المعضلة التي يقف أمامها رجل أو إمرأة الوسط ـ اليسار الإسرائيلي، ولنقل المعسكر الصهيوني، الذي يسعى إلى الوصول إلى الحكم، بسيطة رياضيا ومعقدة أيديولوجيا. فمن أجل خلق ائتلاف يحظى بثقة الكنيست لا يكفي إجراء جولة كراسي موسيقية في داخل الكتلة بل يجب نقل المقاعد هذه من اليمين إلى الوسط ـ اليسار.
إن فرضية كل من يدعون التاج من اليسار، منذ 1977، هي أن ليس لمصوتيهم خيار حقيقي للتصويت من خارج الكتلة. فهم «في الجيب» إذا. والفرضية الثانية كانت هي أن جزءا على الأقل من مصوتي اليمين سيكونون مستعدين لتغيير تصويتهم إذا اقتنعوا أن حزب الوسط المذكور مبطن برجال أمن وبتائبين من اليمين وأنه أقل يسارية وأكثر يمينية مما اعتقد. وهدف المهاجمين للحصول على ديوان رئيس الوزراء هو بالتالي التزلف لتلك المقاعد القليلة التي يمكنها أن تنتقل من كتلة إلى كتلة بتصريحات يمينية. هذه التصريحات وإن كانت ستغضب رجال معسكرهم»، إلا أنهم مع حلول الوقت سيصوت هؤلاء في داخل الكتلة (في أقصى الأحوال سيتحركون قليلا إلى اليسار في داخل الكتلة بمعنى أنهم سيصوتون لميرتس وليس للمعسكر الصهيوني). والمخاطرة الوحيدة التي يأخذها هؤلاء التكتيكيون ومستشاروهم بالحسبان هي إمكانية أن يبقى مصوتوهم في البيت في ظل النفور من قيادتهم. وهم يفترضون بأن هذه المخاطرة قليلة. في لحظة الاختبار فإن اعتبار «كله إلا بيبي» سيتغلب.
لهذا التكتيك الذي لم ينجح حقا في الحملات الانتخابية الأخيرة، توجد جوانب استراتيجية لا يحسب المستشارون حسابها حقا. فمعسكر يقوده على مدى السنين زعماء ينشغلون في قسم كبير من الوقت بالتزلف لأولئك الذين خلف الجدار، الحذرون، لاعتبارات تكتيكية من ألا يقولوا أي شيء لن يحبه رجل اليمين الذي يفكر ربما في التفكير بالتصويت للعمل، يفقد عموده الفقاري الأخلاقي والاستعداد للتجند. ولما كان يعتبر كمخزون قوى «مؤكدة» ليس إلا، فمن الصعب جدا حمله على العمل إلى ما هو أكثر من التصويت، في ظل إغلاق الأنف، في يوم الانتخابات.
إن الخطوة الأكثر ذكاء المتمثلة بـ «إلى اليمين سر» تكرر نفسها منذ سنوات عديدة. لا حاجة للمرء لأن يكون خبيرا كبيرا كي يشخصها. وبرغم ذلك فإن تصريحات آفي غباي الأخيرة تجاوزت خطا ما، إن لم يكن أحمر فأخضر. كيفما اتفق نجد أن التفافة غباي إلى اليمين تبدو صادقة قليلا وقاطعة قليلا أكثر مما ينبغي. فقد بدأ هذا بالإعلان بأنه لن يجلس في ائتلاف مع القائمة المشتركة. إن مجرد الإعلان ليس غير معقول، ولا سيما إذا أخذنا بالحسبان مواقف قسم من أعضاء القائمة المشتركة. ولكن غباي لم يسارع إلى الإيضاح لِمَ لا يعتزم. ففي المقابلة التي منحها فور التصريح إياه امتنع غباي عن الايضاح بأنه لا يرفض المصوتين العرب ولا يرفض التعاون مع ممثليهم ممن هم مستعدون للوصول إلى توافقات مع الكتلة الائتلافية التي يأمل في قيادتها.
إن هذا الرفض للإيضاح، حتى في ضوء الانتقاد الذي اتهمه بإخراج مواطني إسرائيل العرب عن الجدار، هو رفض إشكالي. فلم نكف عن التساؤل ماذا يعني هذا بالضبط، فإذا بغباي يوفر لنا قولا آخر، هذه المرة في مواضيع المستوطنات. وهذه المرة أيضا بدا هذا بقدر أقل مثل غمزة لليمين وبقدر أكثر كعناق عاصف. عندما سئل هذا كان سيخلي عاليه وعوفرا، اللتين توجدان خارج «الكتل الاستيطانية»، لم يجب غباي «بيسارية» (بالتأكيد) ولم يتملص (احتمال آخر). بل أجاب بـ «يمينية» جارية: «إذا كنت تصنع السلام فلِمَ تحتاج للإخلاء؟ أعتقد أن الآلية أو الاصطلاحية اللتين اعتدنا على استخدامهما هنا، بتعابير إذا كنت تصنع السلام فإنك ستخلي ـ ليستا صحيحتين بالضبط».
«الآلية أو الاصطلاحية»، على حد تعبير غباي، بالفعل «ليستا صحيحتين بالضبط». فاليمين/الظروف/الفلسطينيون خلقوا وضعا حتى في الوسط لا يعتقدون أن اتفاقات السلام تستوجب إخلاءً شاملا (إذ أنه توجد «الكتل» المقدسة). والسؤال هو ليس إذا كان الإخلاء ضروريا، بل إذا كان الإخلاء، كل إخلاء، محظورا. يخيل أن غباي يميل إلى الموقف الثاني ـ موقف يميني صرف (السلام مقابل السلام، ولن يخلى أي شبر). إذا كان هذا زعيم اليسار، فقط بات من الأفضل التصويت لليمين.
أريد أن آمل بأن غباي ليس رجل اليمين. أريد أن آمل بأنه يفهم بأنه لا يمكن الوصول إلى الحكومة من خلال تصفية أيديولوجية لمعسكره. لننتظر ونرى.
يديعوت 18/10/2017
أفيعاد كلاينبرغ