«الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هي ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه». (غارثيا ماركيز). هذه العبارة تحيلنا مباشرة إلى عالم كل كاتب، فالقدرة على التذكر والتخيل وكيفية رواية ذلك هي الإبداع الروائي والبصمة الشخصية للكاتب. كما الذكريات والأحداث الجارية أمام الأعين لا تصنع وحدها كاتب الرواية، بل هي مواد خام تنتظر يدا خبيرة لتشتغل عليها بدراية، وتخرج منها دررا ثمينة، ولا يكون ذلك ممكنا إلا إذا تملك الكاتب منهجية الكتابة، وهو أمر لا يعتمد على الموهبة والاستعداد الفطري وحدهما، بل يحتاج مرانا طويلا شاقا ومعارف واسعة للكاتب، ونزعم أن «أمير تاج السر» نموذج لذلك الاجتهاد والمران ، فهو لم يولد ومشروعه الثقافي مكتمل، ولم يبلغ الاكتمال حتى اللحظة، بل بذل ويبذل جهدا كبيرا حتى وقف معماره الفني شاهقا متميزا. سواء من خلال اللغة المُحكمة، أو تنوع وثراء الموضوعات، فالرواية عند تاج السر زاخرة بهموم إنسانية متنوعة تنوع تجربته الإنسانية والحياتية، فكل رواية ترسم عالما ثريا مختلفا عما سبقها، وتقدم نماذج إنسانية فريدة ومتباينة، فالأمر أشبه بكشف أثري وتنقيب دقيق في عوالم الإنسان المعاصر وهمومه الصغيرة والكبيرة. فالكاتب ينقب في الماضي باحثا عن خيوطه السرية مع الحاضر وينقب في الحاضر باحثا عن خيوط غير مرئية بين مختلف الهموم الإنسانية القديمة والمعاصرة بصبر وأناة لا يخلوان من رؤية كونية شاملة وناقدة.
زهور تأكلها النار
تقع أحداث رواية أمير تاج السر «زهور تأكلها النار» ــ دار الساقي لبنان 2016 ــ في مدينة خيالية تسمي (السور) كانت مسرحا لرواية «توترات القبطي» للكاتب نفسه وكان بطلا لها القبطي (ميخائيل رجائي) الذي يحتل دورا هامشيا في الرواية الحالية، (خميلة جماري) بطلة «زهور تأكلها النار» أمها إيطالية من ضواحي فلورنسا ووالدها قبطي يدعي (جماري عازر) يعمل في تجارة الذرة في بلدة (السور) الخيالية في حقبة تاريخية غير محددة. كانت تعيش هي وأسرتها في دعة من العيش ورغد وتحلم أحلام العذاري بالزواج من خطيبها (ميخائيل رجائي) أحد نجوم وأثرياء المدينة ، وتتعرض المدينة لمحنة قاسية تتمثل في ثورة دينية الطابع والشعارات قامت بها جماعة متطرفة حولت المدينة الآمنة التي كانت مسرحا للتعايش السلمي بين حضارات وأديان وثقافات مختلفة، إلى ركام من الفوضى والدماء والعنف والتمييز العرقي والديني والاضطهاد المستمر، الذي راحت ضحيته النساء بصفة خاصة، حيث بتن موضوعا للمتعة والاعتداءات المستمرة، بواسطة القادة الجدد وأنصارهم، وتحولت المدينة إلى معسكر اعتقال كبير وباتت البطلة مسبية وجارية تحت تصرف الفاتحين، مثلها مثل الدور والأراضي والأموال المحتلة والمغتصبة التي آلت عنوة للغزاة والسادة الجدد، بينما جهل مصير خطيبها بعد سقوط المدينة.
هكذا يبدو المشهد المنسوب إلى تاريخ بعيد والمأخوذ من واقع مدينة خيالية ليس لها وجود حقيقي، مشهدا مألوفا جدا ومعاصرا جدا ومأخوذا من عشرات المدن الحقيقية (العربية وغير العربية) التي عاشت المحنة بالتفاصيل ذاتها. إنه الربيع الكاذب الذي صنعه ثوار مزيفون وثورات زائفة، فلا الربيع كان ربيعا ولا الثوار ثوارا ولا الثورات ثورات، لا شيء سوى معاول تهدم كل ما هو جميل ونبيل وحقيقي وتحيله إلى حطام وزيف ويباس بعد خضرة. «كانت ثمة ثورة كبيرة قد اندلعت في مكان ما قريب من السور، وجياع سموا جهاديين، أججهم من سمي بالمتقي، قائد الثورة، كانوا ينتهكون القرى، بيوتا وحقولا ومساحات رعي، ثمة قتل وذبح، وشهوات مراقة هنا وهناك، وثمة معسكران لا ثالث لهما: معسكرالإيمان، ويمثله المتقي وجماعته التي تأتمر بأمره، وتفتك حتى بآفات الأرض، في تغلغلها الفوضوي. ومعسكر الكفر الذي نمثله كلنا مسلمون وأقباط ويهود وبوذيون … ما دمنا خارج جنون الثورة، وخارج مشروعها العنيف».
الخيال بمفردات وقائعية
يستخدم الكاتب تقنية التداعي من خلال وعي البطلة وهي محبوسة في سرداب مع الضعفاء من سكان المدينة، وهي تحت حصار قوى الظلام «لماذا كل هذا؟ لماذا هناك، في الدنيا، من يتبني التدمير، والخراب، والسحل والدم، وتوجد آلاف الطرق التي يمكن أن تسلك من أجل تعمير المدمر أصلا، آلاف الحيل لصناعة ضحكة، لاختراع ابتسامة، لردم سكة موحلة؟ لماذا ستموت تلك الشجرة الوارفة الظليلة، ويمتلئ بالدم ذلك الوعاء النظيف، ويذوي جمال تلك الحسناء، وتتهدم بقسوة تلك الجدران التي شيدها أجدادنا حين بنوا السور، إحدى أهم المدن اقتصاديا وتجاريا في البلاد كلها؟ لماذا لسنا في بيوتنا الآن؟ ولماذا أعيننا مفتوحة عن آخرها، ولا نعاس فيها؟» إنها تغني أغنيتها الخاصة للحياة عند اعتاب الموت كأروع ما يكون الغناء. ونحن نستمع إليها تمر بمخيلتنا صورة آلاف المدن المنكوبة ونظرات الخوف في عيون أهلها ونسمع أناشيدهم المماثلة لنشيد (خميلة جماري) بطلة الرواية، وهم يتعرضون للحصار والقصف والسحل ومسلسلات الرعب ذاتها مع فارق بسيط هو أن مأساة هذه المدن هي مادة يومية دسمة لمحطات التلفزيون، وليست متخيلا روائيا يحكي عن مدن خيالية وأبطال من صنع خيال روائي. فالرواية التي دخلت القائمة القصيرة لجائزة لرواية العربية لهذه الدورة هي عمل فني جريء ومصادم وصادم تماما كالواقع الذي تجسده، واقع يستعير تاج السر أقنعة التاريخ ليكتبه بكل جرأة ويرسمه بكل قبحه ووحشيته وبدائيته، فحين يطير رأس تلك الجميلة (طائعة) المأسورة في حرب لم يك لها فيها ناقة ولا جمل ولم تك مقاتلة فيها، بل كانت أسيرة حرب من السكان الذين وضعتهم الصدفة في المكان الخطأ، حين يطير رأسها من عنقها بضربة سيف أحد المهووسين في مدينة السور وهي مدفونة في التراب حية، ولا يبرز منها سوى عنقها عقابا على مجرد محاولتها الفرار من جحيم الغزاة ونير الاغتصاب اليومي، حين يصدمنا هذا المشهد الذي يبلغ منتهاه بحضور والدها عملية الإعدام وإجباره على الموافقة عليها وتكبير الحاضرين لحظة الإعدام، حينها تقفز صور عديدة معاصرة لرؤوس مقطوعة بالفظاظة ذاتها ومدن يسكنها الخراب وثوار كاذبين لا يزرعون أينما حلوا سوى الموت والظلام.
تنويعات نشيد الحرية
نص أمير تاج السر «زهور تأكلها النار» ليس رواية وحسب، بل هو شهادة على عصره وجدرانه المائلة الملطخة بدماء الأبرياء، وهي امتداد إبداعي ل «مهر الصياح» و«توترات القبطي» حيث تشكل هذه الثلاثية نشيدا للحرية، وتحديدا حرية الفكر والاعتقاد، وهو الموضوع الرئيس للثلاثية، وهو الحبل السري الذي يربط هذه الأعمال الثلاثة فضلا عن منهج استعارة التاريخ لكتابة رواية معاصرة، لذلك لا يكون دقيقا وصف أي من هذه الأعمال بالرواية التاريخية، فهي ليست روايات تاريخية، بل هي أعمال تم توظيف التاريخ في خدمتها. ويمكن القول بأن الزهور التي تأكلها النار ليست النساء فقط، كما قد يبدو من مطالعة الرواية منفردة، بل إن الزهور التي تأكلها النار هي الحضارة الإنسانية بأكملها، وهي تقف عند حافة المذبحة والردة إلى عصور الظلام ومصادرة حرية التفكير والاعتقاد ومحو الهويات، ففي رواية «مهر الصياح» يتم سحق بطل الرواية الصبي (آدم نظر) ابن صانع الطبول الفقير في مملكة أنسابة الخيالية بقسوة، ويتم اعتقاله وتحويله إلى دابة يمتطيها رجال السلطان المستبد، ثم يحولونه إلى مخصي يحرس مخادع السلطان وأوكار لذاته، وكانت جريرة الصبي ومن لاقوا مصيره أنه تمنى علنا أن يصبح حاكما. وفي رواية «توترات القبطي» يتم محو هوية القبطي ميخائيل الدينية ويجبر على اعتناق دين الغزاة ويلحق بخدمتهم طاهيا بعد أن كان سيدا في مدينته قبل الغزو. أما (خميلة خماري) القبطية بطلة «زهور تأكلها النار» فقد تم أسرها في حرب لم تك طرفا فيها وأجبرت على تغيير ديانتها كمحو لهويتها الدينية، وباتت مسبية تحت تصرف ثوار مفترضون غيروا اسمها إلى (نعناعة) ليتسق الاسم مع الغرض من الأسر والسبي وهو تحويلها إلى أداة متعة للسادة الجدد باسم الدين، بعد محو هويتها فتعاني البطلة الأمرين في أسرها وتحلم أحلاما ساذجة بالتحرر من الأسر على يد شخص عاجز وهويته ممسوحة مثلها، وهو أحد المخصيين القائمين على حراسة بيوت المتعة، لكن الرواية تنتهي والبطلة تفيق على حقيقة واقعها حين تناديها المرأة المسؤولة عن إدارة بيوت المتعة باسمها الجديد في خاتمة الرواية «من لولو يا نعناعة؟» ليؤكد المؤلف أن الامر مجرد حلم وأن (خميلة) ما زالت في أسرها وليس بمقدور مخصي خاضع لإرادة مهووسين تحريرها ففاقد الشيء لا يعطيه، وبذلك يبقى النص مفتوحا على أسئلة كثيرة حول كيفية الخلاص من هذه الكوابيس المعاصرة.
٭ روائي وناقد سوداني
صلاح الدين سر الختم علي