كسول يدعى باسل غطاس علل في نهاية الأسبوع القرار بمقاطعة جنازة شمعون بيريز بحقيقة أن بيريز كان من مهندسي المشروع الصهيوني. في السعي إلى صد موجات الانتقاد التي انصبت عليهم من كل صوب، تمترس النواب من «المشاركة» في الغباء، التفاهة وانغلاق الحس في أنفسهم. فهم، الملتصقون بطاولة الدولة، ممن هم أعضاء في برلمان «المشروع الصهيوني» يقاطعون الطريق الاخيرة لمن يعتبر الرمز المطلق للسعي إلى السلام، من حطم العلبة وكرس 25 سنة أخيرة من عمره لجهد سيزيفي (عبثي) هائل للمصالحة بين إسرائيل والفلسطينيين.
فعل النواب العرب تعيس، بائس ومهين لسببين متراكمين. الاول، الموضوع الانساني. فالمشاركة في جنازة انسان ليست تبنياً لطريقه او لروايته. ففجأة تذكروا كفر قاسم وكفر قانا واذهب لتعرف أي قرى اخرى أيضا. خير أنهم لم يعودوا إلى طرد اسماعيل. شمعون بيريز هو الإسرائيلي الذي يتماثل اكثر من أي شخص آخر مع المسيرة السلمية، مع الجهود للمصالحة مع جيراننا، مع الاستعداد لاقامة دولة فلسطينية.
ورغم كل هذا، لم يروا من الصواب ابداء مزايا انسانية أساسية والتشييع في الطريق الاخير لمن كان رئيسا ورئيس وزراء. هذا الفعل هو صفعة وبصقة في وجه القلائل الذين لا يزالون يعتقدون بأنه يمكن الوصول إلى السلام. فهم حقا لم يفوتوا فرصة لتفويت الفرص. ليس لهم مشكلة في أن يتدلوا باستمتاع على الغصن، أن يقطفوا ثمار الشجرة، وفي نفس الوقت ان ينشروا بنشاط الجدع المركزي. لم يطلب أحد من النواب العرب ان ينفي النكبة أو ان يمجد المفاعل في ديمونا. الأمر الوحيد الذي كان متوقعا منهم هو أن يكونوا بني بشر.
السبب الثاني هو الازدواجية. فحقيقة أن بيريز هو شريك في المؤامرة الصهيونية الكريهة، جعلته مكروها وأبقتهم خارج مراسيم الجنازة، التي جاء اليها حتى ابو مازن (وتعالوا نعترف حقا: كان هذا فعلا شجاعا جدا من جانبه). والان، تعالوا نحاول أن نفحص ماذا كان عليه وضع نواب القائمة المشتركة لو لم يقم هنا المشروع الصهيوني: لعله كانت تسقط عليهم الان براميل متفجرة من السماء. لعلهم كانوا يعيشون في دولة أقل ديمقراطية بكثير مع حقوق أقل بكثير وواجبات أكثر بكثير. عرب إسرائيل هم العرب الأكثر سعادة في الشرق الاوسط. هم الوحيدون الذي يمكنهم أن يناموا بهدوء. لا توجد في كل أرجاء الشرق الاوسط أقلية واحدة وضعها أفضل من وضعهم. لا الاقباط في مصر ولا المسيحيون في لبنان ولا المسيحيون في سوريا ولا العلويون ولا الاكراد في اي مكان. ليس هناك في كل الشرق الأوسط عرب يستمتعون بالمياه والكهرباء 24 ساعة في اليوم، 365 يوما في السنة. في كل المقاييس المحتملة، وضعهم افضل بمئات في المئة من وضع كل الاخرين (بعد حسم عائلات الامراء السعوديين). نسبة وفيات المواليد، مدى العمر، مستوى المعيشة، التعليم والبنى التحتية.
ثمة الكثير مما ينبغي إصلاحه في مكانة عرب إسرائيل، وثمة أيضا جهد لاصلاح هذا. ومؤخرا فقط أقرت حكومة اليمين 15 مليار شيكل لخطة دراماتيكية لاصلاح المظالم والتمييزات المتعلقة بمواطني إسرائيل العرب. ولكنهم يواصلون التمترس في النكبة، في كفر قاسم وفي كفر قانا وفي كل هذا التباكي الصبياني الذي يقودهم إلى حيث قادهم على مدى سنوات جيل: إلى اللامكان.
النكبة، على ماذا؟ يتهمون شمعون بيريز، ولكن المذنبين الحقيقيين في النكبة هم زعماؤهم العباقرة الذين قالوا «لا» لقرار التقسيم في الأمم المتحدة. هم، إلى جانب دول عربية اخرى، انقضوا على إسرائيل الشابة التي قالت «نعم». لو لم يفعلوا هذا لكان وضعهم اليوم افضل بكثير. وبعد أن فعلوا هذا، هل مدوا يدا للسلام؟ لا. العكس هو الصحيح. وعندها جاءت حرب الايام الستة، ووضعهم ساء مرة اخرى. استنتاج لازم: منذ ايام النكبة، عبر سنوات الخمسين والستين، بقي مستوى الزعامة العربية على حاله: بائسة، ضيقة الأفق، متطرفة وكارثية.
إن الاغلبية الساحقة من عرب إسرائيل هم مواطنون مخلصون، يحترمون القانون وسعداء بإسرائيليتهم. كانوا سيأتون، لو كان بوسعهم، إلى جنازة شمعون بيريز. وهم جديرون بزعامة اخرى. ونحن ايضا.
بن كسبيت
معاريف 2/10/2016
صحف عبرية