زوار من الفضاء الخارجي

كل منا يشاهد بين الحين والآخر فيلما خياليا عن قدوم مخلوقات ذكية من الفضاء الخارجي وتكون هذه المخلوقات على الأغلب شريرة ويقاومها سكان الأرض بنجاح أسطوري، وسبب نجاحهم دائما شيء لا يمكن ان يتقبله أي شخص على درجة من التعليم والخبرة في الحياة.
وهناك من يدعي أن الحضارة الإنسانية كانت قد أسست أصلا من قبل مخلوقات من الفضاء قاموا أيضا ببناء الأهرامات وأشياء أخرى. وهناك أيضا من يدعي أنه كان قد اختطف من قبل زوار من الفضاء قاموا بعد ذلك بإطلاق سراحه، بل إن أحدهم كان يلقي محاضرات في الجامعات الأمريكية حول وقوعه ضحية لاختطاف من هذا النوع.
وطبعا كل هذه الأدعاءات كانت غير حقيقية ولذلك فإننا في هذا المقال سنبحث ما يتصوره العلماء في هذا الصدد. وقبل كل شيء علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار أن الحضارة التي تستطيع أن تصل الأرض من الفضاء الخارجي ستكون أكثر تطورا من أرقى الدول على الأرض بمئات السنين على الأقل، أي أن الفارق التكنولوجي سيكون أكبر مما هو بين المستوى الحالي والمستوى في بداية الحضارة الإنسانية الأولى أي حوالي 3500 ق.م..
ومن المرجح أن زوارا قادمين من الفضاء الخارجي سوف يرسلون أولا رجالا آليين بذكاء صانعيهم لاستكشاف ألأرض بدلا من أن يقوموا بذلك بأنفسهم وستكون لديهم القدرة على التنقل في الكون بسرعات تفوق سرعة الضوء بكثير، ولذلك فإن السنوات الضوئية بالنسبة لهم ستكون كالأمتار بالنسبة لنا. وما أن يصل الزوار الآليين الأرض سيستطيعون إكمال المهمة بأنفسهم أو الاتصال بصانعيهم في كوكبهم الأم للقيام بذلك، وسيستطيع هؤلاء أن يلتحقوا بالرجال الآليين فورا.
ومن ناحية الشكل الخارجي المحتمل للزوار فإن الخلاف بين العلماء محتدم وهناك من يقول إنهم سيكونون مشابهين جدا لنا وآخرين يناقضون ذلك تماما، إلا أن هذا ليس بتلك الأهمية في موضوعنا فهؤلاء الزوار سيكونون قادرين على فرض أنفسهم علينا. وسيكون بإمكان الزوار الفضائيين، وحتى قبل إرسال بعثتهم دراسة البشر بشكل دقيق من دون علمهم ومن جميع النواحي وحتى اللغات البشرية ولهجاتها وتركيب الإنسان البيولوجي وأفكاره، بحيث يستطيعون وعن بعد معرفة ما يفكر به الإنسان وتاريخه وأوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل لا يستطيع الإنسان الحالي تخيله وذلك باستخدام أجهزتهم المتطورة، وأيضا فإن هؤلاء الزوار لن يحتاجوا إلى مترجمين لإتقانهم جميع لغات البشر.
ومن هذه المسافة البعيدة عن الأرض وقبل أن يتم أي اتصال معها فإن عاملا بالغ الأهمية يجب أن يؤخذ في الحسبان وهو أهداف الزوار الفضائيين، فإذا كان هدفهم نهب خيرات الأرض فإنهم سيستطيعون وبسهولة بالغة القضاء على الجنس البشري بأكمله، وسهولة هذا العمل ستجعل الزوار الفضائيين يشعرون وكأنهم يقتلون نملا. وقد حذر من هذا الاحتمال كل من العالم البريطاني ستيفن هوكنغ (1942) والعالم والكاتب الأمريكي كارل ساغان 1934 ـ 1996) الذي أضاف ان الزوار قد يكونون من الذكاء إلى درجة أن البشر سيبدون كالخراف بالنسبة لهم ولذلك فإنهم قد يأكلونهم كما يأكل البشر الخراف.
وهناك احتمال قيام الزوار بالسيطرة على عقول البشر لتحويلهم إلى عبيد لخدمتهم وتكون هذه نهاية الحضارة على الأرض. ولكن دعونا نفترض أنهم لن ينووا القضاء على الجنس البشري أو السيطرة عليه، وفي هذه الحالة وبعد معرفة كل شيء عن البشر هل سيجدونهم جديرين بالاتصال بهم والتعامل معهم. وإذا قرروا الإعلان عن وجودهم فيا ترى كيف سيقومون بذلك، فإذا كان لديهم حس الدعابة فإنهم قد يطرقون على شباك محطة الفضاء الدولية التي تدور حول الأرض حاليا وقد تكون هذه المفاجأة صدمة مخيفة لرواد الفضاء الموجودين في المحطة.
وقد يقوم الزوار بالهبوط في مركز إحدى العواصم الكبيرة، وفي هذه الحالة فإنهم سيسببون حالة من الهلع بين سكان تلك العاصمة لتنتشر هذه الحالة في بقية أنحاء العالم وتعم الفوضى.
وإذا أرادوا أن يكونوا لطفاء فقد يهبطون في مقر الأمم المتحدة في نيويورك ومن الممكن أنهم سيتصلون بطرف معين يختارونه هم لأسباب تخدم مصالحهم الخاصة مهما كان رأي بقية العالم بهذا الطرف، ومن الممكن أيضا أن يرسلوا رسائل إلى جميع دول العالم يبلغونهم بوجودهم ويفرضون عليهم الطريقة الأفضل للقدوم بشكل منظم ومن دون إثارة أي مشاكل لسكان الأرض وفي هذه الحالة فإن دول العالم ستقع في ورطة عويصة، فهذا الموقف جديد بالنسبة للجميع وستنسى الدول العظمى وغير العظمى خلافاتها مهما وصلت درجة حدتها للاتفاق حول الطريقة المثلى للتعامل مع الموقف، وقد ذكر الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان (1911 ـ 20014) بنفسه هذا الاحتمال في خطاب وجهه إلى نظيره السوفييتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف (1931) عام 1985 ولا نعلم إذا كان الرئيس الأمريكي يمزح هنا أم لا، ولكن هذا يعطي الانطباع بأن الفكرة قد تكون قد خطرت بشكل جدي ببال الدول المتقدمة وأن هناك اتفاقا ما محتملا بينهم حول هذا الشأن. والسؤال التالي هو هل ستعلن الحكومات رسميا لشعوبها وصول الزوار الفضائيين، إذ لا توجد دولة تريد أن تسبب حالة من الذهول لشعبها، ولكن هل ستستطيع أي دولة إخفاء هذا الأمر إذا قرر الزوار الفضائيين إعلان وجودهم؟ وسواء عرف المواطن بقدوم الزوار أو لم يعرف ففي جميع الأحوال ستتقزم الدول مهما كانت عظمتها وستفقد الحكومات والطبقات الحاكمة هيبتها أمام شعوبها وتشعر الدول بحالة من الشلل التام تجاه هؤلاء الزوار فعلى خلاف الأفلام السينمائية لن تكون مقاومتهم سوى ضرب من الانتحار والجنون، بل قد تحاول بعض الدول وبشكل منفرد أن تتفق مع الزوار ضد الدول الأخرى وقد يحاول أشخاص عاديون الحصول على دعم من الزوار لخدمة مصالحهم الخاصة مقابل خدمات وعلى حساب مصلحة البشر، ولكن خداع الزوار سيكون مستحيلا بسبب إمكانياتهم الهائلة التي تتيح لهم فرصة معرفة كل ما يدور في خلد من يتكلم معهم قبل ان يقول كلمة واحدة.
ومن الممكن أن يقرر الزوار عدم إبلاغ أحد بوجودهم واللجوء إلى تأسيس قاعدة لهم على الأرض بشكل سري والتجول في شوارع مدن الأرض وكأنهم غير موجودين وسيكونون قادرين على دخول الكرملين والبيت الأبيض متى شاؤوا وبدون أن يشعر بهم أحد إلا إذا أرادوا هم عكس ذلك. وإذا تم الاتصال بين الزوار ودول الأرض بسلام والتقوا بقادة العالم وحدث كل شيء بشكل سلس فإن تأثير الزوار على العالم سيكون هائلا، فمن الممكن القول إنهم سيكونون قادرين على حل جميع المشاكل الطبية والتكنولوجية لسكان الأرض، ولكن هذا لا يعني أنهم سيقومون بمساعدة سكان الأرض بهذه البساطة، لأن مساعدة من هذا النوع لا يمكن أن تتم إلا إذا كانت من خلال مفاهيمهم وثقافتهم.
أما التأثير الثقافي للزوار على سكان الأرض فسيكون هائلا. فقد يكتشف سكان الأرض ثقافات جديدة وخبرات في الحياة لم يألفوها بل حتى صادمة وقد يكتشفون أن الكثير من أهم مفاهيمهم الثقافية كانت هراء وأن بعض أبرز الشخصيات في التاريخ كانت زائفة وسوف تفقد الشعوب المتفاخرة برقيها وتقدمها احترام الآخرين لها لوجود لاعب جديد في العالم لا يضاهيه أحد في أي شيء. وسوف يحتقر سكان الأرض أنفسهم للأرواح التي فقدت والأموال التي صرفت والمجتمعات التي مزقت والحضارات التي محيت في حروب طاحنة على مدى التاريخ والتي أخرت العالم علميا وحضاريا حوالي ألف عام (حسب العالم كارل ساغان) أي أن مستوى العالم بعد ألف سنة من الناحيتين العلمية والحضارية كان يجب ان نعيش فيه الآن.

٭ كاتب عراقي

زوار من الفضاء الخارجي

زيد خلدون جميل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية