الاهتمام بالموت وطقوسه ودفن الموتى كان ومايزال جزءا أساسيا من ثقافات الشعوب، والشواهد على ذلك كثيرة وباقية على مر التاريخ، فمن أهرامات الجيزة (مدافن ملوك مصر القديمة) مرورا بتاج محل التحفة المعمارية التي شيدها الملك شاه جهان الإمبراطور المغولي (1630 ـ 1648) التي ضمت رفات زوجته ممتاز محل التي تدله في عشقها، وصولا إلى آلاف الشواهد الأثرية التي تشير إلى أهمية هذا الامر في الثقافة البشرية.
وقد تباينت الطقوس والمراسيم التي تصاحب وفاة الإنسان من ثقافة إلى أخرى ومن دين إلى آخر، فبينما نجد الديانات الشرقية (الهند، الصين وجنوب شرق آسيا) تكرم الانسان عند وفاته، بان يتم وضع الجثمان وسط انواع من الأخشاب العطرية ويتم إشعال النار فيها، نجد أن الديانات الابراهيمية ( اليهودية، المسيحية، الاسلام) تؤكد على دفن الجثمان وفق طقوس مختلفة، وربما تحدرت بعض تلك الطقوس من حضارات مصر والعراق، وأثرت في الديانة اليهودية بهذا الخصوص، فقد بات معروفا أن المصريين القدماء اهتموا كثيرا بالجسد بعد الوفاة، حتى وصلوا إلى فكرة تحنيطه، كي يبعث في الحياة الاخرى وهو بأبهى صوره، حيث تدفن معه الثياب والحلي والاطعمة. أما الشخصيات النافذة كالقادة والملوك والكهنة فقد كان يدفن معهم حتى زوجاتهم وعبيدهم وجواريهم، ويبدو الاهتمام جليا واضحا عندما نشاهد التقنيات المعمارية التي بنيت على القبور المصرية القديمة لتجعلها تحفا خالدة.
وعندما جاء الاسلام لم يهتم كثيرا بتشيد القبور أو طقوس الموت، والحديث النبوي في هذا الامر «خير القبور الدوارس» معروف لدى الجميع، وربما كان ذلك بتأثير المنشأ الصحراوي لأرض الاسلام، أو زهدا في الجسد البشري الذي اعتبرته مبادئ الاسلام فانيا، وان دار البقاء هي الحياة الآخرة، لكن مع توسع الفتوحات والاختلاط بالثقافات المحيطة في العراق والشام ومصر، ابتدأ نمط جديد من التعامل مع القبور وجعلها مزارات تقام عليها العمائر، وتوقف لها الاوقاف لخدمتها، وهذا الامر من بين الامور التي شكلت عنصرا من عناصر النزاع والحرب بين التيار السلفي المتشدد، الذي يدعو إلى الرجوع إلى الاسلام الاول النقي الخالي من البدع، وبين تيارات اخرى اعطت القبور اهمية واعتبرت التبرك بها جزءا اساسيا من الايمان، كما هو الحال لدى الصوفية والشيعة، ونحن نرى اليوم حربا مستعرة بين الفريقين، وصلت إلى حد تفجير المقامات وقتل الالاف من الابرياء.
من يعيش في الغرب اليوم يعرف أن هنالك شركات متخصصة في (خدمات التأبين والموت) التي تبدأ من سيارة نقل الموتى إلى نوعيات فاخرة من النعوش وتزيين وتجميل المتوفى وإلباسه ابهى حلة ليلقي عليه الأهل والاصدقاء تحية الوداع، في قاعات مخصصة للتأبين وصولا إلى انواع الرخام الذي سينحت كشاهدة توضع على القبر، لكننا في العالم العربي لم نعتد هذه الخدمات بهذه التفاصيل، وإن وجدت فهي ابسط واكثر زهدا، لكن الزمن العراقي الفنتازي اخرج لنا شخصا اشتغل على فكرة تسويق (خدمات الموت) بطريقة غربية، انه شاب عراقي اسمه علي العمية الكعبي، هو حفار قبور او كما يعرف في العراق (دفان) فما هي قصته؟
مقبرة وادي السلام في مدينة النجف يعدها البعض من أكبر مقابر العالم، مقبرة تضم رفات عشرات الملايين من البشر من مختلف بقاع العالم، ويتم الدفن فيها منذ حوالي الف عام، الناس تسعى للدفن فيها تقربا إلى الله لأن قبور موتاهم ستجاور قبر الخليفة الرابع علي بن ابي طالب (رض) الذي دفن في هذه المدينة، بل أن المدينة قامت وتشكلت لتحيط بقبر هذا الولي المقدس لدى المسلمين، وطقوس الدفن في مقبرة وادي السلام معروفة، واصبحت هناك عوائل متخصصة في دفن الموتى ويتم توارث المهنة فيها من الاب إلى الابن، وكل عائلة عراقية تعرف من هو دفانها ولا تحتاج إلى البحث عن خيارات عبر الاعلانات، لكن اللافت في هذا الشاب العراقي انه دخل عالم القبور وطقوسها من بوابة الحداثة وما بعدها، إذ استغل شبكات التواصل الاجتماعي للترويج لمهنته، فأنشأ صفحات على الفيسبوك وتويتر وانستغرام، واللافت انه لاقى رواجا كبيرا، إذ أن صفحته على الفيسبوك وصل عدد متابعيها إلى اكثر من سبعين الف متابع، وان اعلانته اصبحت مادة للتندر مرة وللشتائم مرات على صفحات الاخرين.
علي العمية الكعبي،الدفان الذي اثار سجالا واسعا بسبب اعلاناته، يبدأ يوم عمله بشكل مختلف، إذ يفتح صفحته على فيسبوك ليقول لأصدقائه «صباح القبور وأعواد البخور وعطر الكافور من مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف»، وينشر صور «سيلفي» لنفسه بين القبور طالباً من متابعيه أن يدعوا له بجملته الشهيرة «ادعوا لي بالرزق والعافية»، وهو إذ يطلب من متابعيه الدعوة له بالرزق ما يعني ضمنا وفيات أكثر، لذلك يوجه له العديد من الشتائم بسبب ذلك، بينما هو يبرر الامر قائلا؛ إن مهنتي مهنة محترمة ولا تختلف عن اي مهنة اخرى، والموت حق وكلنا سنموت، هذه سنة الحياة ولا أفهم تشاؤم الناس من الامر الوحيد المحتوم في هذه الدنيا، بينما نجده يعلن عن وصول رخام ايطالي درجة اولى يجعل من القبر تحفة فنية! أو الاعلان عن قبور ولادية او بناتية (صغيرة الحجم للاطفال)، وكأي شركة تعلن بحرفية عن منتجاتها، نجد الكعبي يروج لنفسه عبر اعطاء ضمان صيانة للقبور لمدة عشر سنوات بعد البيع! أو بعد الدفن، ويمكنك أن تشاهد صوره على صفحته على الفيسبوك، وهو يرش القبور بالماء كل اثنين وخميس، ويشعل البخور ويرش ماء الورد كل جمعة، وأصبحت اعلاناته على صفحته في الفيسبوك تنشر بثلاث لغات، وهي العربية والإنكليزية والكردية، وكلها ترويجية، لكن المفارقة أن بضاعتها هي خدمات ما بعد الموت. وما فاجأ عدد كبير من متابعي صفحة (الدفان الاشهر) في العراق، هو اعلانه عن طلبات توضيف مساعدين له، المفارقة انه يطلب CV للمتقدم تثبت خبرته العملية التي يجب ألا تقل عن خمس سنوات، كما أن المتقدم يجب أن يتمتع بخبرة في أعمال المحاسبة لا تقل عن سنة، لماذا؟ لا احد يعرف الا الكعبي والراسخون في قطاع دفن الموتى، وتتعدد وتتنوع اعلانات وصور علي العمية الكعبي مع كل يوم، حتى اصبح شخصية عامة في العراق.
مفارقة اخرى تجدها على صفحة هذا الرجل على شبكات التواصل، وهي مجموعة من صوره مع مساعديه واصدقائه وهم يؤدون التحية النازية وقد كتب على صفحته «اخوان لكل شخص رأي خاص به وعنده رمز يحبه، وأنا معجب بشخصية هتلر، لماذا تستهزئون؟ إنه حقا امر معيب من قبلكم، والله اني هتلري وافتخر، والذي لا يعجبه الامر لينتحر»، وقد دفع هذا الامر بالبعض للتعليق على صورة للكعبي امام مكتبه في النجف وهو يرفع يده بالتحية النازية للتعليق على الصورة بعبارة (مقر الحزب النازي في النجف) استهزاء بطروحات الدفان النازية، وبما انه اصبح ذا مواقف سياسية في عراق الفنتازيا، فلماذا لا يكون له رأي في الواقع السياسي العراقي، وقد كان فعلا، فقد أعلن عن خصم 60٪ لشهداء الحشد الشعبي، وكذلك بناء القبور مجانا لضحايا مجزرة سبايكر، ثم المفاجأة كانت مع اعتزامه ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة العراقية في الانتخابات المقبلة، اما برنامجه الانتخابي فسيكون بالتأكيد نابعا من طبيعة مهنته فيقول فيه «إنه سيسعى لبناء عراق موحد قوي، وسيدفن كل النفايات الطائفية التي شوهت وجه العراق»، وعندها تبدأ اسئلة المتابعين تستفسر عن كل تفاصيل الواقع العراقي الفنتازي لتأتيهم اجابات الكعبي الاكثر فنتازية شارحا تفاصيل برنامجه السياسي.
آخر نشاطات الكعبي السياسية، مشاركته في المظاهرات السلمية التي عمت العراق منذ يوم الجمعة الاول من اغسطس احتجاجا على الفساد وسوء الخدمات والنهب الممنهج للثروات، وقد اتسمت مظاهرات كل المدن العراقية بالسلمية، بل أن القوات الامنية كانت توزع قناني المياه الباردة على المتظاهرين، لكن مظاهرات مدينة النجف هي الوحيدة من بين مدن العراق التي حدث فيها صدام مع قوات الامن، ما دفعهم لاطلاق النار فوق روؤس المتظاهرين، فهل هي صدفة أن المظاهرة التي يشارك فيها الدفان الاشهر في العراق تتعرض لاطلاق نار؟ ربما هي اشارة له بالرزق من يدري؟!
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي