زرافات الباشا!

حجم الخط
2

لم يجد محمد علي باشا حاكم مصر، خلال مساعيه للتقارب مع القوى الأوروبية، هدية أفضل من حيوان نادر وغريب على الأوروبيين هو الزرافة، لذلك قام بإهداء ثلاث زرافات إلى فرنسا وبريطانيا والنمسا في الفترة ما بين عامي 1827 و1829. في البدء خاف مسؤولو ميناء مارسيليا من حدوث ذعر في المدينة لو انتشر خبر وصول «وحش عملاق» قبل إعلان رسمي تمهيدي، لذلك رتبوا وصول الزرافة ليلاً في نوفمبر/تشرين الثاني 1826، ليتم نقلها فوراً إلى فناء قصر حاكم المدينة حيث أمضت هناك موسم الشتاء، إما في حفلات الاستقبال التي نُظِّمت «تكريماً لها»، أو في شوارع المدينة التي كانت تقطعها في جولة يومية من الثانية عشرة ظهراً إلى الثالثة عصراً وسط حفاوة شعبية.
في مايو/أيار 1827 انتقلت الزرافة إلى باريس على مراحل بصحبة مجموعة من رجال الدرك وقافلة من عربات المؤن، وتحولت الزرافة المنتظرة إلى خبر يومي في صحف باريس، مما شوّق الملك شارل العاشر إلى لقائها. في مدينة ليون ساعدت قوات الجيش في تسكين الزرافة في قصر بلكور، لكنها هربت وأثارت الذعر في المدينة، ونشرت الصحف في اليوم التالي أسماء الأطفال المفقودين في الهرج والمرج الذي أثارته الزرافة الهاربة، وطلبت من ذويهم الذهاب إلى قسم الشرطة لاصطحابهم. في يونيو/حزيران من العام نفسه وصلت زرافة الباشا إلى باريس وتم تقديمها إلى الملك في سان كلو بحضور الجنرالات وأساتذة الجامعة وخبراء علم الحيوان، وحين وصلت إلى حديقة النباتات، تزاحم ستمئة ألف زائر من جميع أنحاء البلاد لمشاهدتها في جولات تم تنظيمها عصر كل يوم بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 1827، وحققت التقاويم والروزنامات والنقوش التي حملت صورتها مبيعات قياسية، كما أصبحت موضوعاً لمسرحيات ونشرات ساخرة حملت عناوين مثل (الزرافة في حكومة الوحوش ـ السيدة زرافة في باريس ـ مغامرات الرحلة)، بالإضافة إلى أغنيات ورقصات حملت اسمها، وأوان خزفية تضمنت رسوماً لها، بل وأثرت على الموضة النسائية فألهمت تصميم صبغات وقفازات وعقود وأشرطة ومظلات وقصات شعر.
لا يذكر كتاب (تاريخ حدائق الحيوان في الغرب) تفاصيل عن زرافتَي الباشا اللتين ذهبتا إلى لندن وفيينا، لكنه يتحدث عن اهتمام مماثل أحدثته فيما بعد حيوانات قادمة من خارج أوروبا، مثل الغوريلا التي ظهرت في برلين في عام 1936، ودببة الباندا التي وصلت إلى باريس في عام 1973. يوثق الكتاب للمعاناة التي عاشتها الحيوانات الأسيرة في حدائق الحيوان مع الجمهور الغربي الذي كان يذهب إلى حدائق الحيوان، للتسلية بإزعاج الحيوانات وتعذيبها. كان أول ضحية معلنة للعنف ضد حيوانات الحدائق وحيد قرن لقي حتفه إثر طعنة سيف في عام 1793، وبعد أن توسع ارتياد الجمهور للحدائق تزايد عدد حوادث العنف ضد الحيوانات، فأحرقت أجنحة بعض الطيور أو انتُزعت، وتعرضت الحيوانات للضرب بالعصي أو الرشق بالحجارة، وتم تسميم طعامها بالتبغ أو الكحول أو الفسفور، وجرحها بصنارات صيد السمك والشفرات والإبر المثبتة في عكازات، وبرغم تشديد الحراسة على الحيوانات، أقدم الموظفون في بعض الأحيان على سرقة الطيور الصالحة للأكل، لا سيما خلال فترات الأزمات المصاحبة للحروب.
ظهرت أيضاً حالات لقتل وتسميم الحيوانات في الحدائق العامة التي تفتقر إلى الحراسة الكافية، وظهرت إساءات مماثلة في الحدائق الخاصة التي تفرض رسوماً للدخول مثل حديقة لندن ومدريد وتورين. يقول مشرف على حديقة الحيوان في موسكو في بداية القرن العشرين محاولاً تفسير التعامل الوحشي للجمهور مع الحيوانات، أن مشاهدة الحيوانات في الأقفاص دون حول ولا قوة، تدفع الكثيرين إلى الرغبة في الانتقام منها، كأنها مسؤولة عن شعورهم بالخوف منها، لكن مع الوقت توسعت حدائق الحيوان في فرض اللوائح والقوانين، بمساعدة حملات صحافية تدعو إلى السيطرة على سلوك رواد الحدائق، لتنخفض معدلات العنف تدريجياً، حتى اختفى زمن اضطرار المشرفين على حدائق الحيوان إلى حماية الحيوانات من اعتداء الزوار، وهو ما زلنا نطالب بتطبيقه حتى الآن في بلادنا المبتلاة بغياب القانون وحكم الفشلة.
خلال عرضه لتاريخ حدائق الحيوان، يشير الكتاب إلى وقائع مشينة قام فيها الرجل الأبيض في مراحل متفرقة من القرن التاسع عشر بالتوسع في ما قام به كريستوفر كولومبوس الذي اصطحب أسرى من السكان الأصليين لأمريكا ليدخل السرور إلى قلب حاكمه، حيث تم عمل حدائق عامة للإنسان، كالتي قام بها شخص اسمه فرنيكيه في عام 1800 عرض فيها مجموعة من الهنود ثم «بعض المصريين»، لتتطور الفكرة بعدها بعرض الحيوانات النادرة جنباً إلى جنب مع رجال القبائل، وتتكرر الفعلة الإجرامية مع سكان الإسكيمو والأفارقة في مئات المعارض في العواصم «المتحضرة»، ليتم تلطيف الفكرة بعد ذلك في مطلع القرن العشرين بعرض الحيوانات البرية مصحوبة برجال القبائل الأفريقية في معرض المنتجات الاستعمارية في قلب باريس «عاصمة النور».
يستعرض الكتاب تطور التعامل مع فكرة حدائق الحيوان التي باتت تلاقي معارضة متزايدة مؤخرا، في الوقت نفسه الذي تزايدت فيه ربحية الحدائق وإقبال الجمهور عليها، مما دفع أصحابها لتغليف دور الحدائق الربحي بالحديث عن ما تقوم به من تثقيف علمي ومساعدة في الحفاظ على الأنواع المنقرضة وتطوير التعامل مع الحيوان، في الوقت نفسه الذي تكشف الوثائق النقاب عن الدور الذي تلعبه حدائق حيوان كثيرة في ملف تجارة الحيوانات بشكل غير شرعي، حيث ثبت أن أكثر من 19 ألف حيوان ثديي تم إخراجها من حدائق حيوان معتمدة بين عام 1992 ومنتصف عام 1998، ذهب 38 في المئة منها إلى التجار أو المزادات أو مزارع الماشية أو أفراد غير محددين أو حدائق حيوانات غير معتمدة أو مزارع الطرائد، وفي فترات لاحقة أشارت تحقيقات استقصائية إلى وجود عدد كبير من المبيعات غير القانونية تمت عن طريق المحميات الخاصة التي تدعي المحافظة على البيئة، مثل قرود الشمبانزي التي باعتها مارتينا كوليت، وجراء الذئاب التي باعتها محمية الذئاب البرية في سانتا باربرا بكاليفورنيا، كما أشارت تقارير إلى قيام صاحب محمية حيوانات شهير بتسجيل مبيعات الحيوانات التي يقوم بها على أنها وفيات. في الوقت نفسه يذكر حصر للزرافات في العالم بأن هناك 600 حيوان تم اختفاؤها بعد البيع في عام 1997، وهو رقم ضخم للغاية.
يختم الكتاب هذا الجزء المهم بالإشارة إلى أن حديقة حيوان سان دييغو التي تصنف من أفضل حدائق الحيوان في العالم، تعتبر من أكبر ثلاثة أسواق سوداء للحيوانات بمعدل 79 في المئة من حجم هذه التجارة غير المشروعة، التي تزيد من تهديد الحيوانات المعرضة للانقراض، وهو ما يدفع للتساؤل عن حقيقة دور حدائق الحيوان بما فيها المعتمدة والتي تصفها صحيفة ميركوري نيوز بأنها تعمل بنشاط لإعادة إطلاق الحيوانات في البرية، بينما هي تعمل على إكثار الحيوانات لاستغلال جاذبيتها التجارية ثم تضعها في ظروف مشينة، خاصة أن أغلب زوار حدائق الحيوان لا يرون الحيوانات بوصفها مجتمعاً طبيعياً يجب الحفاظ عليه، بقدر ما يرونها سلعة للاستهلاك، لتشهد الموائل والبيئات الطبيعية في ظل شعارات الحفاظ على الطبيعة، أشد وأكثف حملات للنهب والتدمير لا يدري أحد كيف ومتى ستتوقف.

ـ حديقة الحيوان: تاريخ حدائق الحيوان في الغرب ـ إيريك باراتاي وإليزابيث فوجييه ـ مشروع كلمة.

٭ كاتب مصري

زرافات الباشا!

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية