زمن ناجي شحاتة

هذا المقال دفاع عن القضاء لا عن القضاة، فلا يجوز مدح القاضي ولا القدح فيه، أما القضاء في ذاته، فهو قيمة سامية مقدسة، وهو العدالة معصوبة العينين الممسكة بالميزان، لا ترى وجوه المتخاصمين، لا تخيفها قوتهم، ولا يغريها ضعفهم.
في القضاء شيء من روح الله، بينما القضاة فيهم من روح البشر، ومن طبائعهم، ومن قوتهم وضعفهم، ومن تقلبات الزمن واختلاف الأحوال، وفيهم الصالح وهو كثير، وفيهم الطالح الذي يفترض أنه قليل، ويتكفل به نظام للإصلاح والتأديب والتطهير الذاتي، بإحالات إلى التفتيش القضائي للصغار، أو إلى دوائر قضائية خاصة بالنسبة للكبار، وقد ينتهون حال الإدانة إلى مصائر غير قضائية، إما بالنقل إلى وظائف إدارية، أو بالعزل كليا من الوظيفة، فلا أحد على رأسه ريشة، والقانون فوق الكل. القضاء يحكم على القضاة، ولا يحكم بهم بالضرورة، وهو ما نعنيه بأولوية الدفاع عن القضاء، فالإساءة للقضاء قد تصدر حتى من قضاة بالزي الرسمي، خصوصا حين يدخل بعض القضاة طرفا في لغط الرأي العام، ولا يتجنبون الاختلاط بعموم الناس، ولا يترفعون عن الخوض في شواغل السياسة الجارية.
والقضاء مؤسسة جليلة في التاريخ المصري، ومعنى العدالة راسخ في الضمير الوطني، منذ الإله الفرعوني «ماعت» حتى «محكمة النقض»، وإلى نماذج مضيئة في القضاء الإداري والقضاء الدستوري، فلا يزال في حياتنا الحاضرة قبس من نور القضاء، خاصة في القضاء الإداري ونظام مجلس الدولة، الذي يتمتع بمكانة خاصة جدا، تواصل تراث الأب عبد الرزاق السنهوري، الذي صار العلم المؤسس للقانون المصري الحديث، والمعلم الأكبر لصناعة الدساتير، ورغم تعاقب الأزمان وتحول الظروف، ظلت سيرة السنهوري تتناسل في ضمائر قضاة مجلس الدولة، وظل القضاء الإداري حاميا للحقوق والحريات العامة، وكلنا يذكر صولات وجولات القضاء الإداري في عهد المخلوع مبارك، وكشفه لوقائع التزوير المنهجي المنتظم للانتخابات، وتصديه لجرائم العدوان والنهب العام، وأحكامه التاريخية في مواجهة «الخصخصة» التي تحولت إلى «مصمصة»، والتي لم تنفذ السلطات حكما واحدا منها إلى الآن، إضافة لدور القضاء الإداري في السبق لتأكيد ضمانات الدستور الجديد، وعلى طريقة تقبله للطعن بعدم دستورية قانون التظاهر الظالم، الذي يسجن بسببه آلاف من الشباب إلى الآن، وتكريس المبدأ الدستوري بإلغاء فرض الحراسة على النقابات، وإدانته لعادة توريث الوظائف المستفحلة، وذلك كله ـ وغيره الأكثر ـ في إطار دولاب عمل منتظم دقيق، لا يخشى بطش السلطات، والذي يحتكم إليه الأفراد في مواجهة تجاوزاتها، ولا يصوغ أحكامه بحسب المقاس المطلوب أو المتوهم، ومع إدارة «المجلس الخاص» لمجلس الدولة لشؤون أفراده، فيثيب من يستحق، ويجازي من يقصر أو يحيد، ويجهد للتخلص من مواريث الندب لوظائف الحكومة، والتلاؤم مع أحكام الدستور الجديد، التي قضت بوقف الندب لغير الوظائف القضائية، وبهدف تخليص ضمائر قضاة مجلس الدولة من تأثيرات الندب الضارة، كما يمنع قضاة مجلس الدولة من الحديث لوسائل الإعلام بغير إذن خاص، وهو ما يردع شهوة الظهور والفتوى في غير محل قضائي، ورذيلة تحويل القاضى إلى «نجم شباك»، ويجعل تركيز القاضي في عمله أكثر جدوى، ويزيد من فاعلية تطبيق التوحيد في المبادئ القانونية، ويقارب أحكام محاكم القضاء الإداري إلى أحكام المحكمة الإدارية العليا، ويقلص عدد إلغاءات المحكمة الإدارية العليا لأحكام القضاء الإداري، ويضفي انسجاما على الأحكام، يبعث الثقة في نفوس المتقاضين، وهو ما لا تجد له مثيلا مطابقا في علاقة محكمة النقض بأحكام محاكم الجنايات، فما بالك بأحكام محاكم «الجنح» ذات القاضي الواحد الأصغر سنا والأقل تجربة، والقابلة للاستئناف ثم النقض، بينما لا استئناف في أحكام الجنايات، وكثير جدا من أحكام الجنايات تلغيها محكمة النقض، وتأمر بإعادة المحاكمة أمام دوائر جنايات أخرى، وقد تقبل الطعن في الحكم الثاني، وتتصدى بذاتها لنظر الدعوى كمحكمة موضوع، وتصدر حكمها النهائي البات، وهذه دورة تستغرق في العادة سنوات، وتكلف خزينة الدولة مليارات الجنيهات، وتثير أسئلة مفزعة عن حدود جدوى وكفاءة وعدالة الاحتكام النهائي لمحاكم الجنايات، والدائرة الواحدة فيها تضم ثلاثة قضاة من الأقدمين، وأحكامها نهائية واجبة النفاذ، فإن قررت سجن أحد فسوف يسجن فورا، وبدون أن يعوضه أحد إذا ألغت «النقض» حكم الجنايات، في حين يلزم قانون الإجراءات النيابة العامة بالطعن بالنقض على أحكام البراءة، وكذلك على أحكام الإعدام بالذات، التي أحاطها المشرع المصري بضمانات هائلة، وألزم النيابة بالطعن بالنقض فيها، حتى لو لم يطعن المحكوم عليه، فلا يعدم متهم في مصر، إلا إذا مرت قضيته بسبع مراحل، أولها: أن يصدر قاضي الجنايات حكمه بتحويل أوراق المتهم للمفتي، وثانيها: أن يحكم القاضي بعد ورود رأي المفتي الاستشاري غير الملزم، وثالثها: أن تنظر محكمة النقض في الطعن بإلغاء حكم الإعدام وإعادة المحاكمة، ورابعها: أن يصدر قاضي الجنايات الجديد قرارا بالإحالة الثانية للمفتي لو استقر ضميره على حكم الإعدام مجددا، وخامسها: أن يصدر حكم الإعدام الجديد من القاضي، وسادسها: أن تذهب الدعوى ثانية إلى محكمة النقض، وأن تحكم فيها كمحكمة موضوع، وسابعها: ألا ينفذ حكم الإعدام ـ لو صار نهائيا وباتا ـ بغير تصديق مباشر من رئيس الجمهورية، وهي دورة تستغرق في المتوسط أربع أو خمس سنوات، لا ينفذ في نهايتها سوى القليل النادر من أحكام محاكم الجنايات الأولى بالإعدام، خاصة في القضايا التي توصف تجاوزا بقضايا الرأي العام، وبقدر ما تنطوى عليه هذه الدورة المطولة من ضمانات لحق الحياة وحفظ النفس الإنسانية، ومن تأكيد لمكانة «محكمة النقض» المصرية، وهي السد العالي الحامي للحقوق والمبادئ القانونية، وبصورة تبعث على الطمأنينة والارتياح، لكنها ـ مع ذلك ـ تثير أسئلة مريرة عن أحكام قضاة الجنايات، فيما تسمى بقضايا الرأي العام، من عينة قضايا جماعة مبارك وقضايا جماعة الإخوان، وعن مستوى الدقة والكفاءة القانونية فيها، خاصة لو كانت أحكاما بالإعدام للعشرات والمئات أحيانا، وعلى نحو ما جرى ويجري في كثير من قضايا جماعة الإخوان المنظورة، التي ما أن تصدر أحكام الإعدام فيها من محاكم الجنايات، حتى تنقلب الدنيا على رأس السياسة المصرية والنظام المصري، ويقال على غير الحقيقة، إنها «أحكام مسيسة»، بينما هذه الأحكام في ذاتها، هي التي تسبب الحرج العظيم للسياسة والساسة المصريين، فقد يتصور الرأي العام أن الأحكام المميتة قابلة للتنفيذ الفوري، بينما هي أحكام إعدام لا تعدم أحدا، ويأتي عليها الإلغاء من محكمة النقض في غالب الأحوال، ولكن بعد سنين طويلة، نكون قد جنينا فيها «سواد الوش» على غير مقتضى صحيح، وتوالت صور ومشاهد قضاة جنايات، لا يفزعون من وصفهم بلقب «قضاة الإعدامات».
أحد هؤلاء القضاة هو ناجي شحاتة رئيس دائرة جنايات، وقد ألغت محكمة النقض أحكام إعدامه لقادة من جماعة الإخوان، وهو يبدي سعادته الغامرة في حوار صحافي أخير مع جريدة «الوطن» اليومية المصرية الخاصة، تسأله المحرر: هل يزعجك لقب قاضى الإعدام؟ ويرد شحاتة: إذا كان يطلقه عليّ أصحاب التيارات الدينية المتشددة. فأنا سعيد ومبسوط به جدا»، ولا نريد ـ لا سمح الله ـ أن نصادر سعادة شحاتة، فهذا زمن سعادته، وهذا شأنه، تماما كما من شؤونه، تلك الآراء العجيبة التي أبداها في الاعلاميين وفي ثورة الشعب المصري، فقد وصف ثورة 25 يناير بأنها «25 خساير»، ثم عاد عن الوصف المشين في مداخلة تلفزيونية لاحقة، وأنكر أنه أدلى أصلا بحوار للصحيفة اليومية، ثم حين تحدته الصحيفة، ونشرت تسجيله الصوتي وصوره أثناء الحوار، لم يعلق شحاتة، وصمت تماما، أكل «سد الحنك» فجأة، ولم ينطق بعدها بحرف، واكتفى بما تصوره عقابا للصحف والصحافيين، ومنع الصحف غير الحكومية من شهود إحدى جلسات محاكماته، وأصدر حكما جديدا بإعدام ثلاثة متهمين جدد في قضايا الإخوان، الذي من المتوقع أن تلغيه محكمة النقض كسوابقه، وقد لا تكون لآراء شحاتة في الثورة من قيمة تذكر، فهو قد تراجع عنها بالسهولة ذاتها التي قالها بها، لكن آراء شحاتة في محكمة النقض هي ما يلفت النظر، وقد قالت الصحيفة إنها حجبت آراء أفظع لشحاتة في حق محكمة النقض، وحتى لا تكون فتنة، لكن آراء شحاتة المنشورة تنطوي على تعريض ظاهر بقضاء النقض، فهو يعلق على إلغاء محكمة النقض لأحكام إعدامه الجماعية في القضية المسماة إعلاميا «غرفة عمليات رابعة»، ويقول بالنص «أسهل شيء لدى محكمة النقض مقـــــولة أن هناك فسادا في الاستدلال وقصورا في التسبيب»، وهذه نغمة استهانة مرئية بالمحكمة العليا في البلد، لا يصح أن تصدر عن قاضى جنايات عليه أن يتعلم من قضاء النقض وشيوخه، ثم تعود المحررة لسؤاله: هل إلغاء حكم «غرفة عمليات رابعة» أصابك بالإحباط ؟ ويرد القاضى شحاتة: لو ألغوا كل أحكامي لم ولن أصاب بالإحباط»، مع أنه يقول في الجواب نفسه عن قاضي جنايات آخر ألغت محكمة النقض حكما له بالإعـــدام، يقول عن زميله بالنص إنه «تدمر نفسيا وكان هيموت من شدة حزنه»، بينما شحاتة لا يحزن ولا يحبط ولا يتأثر نفسيا، فهو ـ كما قال ـ كان ضابطا بالقوات المسلحة، ولا يتورع عن وصف أحكام محكمة النقض بأنها «وجهات نظر»، وهو يقول بالنص «أنا لديّ شعور داخلي وقناعة بأنها وجهات نظر»، وهو وصف غريب، خصوصا حين يصدر عن قاضي يعرف مكانة محكمة النقض وحجية أحكامــــها، وكأن المصائر القضائية تحددها وجهات النظر لا صحيح القانون، بينما الحكم القضائي عنوان الحقيقة وليس وجهة نظر، فما بالك إذا كان الحكم لمحكمة النقض؟ والأغرب من كلام شحاتة، أن تسكت محكمة النقض عن استهاناته وعدوانه عليها، وأن يصمت رئيس محكمة النقض، وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء بحكم منصبه الرفيع، وكأن لا أحد قرأ أو سمع، وكأن إهانة القضاء لا تعني شيخ القضاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية