زمن «معامل أنيس عبيد» في القاهرة وأيمن رضا برقية العراق إلى دمشق

من بودابست، مدينة الدانوب وجسوره المعلقة ومن على ضفافه أكتب، أترحم على الراحل أنيس عبيد، ومعامله باسمي واسم آلاف من جيلي وربما من جيل يسبقنا بقليل وجيل يتبعنا، ونحن بلا شك مدينون لمعامل أنيس عبيد في القاهرة ، والراحل أنيس عبيد شخصيا!
الابتهال واستمطار شآبيب الرحمة على أنيس عبيد وزمنه الجميل خطرت لي بعد أن سرحت طويلا في بعض البلدان التي زرتها في حياتي لأكتشف أن الانكليزية، وهي لغة العالم شئت أم أبيت، متفاوتة الانتشار بين بلد و آخر.
يعني هنا في المجر مثلا، وفي العاصمة السياحية الخلابة بودابست، من الصعب أن تجد من يتفاهم معك بالانكليزية، وأنت مضطر أحيانا أن تتفاهم بلغة الاشارات التي قد تنتهي بسوء فهم لأن الاشارات متفاوتة المفاهيم ايضا بين الشعوب.
من مراقبتي للتلفزيونات المحلية في المجر ولاتفيا ورومانيا وبلدان وسط وشرق أوروبا، لاحظت انتشار الدبلجة في ما يعرضونه بغير لغتهم المحلية.. يعني لا ترجمة ولا يحزنون. هذا في رأيي ساهم سلبيا في تحجيم التعلم والتلقي اللغوي من خلال الاستماع للغة الاجنبية وقراءة ترجمتها مباشرة.. دون تدريب الذات على مقارنة ما نسمعه من مفردات بالمكتوب أسفل الشاشة.
وهذا بالضبط ما يجعلني أشكر «معامل أنيس عبيد»، التي كانت تقدم ترجمة محترمة وراقية لافلام ومسلسلات تابعناها في عصر ما قبل الفضائيات!!
طبعا، التهذيب في ترجمة معامل أنيس عبيد، اربكنا على كبر حين ادركنا متأخرين مثلا أن «باسترد» لا تعني وغد، وأن كلمة «تبا» لم تكن الترجمة الصحيحة للكلمة القبيحة التي درج الممثلون الأمريكان على استخدامها حتى صارت أشبه بمفردة دولية مشتركة.
لكن، نحمد الله في زمن المسلسلات التركية أن حبانا الله نعمة الدبلجة وحرمنا الترجمة «العبيدية».. وإلا انتهينا إلى مد قومي طوراني يقضي على ما تبقى من بقايا عروبة تعيش بيننا.

روعة الفن العابر للهويات

وعن القومية، أتفاجأ بمعلومة أن النجم السوري «أيمن رضا» عراقي الجنسية والأصل! وهو ما يختصر واقع الحال بوحدة حال تتجاوز جواز السفر ودوائر الأحوال المدنية.
أيمن رضا المتحدر جينيا من بلاد الرافدين، رفد بروحه الدمشقية الدراما السورية بما لم يدع مجالا للشك في هويته السورية وهو ما يضع المرء مندهشا أمام جدلية «الهوية» وتفرعاتها!!
«الهويات القاتلة» على رأي أمين معلوف، هي محور الأزمات الراهنة في عالمنا المتشظي على هويات تتوالد حسب الطلب والمزاج السياسي.. مما يجعل فنانا مثل رضا حالة مدهشة تعيد إلى الذاكرة زمنا جميلا، كان فيه فريد الأطرش وأسمهان مثلا مصريبن، بقدر ما هما سوريان من جبل العرب، أو الراحل العظيم نجيب الريحاني عراقيا حسب أصله وبما لا ينتقص من مصريته، التي عكسها في أدواره التي خلدته، والراحل ياسين بقوش نبتة دمشقية جذورها من أرض ليبيا.
الهويات قاتلة فقط حين نسممها نحن بلا وعينا.. وهي رافد مهم للحياة لو تشربت ما يكفي من الوعي لتصبح الجغرافيا متصالحة مع البشر.

تأمل يا رعاك الله

في زمن ما قبل الانترنت، كانت هناك نوعية برامج، مجمل عنوانها هو «طرائف من العالم»، وكان لتلك البرامج وقع السحر لما تثيره من دهشة عند المتلقي، ولعل من أشهرها في المشرق العربي كان برنامج الراحل السوري الكبير محمد توفيق البجيرمي، والذي عودنا بصوته الأجش على قفلة شهيرة له نصها «فانظر يا رعاك الله».
تلك البرامج تلاشت مع تلاشي قدرتنا على الدهشة في الزمن الانترنتي الذي نعيشه..
الـ«يوتيوب» والـ«فيسبوك» وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي – وهي وسائل انفصال عن الواقع أيضا – استطاعت أن تفقدنا عنصر الدهشة بسبب هذا الكم الهائل من طرائف التي لم تعد طرائف في هذا العالم الذي صار غير طريف أبدا.
بعض الفضائيات العربية ما زالت تستعمل الحيلة في تقديم فقرة من هذا النوع من خلال غواية المشاهد بمذيعة حسناء يغرها الثناء، تقرأ بشكل بارد من على شاشة خبرها «الطريف والغريب» لتكتشف أن مجمل أخبارها تمت مشاهدته لديك على الانترنت.. فتنتهي الغرابة ويبقى الحنك مفتوحا على حسنها وغنجها ودلالها.. آخر ما تبقى من طرافة على الأقل في حضورها الطريف.
في عصر الفضائيات والبث الحي، لم تعد مشاهد إنقاذ كلب من حفرة امتصاصية خبرا غريبا، في حين تتضمن نشرة الأخبار العادية خبرا عن أوطان باتت هي بحد ذاتها حفرة امتصاصية تبتلع شعوبها.

للتفاح طعم آخر على الانترنت

وفي عصر الانترنت، ومواقع القص واللصق البائسة، وأشباه مثقفي الـ«فيسبوك» الأكثر بؤسا، تبرز ظاهرة السرقة الأدبية، لتقرأ في موقع ما مقالا بعنوان «لماذا تغير طعم التفاح» مثلا.. وهو مقال مشهور للكاتب العربي إبراهيم جابر إبراهيم ومنشور في صحف عربية لكن تقرأه في ذلك الموقع الانترنتي المطروح كصحيفة إلكترونية تحت اسم كاتب آخر.. مزهو بصورته، ويعيد نشرها بصفاقة على الـ«فيسبوك».. لتنتشر ويتلقى كما من تعليقات الإشادة بهذا الإبداع!!
ومن بين التعليقات يظهر رابط لمعلق، يشير فيه إلى أن المقال مسروق، وتذهب إلى الرابط لتكتشف أن المنشور في الرابط مسروق أيضا بل هي عملية خطف مفضوحة، لأن المقال ذاته منشور أيضا تحت اسم كويتب آخر، أعجبه المقال، فقرر نسبته إلى ذاته الكريمة مع صورة طبعا تكشف شخصيته العبقرية.
طبعا لا أروج لكاتب معروف مثل إبراهيم جابر إبراهيم وهو زميل مهنة قديم في صحف عربية كبيرة، لكن في إحصاء بسيط على الانترنت، أكتشف أن مقاله «لماذا تغير طعم التفاح» تحديدا، هو أكثر مقال تم خطفه بمتوالية عددية ضخمة فكان من يدعون أبوتهم للمقال أكثر من كلمات المقال نفسه!
شخصيا تعرضت لسرقة مشابهة في مقال سياسي كتبته من الولايات المتحدة قبل سنوات ونشرته في «القدس العربي»، لأتفاجأ بوجوده على موقع مدونة الصديق رسام الكاريكاتير عماد حجاج تحت اسم أحد رواد الموقع من المدونين، وبغضب ممزوج بسخرية، أرسلت تعليقا بين المعلقين وباسمي الصريح لمنتحل المقال وخاطفه، أشيد بعبقريته مطالبا إياه بمقال رديف يوضح الملتبس في بعض الفقرات، لأتفاجأ برده وفحواه أن مقاله المقبل قيد التجهيز، ويشكرني على القراءة والاستفادة من معين علمه ووافر معرفته!
لم أملك حينها.. إلا أن أتمتم بيني وبين نفسي..»تبا» بالانكليزية.. بالمعنى الحقيقي الذي أخفاه أدب ترجمة «معامل أنيس عبيد» في القاهرة.. فتأمل يا رعاك الله.

٭ كاتب أردني يقيم في بلجيكا

مالك العثامنة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية