زمن الشتاء القاسي بين خريف مضى… وربيع منتظر

حجم الخط
1

نعم للتفاؤل. ولا اجد سببا لاعتذار عن تفاؤلي. كنت واحدا من ملايين كثيرة من الجماهير العربية التي غمرتها موجة عارمة من التفاؤل يوم انطلقت جموع ابناء الامة في العديد من عواصم دولها في انتفاضات شعبية، لفرض نهاية للوضع العربي المزري، اثر استفظاعهم لاقدام الشاب التونسي، فقيد الامة العربية طارق الطيب محمد البوعزيزي، على اضرام النار في نفسه، لعدم قدرته تحمل اهانة شرطية له بصفعة امام الملأ، الحقتها بأمره: «ارحل». هذه الكلمة السحرية «ارحل»، اصبحت شعارا ملهما رفعته ملايين المتظاهرين من تونس إلى ميدان التحرير في القاهرة، إلى ليبيا وسوريا واليمن وغيرها.
كانت تلك الشرارة التي انطلقت من ولاية سيدي بوزيد في تونس، يوم السابع عشر من كانون الاول/ ديسمبر قبل خمسة اعوام، وقبل اربعة ايام لانتهاء فصل خريف الطبيعة لذلك العام، ايذانا صريحا وصادقا لانتهاء «خريف عربي» طال وتمطى ليغطي عقودا من التاريخ العربي المعاصر، حتى بان وكأنه خريف لا نهاية له.
وكمثل كل حدث كبير فاصل في التاريخ بين زمنين، زمن ما قبل الحدث، وزمن ما بعده، تعرض هذا الحدث ايضا إلى تفسيرات وتسميات ما انزل الله بها من سلطان. لكن الاخطر بينها، والأدهى وأمرّ، هو اطلاق بدعة تسمية زمن ما بعد الحدث «الربيع العربي»، وكأنه لا وجود في الطبيعة، وفي الحياة البشرية ايضا، لفصل آخر هو فصل الشتاء الفاصل بين نهاية الخريف وبداية الربيع.
تمر الامة العربية في ايامنا، بعد خريفها غير المأسوف عليه، باقسى واصعب ايام شتائها، بما يحمله الشتاء، كل شتاء، من عواصف واعاصير وثلوج وزمهرير، ومن اوحال ومزالق. لكنه يبقى، رغم ذلك، فصل المطر، الفصل الذي لا ربيع بدونه. نرى هذه الاعاصير والاوحال في سوريا وفي اليمن وفي ليبيا وغيرها من بلاد العرب. ونرى مخلفاته وآثاره وعلامات بدء اندحاره، وانحساره بالتالي، في مصر واليمن والبحرين وغيرها. ونرى ايضا، إذا امعنّا النظر، ارتدادات ايجابية لانتهاء ذلك الخريف العربي، في المغرب وفي الاردن وغيرهما، متمثلا باصلاحات ملموسة على نظام الحكم، استبق فمنع اندفاع جماهير البلدين إلى تظاهرات حاشدة وعنيفة على غرار ما جرى في غيرها من الدول العربية.
واذا كان «خريف العرب» قد غطى عقودا عديدة، فهل نستطول استمرار شتائهم نصف عقد؟ ثم، لو كان ذلك الخريف امتد اكثر لكان لنا ان نتوقع خلاصا اصعب واقسى واسوأ. ويكفي للتدليل على ذلك ان نقارن دهاء الاب حافظ الاسد ودمويته، بغباء الابن بشار الاسد ودمويته. فماذا لو وصلنا إلى عهد الحفيد حافظ بن بشار؟ وما ينطبق على سوريا ينطبق ويزيد على غيرها من دول في مشرق العالم العربي وفي مغربه.
لقد كانت الامبراطورية العثمانية «رجُل اوروبا المريض» في عيون قوى العالم العظمى في حينه، من مطالع القرن التاسع عشر، وحتى انهيار تلك الامبراطورية وتحللها بانتهاء اجل ذلك الرجل المريض، مع نهاية الحرب العالمية الاولى. وتسبب ذلك التحلل والتفكك، وخاصة في الولايات العربية من تلك الامبراطورية، في نشوء الكثير من الكيانات التي ما زالت قائمة حتى اليوم. كما تسبب في اقتطاعات من العالم العربي، اهمها اقتطاع فلسطين لاقامة اسرائيل، ما نتج عنه قطع تواصل المشرق العربي مع المغرب العربي، وليبدأ منذ ذلك التاريخ فصل الخريف العربي، الذي جعل من مجموع الدول العربية، «رجل الشرق المريض» المعاصر، الآخذ بالتآكل والضمور،الذي بدأت علاماته في ضياع اقاليم لعل اهمها لواء الاسكندرون الذي تنازل عنه حافظ الاسد، ومنطقة عربستان التي تم الاتفاق بشأنها بين العراق وإيران، في اتفاق الجزائر الشهير، ثم كانت سببا، او ذريعة، لانفجار حرب العراق ـ إيران، وبدون ان ننسى بالطبع انسلاخ جنوب السودان.
جاء الخريف العربي، وبقي خريفا رغم بعض ايام نهضة عربية تخللته، في عهد الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر، ولغاية اشهر بعد حرب اكتوبر1973، ولكنها ايام ربيعية شذّت عن القاعدة لتثبت القاعدة لا لتنفيها.
وللربيع بشائر. اليس خروج ثلاثين مليون مصري نهاية يونيو / حزيران 2013 لتصحيح خلل جوهري، بعد اقل من عامين على مليونيات ميدان التحرير، دليل على تحدي الملايين لعواصف واوحال الشتاء العربي؟. اليس في وقفة السعودية والامارات والكويت المادية والمعنوية، ووقفة الاردن وفلسطين (الوطنية) المعنوية والسياسية مع ملايين شعب مصر، دليلا على دعم وتاييد ومناصرة شعب مصر في مواجهة مصاعب وقسوة الشتاء المتمثل بالاستعانة باعداء الامة لترويض مصر وسلب حريتها في القرار والاختيار؟. اليس في وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي لشعب مصر هدفا ساميا قابلا للتحقيق، تمثل بتغيير خريطة الارض بحفر قناة السويس 2 باموال وبقدرات مصرية صرفة، وخلال اقل من عام واحد، دليل على القدرة والكفاءة في تحمل مسؤولية مواجهة مصاعب الشتاء وصولا إلى بر الربيع الواعد؟.
هل كان في زمن خريف الامة من يتوقع اقدام السعودية وحلفائها العرب واولهم الامارات العربية تحريك قواتها العسكرية للجم خطر يتهدد الأُمة، مدعوما بالتأييد، او بالتغاضي الاميركي، في احسن الاحوال؟.
انتهى « الخريف العربي». ولم نصل بعد إلى « الربيع العربي». لكن الامة على الطريق. ومن لا يطيق تحمل ومواجهة زمهرير الشتاء واوحاله، يملك الحقّ في التشاؤم والعويل، لكنه لا يملك الحق الادبي في نشر وتعميم تشاؤمه، والدعوة للنواح على ماض مضى وانقضى.
عالم خالٍ من معمر القذافي، خير الف مرة من عالم يتحكّم فيه بهلوان بمصير ملايين البشر في ليبيا، بهلوان يتجرّأ على اعلان نفسه «ملك ملوك افريقيا».
نعم للتفاؤل.

٭ كاتب فلسطيني

عماد شقور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية