«زوربا» واليونان.. وأدب «أحبكي كي أراكي».. ودراما سورية في مهب العبث

حين رفع اليونانيون «لا» كبيرة في وجه حاضنتهم أوروبا (وهم أصلا الحاضن الحضاري للقارة)، لسبب ما تذكرت زوربا اليوناني، الشخصية التي خلقها كازنتازاكيس، وشخصها العملاق الراحل أنتوني كوين في فيلم بات من روائع كلاسيكيات السينما.
زوربا، العبثي حد التهور، والمحب للحياة حد الرقص في مناسبات العزاء، تماثل لي فجأة (بصورته الكوينية طبعا) في شوارع أثينا التي تبثها قنوات الأخبار، فرحا بانتصاره ، وتعميم فلسفته الرافضة للإنصياع لكل ما هو سلطوي .
على أوروبا اليوم، أن تعيد التفكير جديا بفلسفتها الحديثة، والعودة للأصول، حيث كانت أثينا منبعها، وعلى أوروبا أنو تواجه زوربا، وتتفاهم معه، وفي النهاية، سيرقص السيد الأبيض طواعية وباقتناع كامل مع زوربا على شاطىء البحر!

«أدباء التيك أوي»

لم تكن أحداث اليونان وحدها السبب في دفعي لاستخراج رواية كازنتزاكيس «زوربا» وغيرها من عيون الأدب العربي والعالمي من صندوق مرمي في قبو المنزل، لكن كان لا بد من استعادة الإحساس بالذوق الأدبي وقد شعرت بتلوثه قليلا لدي، من خلال تعرض ذائقتي لكل ما يتم عرضه على صفحات الـ «فيسبوك».
هناك ظاهرة مستشرية، وأعدها أنا خطيرة على «فيسبوك» العالم العربي تحديدا، لا تجدها لدى الأمم الأخرى، وهي ظاهرة «أدباء التيك أوي» وهم مجموعة من محدثي نعمة فك الحرف العربي، من شباب وصبايا على الأغلب، وقد انبهروا بأدب أحلام مستغانمي أو واسيني الأعرج مثلا، فاعتقدوا واهمين أنهم على السوية نفسها من الإبهار، عبر جمل تركيبية وفقرات «وجدانية» لننتهي بأدب «أحبكي كي أراكي» الذكوري، وأدب «كبرياء أنثى» الأنثوي.. أما الأخطاء النحوية والإملائية فغير مهمة لأن المعنى أهم كما يقولون، وهذا ما يحيرني، لأني لا أجد المعنى أساسا.
الأدهى أن كثيرا منهم لم يبلغ السن القانونية لكتابة معاملة رسمية أو التوقيع عليها، لكنه قادر على نشر كتاب مطبوع مثلا، وبحملة علاقات عائلية ومحطات تلفزيون تبحث عن أي مادة مجانية لتغطية بثها يتم استضافتهم في برامج الحوار الصباحية كأدباء مبدعين.. ونماذج أدبية عبقرية.
وينتشر هؤلاء على الـ «فيسبوك» ويتبعهم الغاوون من مراهقي العشق الممنوع المسحورين بالدراما التركية فننتهي بجيل إما غاضب ومغيب تستقطبه «داعش»، او جيل تافه ومغيب يستقطبه عالم افتراضي فيغيب عن واقعه.

« 24 قيراط» من المط

طبعا لا تزال فانتازيا الفضائيات العربية، هي سيدة الغياب عن الواقع، من خلال دراما رمضان السنوية، حيث تشتد وطأة التنافس وقد حلقت المسلسلات، وأخذ المشاهدون أماكنهم حسب توقيت العرض، وصار لكل مسلسل مريدوه وأتباعه، ومن تلك المسلسلات «24 قيراط»، الذي يمثله ثنائي كل سنة، عابد فهد وسيرين عبدالنور.
يبدو أن عابد فهد، أعجبته فكرة هذا النوع من المسلسلات التي تتطلب شخصياتها جهدا بسيطا من الأداء التمثيلي الحقيقي، وكثيرا من الغضب المفتعل والدموع الغزيرة، رغم أن هذا الفنان تحديدا قادر على أكثر بكثير من ذلك.
أتذكر حين أرى العاشق عابد فهد في «24 قيراط»، كان يمثل شخصية صامتة في الأغاني التي كان يقدمها ياسر العظمة في مراياه منتصف الثمانينيات، وكان أداؤه الصامت والكوميدي في تلك «السكتشات» الغنائية، مبهرا وكوميديا بامتياز.
« 24قيراط»، هو من نوعية أدب «أحبكي كي أراكي» ذاتها مع نكهة دراما تحاول مزاحمة الدراما التركية عبر قصة ممطوطة على طول ثلاثين حلقة، لتكفي شهر رمضان.. ولو ارتأى المخرج مثلا أن يقدمها في سهرة واحدة لليلة العيد لاستطاع ذلك بدون أن يمس جوهر القصة .

تفريغ التاريخ السوري في «باب الحارة»

لكن.. في الدراما السورية التي توزعت بين ستوديوهات العالم العربي، فإن الكم هذه المرة غلب النوع، مما أدى إلى انتقادات واسعة عبر صفحات سورية على وسائل التواصل الإجتماعي تهاجم كثيرا من الأعمال، التي يرى فيها المنتقدون تشويها لتاريخ سوريا العظيم.
وقد أتفق مع كثير من الانتقادات، وقد أجبرت نفسي لغايات الإطلاع أن أتابع بعض حلقات «باب الحارة « في جزئه الأخير، لأكتشف أن المسلسل فقد حتى مميزاته الثانوية القديمة، مثل إظهار أنواع الطبيخ الشامي، أو جمالية الديكور المنزلي الدمشقي!!
طبعا غير فقدان المضمون المحترم الذي يتماهى والتاريخ الواقعي لسوريا والشام، فالمسلسل حسب رؤية الناقد السينمائي السوري بشار عباس يعكس رجع الصدى لأمنيات ثقافة النفط والبترول الوهابية، بتفريغ التاريخ السوري عبر الدراما من محتواه الحقيقي، وبتفريغ الحارة الدمشقية من واقعيتها.
«باب الحارة» ليس العمل الوحيد الذي يرتكب تلك الجريمة بحق المتلقي، فهناك أعمال درامية سورية تشعر بأجندة غريبة تحرك السيناريو والممثلين فيها، كأن في الأمر فعلا، استهدافا ثقافيا يرغب بشطب الوقائع وترسيخ الفنتازيا الممزوجة بهلوسات التاريخ في ذهنية المتلقي.
لكن وبصراحة، أكثر ما صدمني بمستوى شخصي، كان في رؤية الفنانة أمل عرفة، لدور الحماة!
لا أنتقد أداءها وهي من الفنانات المقتدرات جدا، لكن مرد دهشتي أن الصبية الجميلة في حسابات جيلي، صارت حماة! لقد هرمنا فعلا.

قناة «رؤيا» الأردنية والعودة للمعايير

أول عصر التلفزيون العربي، وأيام الأبيض والأسود، وحسب ما تعلمنا وقرأنا عن ذلك الزمان، كانت هناك أيامها لجان في كل محطة، أعضاؤها من كبار الأساتذة في كل مجال، ووظيفتهم غربلة وفرز المرشحين وتأهيل الجيد منهم ليظهر على الشاشة!
هذا في زمن كانت الأخطاء فيه مشفوعة بحكم التقنية الجديدة، ونسبة المشاهدين أصلا قليلة.
لكن في زمن الفضائيات، حيث لا مجال للأخطاء، خصوصا أن التلفزيون هو المتحكم في الرأي العام، فقد اختفت تلك اللجان، لنجد من هب ودب يتقافز أمامنا على الشاشة، ليقدم منتجه التلفزيوني بدون حسيب ولا رقيب.
مرة أخرى، قناة «رؤيا» الأردنية على قائمة المفضلات عندي لوجود بعض البرامج السياسية التي كسرت رتابة وملل التلفزيون الأردني الرسمي، لكن ما تقدمه هذه القناة في ساعة كوميديا يوميا، يتجاوز حدود العبث السمج.
أي لجنة من لجان الزمن المحترم ستسمح مثلا، لشاب يستظرف نفسه كثيرا، أن يتصدر الشاشة لوحده في عرض «كوميدي» كما يقولون، فلا نرى إلا عرض عضلات في مفردات حديث القهاوي الرخيصة، وحوار أحادي ثقيل الظل؟
هناك معايير يجب العودة إليها، ولا أقصد رقابة بقدر ما أقصد احترام المتلقي، ولكي لا يتفلسف المتفلسفون، حتى في دول الغرب هناك لجان تعمل على تقييم ما يصلح بثه، ومعايير تتناسب والمجتمعات المحيطة.
ما يخرج من الحسابات، فليبق على قنوات الـ «يوتيوب».. خاضعا لكبسة زر.

كاتب من الأردن يقيم في بروكسيل

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية