زحف الجزائريين على تونس

سوف يأتون… نعم سوف يأتون ويزحفون على تونس بالالاف وحتى بالملايين مثلما توقعت ونشرت ذلك أكثر من صحيفة محلية تونسية. ولن يثنيهم أو يحول دون قدومهم اي حدث عابر أو طارئ.
فالجارة الصغرى تظل بالنهاية ملاذهم الاول والاخير في عطلات الصيف. ولأجل ذلك سوف يغلقون عيونهم ويصمون آذانهم عما يكتبه المدونون في الفيسبوك او يغرده المغردون على تويتر، ولن يستمعوا مطلقا لما تقوله نشرات الاخبار عن إحباط مخططات اغتيال او تفجيرات او الكشف عن اسلحة او خلايا نائمة او سيارات مفخخة، ولن يهتموا كذلك لما تردده محطات الاذاعة والصحف المحلية التونسية من أن البلد بات على شفا هاوية وكف عفريت. كل ذلك لن يعنيهم أو يؤثر على قرارهم بالقدوم. أليسوا اخواننا وأقرب الجيران إلينا؟ وأليس هذا هو وقت الاختبار الاصعب والأهم لصدقية ومتانة أخوتهم؟ واذا لم يمدوا الينا يد العون والمساعدة الآن ونحن في قلب المحنة والأزمة فمتى سيفعلون ذلك إذن؟
إنها حمى الهواجس التي استبدت بالكثيرين، وجلبت معها سيلا جارفا من التأكيدات والتطمينات من أكثر من جانب، وكأن تونس لا تصدق ان المليون جزائري الذين يقصدونها سنويا ويمثلون طوق النجاة لاقتصادها الجانح والمنكوب لن ينكثوا عهودهم هذا العام ويغيروا وجهاتهم نحو بلدان اخرى اكثر جذبا واغراء. لقد صار هؤلاء الوافدون المرتقبون من بلد الغاز والبترول والمحملون بما خف وزنه وغلا ثمنه من الدولارات، بمثابة المنقذ الاكثر قربا وجهوزية لانتشال سياحة توشك على الانهيار التام، بفعل الضربة البحرية الموجعة التي تلقتها في سوسة منتصف الشهر الماضي. ولاجل ذلك فكل الوسائل باتت ممكنة ومشروعة لاغرائهم بالسير في الاتجاه المعاكس، الذي اختاره معظم الاوروبيين التقليديين وهو إلغاء أو تأجيل رحلاتهم إلى تونس حتى إشعار لاحق. وها هي الإشارات الرمزية نحوهم تتالى وتتنوع، فبعد أن قصد وزير المالية منفذا بريا مع الجزائر ليطمئن بنفسه على ظروف استقبالهم، نقلت الأنباء خبر تحول محافظ جندوبة إلى المعبر ذاته بعد ايام لتوزيع الهدايا على القادمين والترحيب بهم. أما الفنادق فقد جددت عروضها بتقديم تنزيلات جديدة في الأسعار، بل تردد أن البعض منها قد شمل الجزائريين بالخصومات المعلنة ذاتها لفائدة النزلاء التونسيين. ما الذي بقي فعله بعد ذلك إذن؟ مزيد من الأمن، يجيب مسؤول بإحدى وكالات الأسفار بالجزائر، قبل أن يضيف في مقابلة نشرتها صحيفة «الشروق» الجزائرية بأنه «مهما كانت نزعة التعاطف والتضامن قوية بين الشعبين التونسي والجزائري تبقى تلك الشعارات مجرد كلام لا غير، لان من يقصد تونس بحسب آخر الاحصائيات هم عائلات وازواج جدد، ومستحيل أن يخاطر هؤلاء بانفسهم وأولادهم لمجرد قضاء عطلة»، فالواقع يقول حسبما يضيفه المتحدث بأن «الوضع في تونس غير آمن، وكما هو معلوم فإن أهم مقياس لاختيار الوجهة السياحية هو الأمن والأمان، وحتى لو توفرت العروض المغرية وارقى هياكل الاستقبال، فإن الكثير من الجزائريين غيروا وجهتهم نحو تركيا أو شرم الشيخ». أين التضامن والاخوة والمودة اذن؟ لقد ذهبت كلها ادراج الريح، ولم تصمد أمام عاصفة الارهاب تماما مثلما تلاشت وتبخرت كلمات الثناء والاطراء على الديمقراطية العربية الفريدة عند اول اختبار عملي أوقع ضحايا غربيين. وهنا لم يعد هناك فرق بين البريطانيين الذين حزموا امتعتهم وغادروا والجزائريين الذين غيروا وجهاتهم تحت مبرر الخوف من وقوع اعتداءات وهجمات ارهابية في تونس. لقد قال الاصدقاء ألا معنى للصداقة والديمقراطية بدون أمن رعاياهم، وردد الاشقاء ألا قيمة للاخوة والجوار متى كان الخطر محدقا بحياتهم. ويبدو أن المأزق الذي تواجهه تونس الان هو في انجرافها بقوة إلى حرب لم تكن جاهزة أو مستعدة ابدا لتحمل اعبائها وتكاليفها، أو حتى توقع المدى الزمني الذي سوف تستغرقه قبل أن تضع اوزارها بشكل تام ونهائي. لقد كانت تتصور أو تحلم بأن حربها هي معركة كونية للدفاع عن آخر قلاع الديمقراطية العربية، وأن الشرق والغرب على السواء سوف يهب لنجدتها والوقوف معها في تلك الحرب، ولكنها لم تجن حتى الان سوى الدعوات والاشادات البراقة التي لا تغني أو تسمن من جوع. ولعل الظهور الاخير لوزير الاستثمار التونسي على شاشة «بي بي سي» يعكس جزءا من تلك المتناقضات. فقد اختار أن يعيد بنبرة صارمة ما ظل يقوله المسؤولون التونسيون باستمرار من أن» تونس في حالة حرب مع الإرهاب»، لكن المذيع قاطعه بسؤال مفاجئ وغير متوقع وقال له ببساطة وبدون لف ولا دوران، «إذا كانت بلادكم في حالة حرب فلماذا تدعون السياح إليها إذن؟». وهنا صدم الوزير واكتفى بالرد بان «الحرب التي تخوضها تونس ليست تقليدية ولا دائمة وإن الارهاب ظاهرة دولية». لقد كان الاعتقاد السائد أن مجرد الاعلان عن أن البلد في حالة حرب سوف يجلب السياح والمستثمرين، ولكن البراغماتية الانكليزية كان لها منطق مخالف يرفض السير وراء الشعارات والاعلانات الزائفة، ويفضل أمن ومصلحة المواطنين على مظاهر التضامن الاجوف مع الغرباء. وللاسف فإن التونسيين لا يرون تلك الحقيقة أو لا يرغبون على الاصح برؤيتها كاملة وعلى حالها ويصرون على الانسياق الاعمى وراء مشاعر شديدة التقلب والتلون تكاد لا تستقر على حال. فالاشقاء الجزائريون الذين تفتح تونس الان أذرعها لاستقبالهم كانوا حتى سنوات قليلة مع الاشقاء الجنوبيين القادمين من ليبيا، يعدون مصدر ازعاج وارباك حقيقي للاقتصاد المحلي. وبحسب ما ظلت تروج له الحملات الاعلامية فان قدومهم بالالاف والملايين كان السبب الاول والمباشر في ارتفاع اسعار العقارات وتدحرج المقدرة الشرائية للتونسيين واستنزاف مقدرات الدولة باستفادتهم من دون وجه حق بالدعم الحكومي لبعض المواد الغذائية والبترولية. وحتى الفنادق كانت تفضل الاوروبيين بالدرجة الاولى على باقي الجنسيات الاخرى. فما الذي تغير الان؟ إنها الأزمة التي أطلت برأسها وقلبت كل شيء، وجعلت الحديث السابق عن ارتفاع الأسعار يتحول إلى خوف من انهيارها السريع والمذهل، ولم يعد ذلك مقتصرا على نشاط أو قطاع دون آخر. فحتى رئيس اتحاد المزارعين تحدث في مقابلة مع صحيفة «الصباح» المحلية عن انهيار كارثي لأسعار المنتوجات الفلاحية بفعل انكماش الاقبال على الفنادق وتراجع الحجوزات. ولم يعد هناك من سبيل للانقاذ سوى عودة الجيران بسرعة ونسب اعلى من التي كانت تسجل في الماضي، ولكن ليس كل الجيران فمقابل الدعوات السخية للجزائريين لا شيء يدل على أن القادمين من ليبيا يحظون بالترحيب ذاته. لا استقبال لهم في المعابر ولا كلمة مجاملة أو اطراء وحيدة تقال في حقهم في الصحف، بل يبدو الامر وكأن لتونس جارة واحدة في الغرب هي الجزائر، واخرى في الشرق هي ايطاليا. اما في الجنوب فلا شيء غير فراغ الصحراء. أما المنطق الذي يحرك التونسيين ويقودهم نحو ذلك التصور المخالف لمنطق الاخوة والجوار والمتنكر للجغرافيا، فهو أن الجزائر دولة كبرى ماتزال ممسوكة بيد من حديد، أما ليبيا فقد فقدت سطوتها وبريقها وصارت أرضا رخوة تخضع لسيطرة الميليشيات وتدخل الاجانب. ولاجل ذلك فقد اهتزت تونس بكامل احزابها وأطيافها لتصريح الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي في زيارته الاخيرة للبلد، لما ذكر انه «من سوء حظ البلاد التونسية أن تشارك ليبيا والجزائر حدودها. ولا أحد يعرف إلى ما ستؤول اليه الاوضاع في الجزائر، وكيف ستكون البلاد في المستقبل وكيف سيكون وضعها».
اما السبب فهو أن التصريح عد تهجما غير مبرر على الجزائر، أو كما وصفه وزير الخارجية الجزائري «عودة للفكر الاستعماري»، لكن لا أحد تذكر أن هناك بلدا اخر قد ذكر في كلام ساركوزي هو ليبيا التي دعا مدير مركز الدراسات الاستراتيجية صراحة في حديث لاحدى الاذاعات التونسية إلى وضعها تحت الوصاية الدولية لمدة لا تقل عن الخمس سنوات.
ولاجل كل ذلك فقد باتت تونس تترقب بشوق زحف الجزائريين عليها وفاء لواجب اخوة وجوار حولته تقلبات السياسة واطوارها من ارتباط وانتماء حضاري دائم ومفتوح إلى مجرد شعار أجوف يرفع فقط بحسب ما تفرضه الحاجة والضرورة ولا يساوي الكثير من دون ملايين الدولارات المنتظرة والمطلوبة من ورائه.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية