عمان – «القدس العربي»: توقفت نسبيا خلال الأسابيع الأربعة الماضية أو دخلت حتى في حالة كمون ظاهرة التذمر المشترك بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الأردن دون ان تولد حتى اللحظة مبادرة مرنة تستطيع انجاز توافق يسمح للسلطتين بالانسجام مع الرؤيا الملكية المرجعية التي تطالب بالشراكة الانتاجية والعمل معا فيما تلوح في الوقت نفسه بقاعدة الرحيل الجماعي في حالة العجز عن العمل المشترك .
إلى حد كبير لمس مسؤولون في مؤسسات سيادية أردنية حالة توقف قد تكون وهمية للتذمر المتبادل ما بين رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي ورئيس مجلس النواب وأقوى رجل في البرلمان بحكم الواقع الموضوعي المهندس عاطف الطراونة .
الطرفان اشتكيا من بعضهما وكل منهما تذمر من الآخر خلال الدورة الوحيدة التي انعقدت بعد انتخابات 2016 .
والفرصة اليوم متاحة لإظهار قدر من العمل ضمن الأجندة التوجيهية العليا في دورة صيفية للبرلمان.
يحصل ذلك فيما يبتلع مجلس النواب وهيئاته القيادية قصة التعديل الوزاري الأخير الذي انجز تماما بدون إظهار أي حالة تشاور مع كتل البرلمان خلافا للموضوع .
ورغم انطباع الجميع القاضي بأن هذا التعديل كان عابرا للحكومة أصلا ولا علاقة لها به وتطلبته مقتضيات لم تفهم بعد إلا ان الجهة التي يمكن ان يلومها النواب على تجاهلهم هي جبهة الرئيس الملقي فقط الذي يحرص بدوره ومن خلال اتصالات مع عناصر طاقمه الوزاري على بقاء الثقة حاصلة بين الحكومة والنواب والعمل ضمن آلية مشتركة لان القصر الملكي ما زال يتمسك بقاعدة تقول أن الحكومة ستبقى ما دامت قادرة على الاحتفاظ بثقة نواب الشعب .
نواب الشعب هنا يشعرون وفي أكثر من موقع وموقف بان حكومة الملقي تتجاهلهم في القضايا المفصلية .
ووزير المالية في حكومة الملقي عمر ملحس يصر عندما يتعلق الأمر بالشأن الاقتصادي والمالي على اتهام النواب بالاستعراض الشعبوي وبقصور موقفهم في التعامل مع الواقع في الوقت الذي يتعامل فيه الشارع مع مجلس النواب باعتباره متهما بتمرير سياسات اقتصادية خشنة تضغط على المواطن وبدون القيام بواجب التصدي الرقابي . بعض النواب في الأثناء يحاولون تقليد صفة رجل الدولة وليس ممثل الشعب في مواقفهم التي تتفهم أوضاع المملكة الاقليمية والسياسية على حساب أوضاع المواطنين وبين هؤلاء مساعدون لرئيس المجلس أو رؤساء كتل ولجان طامحون بمقعد دائم في الطبقة العليا .
مشكلة هذا النمط من التقليد انه يحرم في النتيجة البلاد والعباد من المكاسب الناتجة عن صفة التمكين الشعبي فالساحة مزدحمة برجال الساسة وطبقة رجال الدولة لكن هيئة تمثيل الشارع لا تشهد ازدحاما حقيقيا وهو وضع اشكالي معقد لا تعود خسائره فقط على الرأي العام ولكن على الدولة والمؤسسة والحكومة أيضا لأن نتيجته الحتمية تكديس الطموحين بالمصالح السياسية وبالتحول إلى ادوات بيد الحكومة والدولة على حساب فوائد الاستثمار بوجود سلطة تمثل الشعب فعلا .
في كل الأحوال الضغط الاقتصادي العنيف على الخزينة وحساسية الاعتبارات الإقليمية مسائل تحول دون الاستعراض على حساب المصالح العليا وعند الطرفين .
في المقابل تبرز في الشارع تلك الأصوات التي تحاول قراءة المشهد ومخاطبة مركز القرار على أساس الحاجة الملحة لوجود سلطة تشريع تعكس ولو الحد الأدنى من تمثيل الديمقراطية والناس لأن الدولة في كل الأحوال لا تستفيد كثيرا من زحام الطامحين في التحول إلى نجوم أو أدوات حكم ولأنها تخضع جراء هذا الزحام لبعض مظاهر الابتزاز التي يعرفها الوزراء والمسؤولون .
هذا النمط غير المستقر والمزاجي في العلاقة بين رموز سلطتي التنفيذ والتشريع يمنع بالنتيجة العمل على برامج مشتركة في الواقع الميداني من النوع الذي يربط المصلحة بين مؤسسات الدولة ورعاياها المواطنين .
هنا حصريا تبرز الإشكالية حيث لا توجد برامج عمل مشتركة لها علاقة بقطاعات الخدمات الجماهيرية بالرغم من زحام اللجان البرلمانية وتجمع الوزراء مع النواب في عمل مشترك كما كان يحصل في عهد مجلس النواب السابق عبر المبادرة النيابية التي شكلت علامة فارقة في تاريخ البرلمان الأردني قبل ان تقمع وتمنع من استكمال برنامجها بسلسلة من الإستهدافات التي نفذها وقام بها مرة بيروقراطيون يمثلون الحرس القديم أو أمنيون رحلوا عن مواقع الإدارة مؤخرا .
نتج بوضوح عن غياب برامج مشتركة بين النواب والوزراء واقع طالما سعت الدولة لتجاوزه فقد اضطرت مؤسسة القصر الملكي للتدخل مجددا في تلك التفاصيل غير السيادية بل القطاعية والفنية التي ينبغي ان تتطور ويتحسن الأداء فيها عبر التفاعل بين الوزراء والنواب فقط .
لذلك ظهر الملك عبد الله الثاني شخصيا يناور ويبادر ويسأل عن التفاصيل على أمل دفع عملية التحسين والتطوير في قطاعات مثل النقل والاستثمار والسياحة وتطوير القضاء والمياه وهي ملفات يفترض ان تعمل عليها الحكومة أصلا بالتعاون مع ممثلي الشعب .
وتلمح جميع الأطراف اليوم حجم ومستوى ومنسوب خسائرها جراء عملية التغييب والقمع التي تعرض لها برنامج الاشتباك الإيجابي الذي ولد مع الحكومة السابقة برئاسة الدكتور عبد الله النسور وفي عهد مجلس النواب المسبق.
وهو برنامج نتج عنه نمط فريد من العمل على قطاعات محددة لها علاقة بالتنمية والناس حيث انتهى بسبع وثائق مرجعية ومفصلة ونادرة لا أحد يعرف مصيرها الآن ولا أحد يعرف المتحف الذي وضعت في أدراجه مع أنها وثائق تتعلق بقضايا وملفات محورية وأساسية مثل التعليم والسياحة والمياه والنقل والمواصلات .
غاب الاشتباك الإيجابي
ولم يظهر بديل عنه .
واستهدفت المبادرة التي نحتت هذا المفهوم عبر العبث بالانتخابات لرموزها في عام 2016 دون توفير البديل أيضا .
النتيجة واضحة للعيان الآن الاشتباك بدلا من ان يكون إيجابيا وبين مؤسسات سلطتين أصبح سلبيا وبنظام القطعة ومتأثرا بالمزاج الشخصي لرجلين .
والمبادرة بدلا من ان تتحول إلى مفهوم يكرس الاستقرار التشريعي بصورة تنسجم مع الرؤية الملكية استهدفت من خصوم داخل وخارج الدولة وفي عدة مرات وقبل وبعد الانتخابات الأخيرة بحيث أصبحت مبادرات التعاون بين النواب والوزراء اليوم عشوائية أو اعتباطية او مرتبطة بالجانب الشخصي فقط والفردي وبصورة تمنع حتى وزير يساري مثقف لشؤون البرلمان من وزن موسى المعايطة من العمل بصورة منظمة وفي أي موضوع رقابي أو تشريعي مع نواب إما طامحين في المزاحمة والمناكفة أو يمارسون الوعظ والخطابة فقط .
بسام البدارين