال محافظة حلب من الجماعات الإرهابية.
هل تردّ أمريكا على روسيا بإجراء أقوى من تعزيز اسطولها الجوي في قاعدة ديار بكر التركية؟ أم بتزويد التنظيمات المموّلَة والمدعومة من استخباراتها المركزية بصواريخ دقيقة متطورة ضد الطائرات لاستنزافها وحلفائها؟ ام يمسّها جنون «تكفيري» فتحاول التخلص من بشار الاسد شخصياً؟ في هذه الحال، كيف ترد روسيا وحلفاؤها؟ سؤال مفتوح على شتى الاحتمالات.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية