رياض الشعار… «غويا» الحرب السورية: عليَ أن أرسم لأنّني أريد للحياة أن تنتصر

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: لم يزل رياض الشعار مقيماً في مدينة سلمية التابعة لمحافظة حماة على قوس البادية السورية، لم يزل يمارس طقوسه اليوميّة: يرسم، يجتمع مع ما تبقى من أصدقاء، ويحلم بسوريا أجمل. لمن يعرف الشعار فهو يعرف فرحه ومشاكساته، عناده، ولوحاته التي تضجّ بالألوان النارية، أحمر صارخ وأصفر لا يجرؤ أغلب الفنانين على نشره بمساحات واسعة من اللوحة، كما اعتاد الشعار أن يفعل وهو يخط هيكلاُ لجسد أنثى ضبابيّة الملامح دائمة الحضور.

□ لماذا لم يرحل رياض الشعار، ولم يغادر منطقته التي باتت «داعش» على تخومها والاشتباكات العسكرية تناوشها منذ أكثر من ثلاثة أعوام؟
■ لقد قررت البقاء هنا لأنني لا أستطيع أن أكون في مكان آخر، ولا يمكنني أن أنظر إلى وجع الناس من الخارج رغم الخطر الذي يحيط بمدينتي. الكثيرون غادروا، لا ألوم أحدا ولكنني لا أرى هذا صوابا.
□ وسط الحرب وانقطاع الكهرباء وهجرة الأصدقاء وكل أنباء الوجع، كيف تنظر اليوم إلى علاقتك بالرسم؟
■ في ظل ما نعيشه من أزمات متتالية وموت كثير وحزن كثير كيف لي أن أرسم؟! وكيف لي أن أعبّر عمّا بداخلي، وكيف لي أن أعبّر عن وجع يقتاتني؟ بقيت لفترة غير قادرٍ على إنجاز شيء، على الرغم من أنّ الرسم ملاذي الوحيد والرئة التي أتنفس بها، لكن الظرف كان قاهراً، ثمّ عدّت، متمسّكاً بخيطٍ من الأمل، عدّت إلى مرسمي لأستمرّ بالحياة.
عيش أربع سنوات من سيروة هي الأمرّ والأكثر ألماً، الأكثر اشتهاءً ورونقاً في بداياتها الملحميّة، قبل أن يرخّص سوريون كُثر بها ويهبونها للمجتمع الدولي، يحوّلها حرباً أهليّة وهي في الواقع حرب بالوكالة، كانت كفيلة هذه التجربة بتحوير ألوان الشعار، فغاب لونه الصارخ بالحياة قوّة وشهوّة، وغدت لوحاته مساحة لعبور الأموات تسودها ألوان الأخضر القاني والأسود، فتكسب اللوحة مسحة من حضور الأشباح، وكأنّ العمل الفني هنا ليس تثبيتاً للزمن، بل محاولة لتذكّر الزمن. الزمن الذي حوى ذاك الكائن في فرحه أو في لحظة تعذيبه حتى الموت، أو وهو يسير إلى حتفه على يدّ سيافٍ ليس من أهل البلد.
□ هل لازالت المرأة موضوعاً ثابتاً في أعمالك؟ ما الذي غيّرته أربع سنوات من الحرب في هذه المرأة وفي لوحتك بشكلٍ عام؟
■ ليس ثمة شيء ثابت في الرسم. أحيانا يكون حضور المرأة ضرورة تعبيرية في اللوحة، وأحياناً أتكئ على هذا الحضور لأستخدم ألواني ولغتي. أما عن السنوات الأربع التي مرّت بنا وما زلنا نعيشها فثمّة شيء حصل قد يحتاج إلى تفكير مختلف بشأن اللوحة، وإلى لغة تعبيرية مختلفة، حتى اللحظة أخاف أن أرسم عملاً لا يرتقي لدمعة طفل في المخيمات. ربما أحتاج لوقت كي أعيد ترتيب أفكاري والبدء بتفكير مختلف لصياغة عمل فني برؤية جديدة ومعبرة، ومازال لدي هاجس ما الذي سأرسمه غداً، على الرغم من أنني أجرّب الكثير ولا أرضى، ولكن عليَ أن أرسم لأنني أريد للحياة أن تنتصر.
بالفعل يجّرب الشعار كثيراً، وتكثر في أعماله الأخيرة مقاربات البورتريه، مقاطع رأسيّة صوّرها بتقنيّته التجريديّة، متلاعباً بالضوء وانعكاساته على سطح اللوحة، مُحيلاً بفضل جُرأته اللونيّة الحركة الأساسيّة في اللوحة إلى الهروب من الموت أو الرقص، حيث يستخدم اللون الأزرق ممزوجاً بالأبيض، من دون أن يُرى هذا الأخير حتى بفضل بقعة صفراء تسرق مركزيّة الرؤيّة وتقيم توازناً عمودياً في بناء اللوحة.
حضور اللون في اللوحة لا يهبها حركتها فقط، بل يُشكّل إيقاعها المُنسجم مع ضربات الفرشات العريضة الدائريّة وشبه الدائريّة، فتخلق أثراً من صرخة، من ريح، من رقصة مولويّة، تتكامل وأثر اللون الأبيض الساكن في الطبقة الأولى تحت باقي الألوان، كطين الخلق، لتحيل تجربة الرسم هنا إلى مقاربات صوفيّة. ففي أعمال الشعار يسير الأشباح باتجاهنا مهاجمين أو سلميّن لكن خوفنا النابع من تملكنا لعقدة الذنب كوننا الناجين يملؤنا بالتوجّس منهم، وكأنّنا نحن من ينتظر المحاسبة لا تلك الأرواح التي انتقلت إلى ربها مختارةَ أو مُجبرة. يخفّ المكان في أعماله حتى يكاد يتلاشى، تغيب الإكسسوارات ليتسع فضاء يكاد يبتلع كلّ شيء ويضجّ بانفعالات الشعار. إنّ حضر عنصر غريب عن تكوين الجسد فهو إضافة للذكرى، للمكان الذي كان، للحدث الذي كان، وكلاهما شكل «الأنا» التي كانت لنا قبل الحرب، هويتنا وذاكرتنا اللتين تتعرّضان لتفتيتٍ عُنفّي مُتعدّد الأطراف كلّ يوم.
عكست بعض أعمال الشعار الأخيرة هذا الحضور الثقيل للموت، للحرب، وغضبه عليها، وهي لوحات افتقدت حضور سيدتها البهي، ونحت إلى ملء فراغ اللوحة بتجليّات إنسانيّة أكثر قسوّة، تكثّف معنى الوحشّة والوحشيّة. مُقارباً بهذه الأعمال تجربة الرسام الإسباني الشهير «غويا 1746- 1828» خاصة من الناحيّة اللونيّة واستخدام الظلال والضوء- اللون الأبيض في تضادات قويّة، ساهمت بعكس الشحنة العنفيّة التي تطوّرت مع غويا في «لوحاته السوداء» التي رسمها آخر حياته.
□ هل تعتقد أننا شهود على الموت؟ أم أننا مُكبلون بذنب النجاة؟ هل توثّق موتنا أم ترسم الحلم المقبل؟
■ قد يكون قدرنا أن نكون شهوداً على موت صارخ، ولكن علينا العمل لنكون جزءاً من مستقبل مقبل لا بُدّ، وعلينا أن ندافع عنه لأننّا لا نملك سوى الحلم بغدٍ آخر تسود فيه ثقافة الحياة، ثقافة الكرامة في مواجهة شبح الموت الذي لم يكفّ عن قتل أحلامنا .

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية